.jpg)
أي احاطة لمواقف “حزب الله” من التطورات الاقليمية وملفاتها، تجاوزتها الاعتبارات والحسابات اللبنانية الداخلية منذ امد بعيد، بحيث ان اي موقف او خطاب او تصريح من اي من قياديي الحزب وعلى رأسهم السيد حسن نصرالله يجب ان يُقرأ في اطار اوسع واشمل من المعادلة اللبنانية وتشعباتها وحساباتها المحددة.
من هذا المنطلق نجد انه من الضروري لفت نظر الرأي العام الى الحقائق التالية:
اولاً: في الملف الاقليمي والصراع بين المحاور الدولية والاقليمية وبعدما اثبت “حزب الله” تورطه الكامل والشامل فيه، اعتنق الحزب يوماً بعد يوم وخصوصاً ابان تدخله في الحرب السورية، ثقافة جيو – سياسية في النظرة الى الصراع القائم تلاقي الجماعات والمنظمات السلفية والاسلامية المتطرفة، في اعتبار ان المواجهة مفتوحة ومسطحة، أي وبعبارة اوضح ان المواجهة اطاحت بحدود الدول في المنطقة وحولتها كلها الى ساحة واحدة لا حدود بينها للمبارزة، ما قد يفسح في المجال بسقوط التقسيمات الحدودية للدول والتي تُنسب خطاً لاتفاقية سايكس – بيكو، لأن الاتفاقية المذكورة لم تقسم الدول في المنطقة بل مناطق النفوذ بين القوى العظمى انذاك المنتصرة والمنتدبة .
فالرؤية الجديدة التي توافق الحزب على اعتمادها مع سائر المنظمات المعادية له، ابطلت مفاعيل الحدود بين الدول مما اتاح ويتيح وسيظل يتيح ويفاقم في استباحة الفواصل بين دول المنطقة واستباحة المساحات الجغرافية التي تحولت كلها الى ساحة مبارزة بين التيارات الفكرية والعقائدية.
لذلك لا يجب ان نستغرب بعد اليوم ادبيات الحزب في خطبه ومواقفه السياسية من ملفات المنطقة لانه بات جزءا من منظومة تعتبر تدخلها في اي بقعة من بقاع المنطقة العربية والاسلامية، امراً مقدساً ومباحاً ومتاحاً من دون مراعاة لمصطلحات وثوابت الدول وسياداتها على اراضيها.
ثانياً: ان الحزب حالياً امام تحديات جدية فيما يتعلق بدوره الاقليمي وهواجسه من التحولات والتقلبات التي تعيشها ساحات الصراع ولعل من يتعمق في كلام السيد حسن نصرالله الاخير في خطابه بمناسبة يوم القدس العالمي ويقرأ بين سطور كلامه لايلبث وان يدرك عمق اليقظة والتوجس اللذين يميزان المواجهة التي يخوضها بالوكالة تارة او باسم ايران طوراً في مواجهة التطورات المتسارعة في المنطقة ولا سيما غداة تعيين ولي العهد السعودي الجديد الامير محمد بن سلمان المعروف بتشدده تجاه ايران وبنفس الوقت القادر على حياكة تحالفات فاعلة اقليمياً ودولياً على وضع برنامجه وافكاره ورؤيته السياسية والجيو – سياسية في المنطقة قيد التنفيذ.
فالسعودية في صراع مفتوح ومتصاعد مع ايران التي اتهمت الرياض مؤخراً بالوقوف وراء هجمات طهران الارهابية وصواريخ ايران على دير الزور ضد “داعش” والتي فسرها المراقبون على انها انطوت على اكثر من رسالة الى كل من الرياض وواشنطن ابان توقيع اعلان الرياض بعد القمة الاميركية – العربية – الاسلامية والتحالف الناجم عنه.
يضاف الى ذلك التحديات المتفاقمة التي تأتي من البوابة الاميركية، حيث واشنطن بالمرصاد وراء الحزب لتصنيفه ارهابياً ولقطع التمويل عنه ومعاقبة وملاحقة مصادره: وفي هذا الاطار تحاول الولايات المتحدة حالياً اقناع الاوروبيين بادراج الحزب على لائحة المنظمات الارهابية في وقت اكتفى الاوروبيون الى الان، بتصنيف الجناح العسكري للحزب بالارهابي من دون الجناح السياسي.
فالمواجهة الاميركية ضد “حزب الله” مفتوحة ومرشحة في الاشهر القليلة المقبلة الى المزيد من التفاقم لأن سياسة الرئيس ترامب تختلف عن سياسة الرئيس اوباما الذي انفتح على الايرانيين على حساب العرب والخليجيين تحديداً ما اعطى في حينه للحزب اريحية مالية مع بدء رفع العقوبات الدولية على ايران بموجب الاتفاق النووي انذاك، تلك الاريحية التي لم تعد موجودة حالياً خصوصاً في ظل الازمة المالية الخانقة التي يعانيها وبالتالي العداء الاميركي لايران ينسحب على “حزب الله” ويترجم تصاعداً وتصعيداً في حرب العقوبات ضده، في ظل وجود توجهات لدى ادارة الرئيس ترامب وفرق العمل المتخصصة في ادارته بشن حرب شرسة على الحزب سواء في لبنان او العالم.
ثالثاً: “حزب الله” حالياً في عين العصف في لحظة التحولات الاقليمية والدولية، لكن المشكلة ان لبنان معرض لتأثيرات هذا العصف السلبي خصوصاً وان الحزب لا يزال ينجح في فصل دوره الوطني الداخلي عن دوره الاقليمي وان بصعوبة احياناً عندما يهاجم السعودية فيحرج لبنان الرسمي مجدداً ويطيح الى حد ما باجواء التفاؤل التي خلفتها الانجازات الاخيرة للعهد داخلياً وهو (اي الحزب) يقدم التسهيلات الداخلية لحلفائه وفي طليعتهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في موضوع شائك كموضوع قانون الانتخابات استعداداً منه للطلب اليه في المقابل الوقوف الى جانبه ودعمه في المحافل الاقليمية والدولية ان اشتد الطوق الدولي عليه في المرحلة المقبلة.
فكلام السيد حسن نصرالله الاخير ومواقفه النارية لم تكن الا رسائل ايرانية، لم يستطع اعفاء نفسه من اطلاقها لما تتطلبه المرحلة الحرجة وان كان الثمن احراج العهد والحكومة سعودياً وخليجياً في هذه اللحظات الدقيقة والشائكة من تاريخ المنطقة عامة والخليج خاصة.
