#adsense

إلغاء الطائفية… يضرب الفكرة اللبنانية

حجم الخط

نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتوصل في “القوات اللبنانية” شارل جبّور في مجلة “المسيرة” – العدد 1617:

يعاد بين الحين والحين إحياء الطرح القديم المتعلق بإلغاء الطائفية التي تنسب إليها كل خطايا البلد وشروره ويتم تحميلها ما لا يتصوره عقل وخيال. فهي بنظر هؤلاء مسؤولة عن الحرب الأهلية وتحول دون قيام دولة حديثة ومتطورة وتقف حاجزا أمام الاستقرار المنشود وتُبقي النزاع كالجمر تحت الرماد.

وهذا التوصيف ليس فقط ظالما بل لا علاقة له بالواقع والحقيقة، حيث تم تحميل الطائفية ما هي براء منه، لأن عدم الاستقرار وتغييب الدولة والحروب الساخنة والباردة مردها إلى الانقسام في التوجهات والخيارات الكبرى، والطائفية مجرد عامل صغير في المشهد الانقسامي الكبير.

صحيح ان الصراع تظهّر في الحرب على انه بين المسيحيين والمسلمين، ولكن مع فارق جوهري انه لم يكن صراعا دينيا، إنما أسبابه وخلفياته كانت وطنية بامتياز وتتصل بدور لبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي والصراعات الخارحية وعلاقاته مع الخارج بدءا من دول الجوار وصولا إلى كل العالم، ومطالبات فريق داخلي بإدخال تعديلات على النظام، وهي محقة بالتأكيد، لا تنفي إطلاقا الخلاف البنيوي على الخيارات الكبرى.

فهناك من كان يعتقد ان المقاومة الفلسطينية من لبنان ضد إسرائيل هي واجب وحق، ومن كان يعتبر ايضا ان الوجود السوري في لبنان هو وجود أخوي وضروري وحتى موجود في بلده، وهذا النمط من التفكير لا يبدل شيئا في طبيعة الواقع الطائفي، والدليل ان التعديلات الجوهرية التي أدخلها اتفاق الطائف لم تنهِ الصراع في لبنان، ما يؤكد ان المشكلة ليست طائفية بل سياسية بامتياز، وصدف ان المكون المسيحي مع خيارات لبنانية والمكون المسلم مع خيارات أوسع من لبنان.

ولعل أفضل مثال ان الأزمة سياسية لا طائفية هي «حزب الله»، فهل إلغاء الطائفية يدفع الحزب لتسليم سلاحه للدولة وتحويل أولويته من إقليمية إلى محلية؟ بالتأكيد كلا، وبالتالي الصراع ليس بين الشيعة وسائر الطوائف في لبنان، إنما صدف ان جزءا كبيرا من الشيعة مع سياسة الحزب التي تتناقض مع سياسة المكونات الطائفية الأخرى وتشكل استمرارا للنزاع الذي بدأ على أثر حرب العام 1967 مرورا باتفاق القاهرة وصولا إلى 13 نيسان 1975.

وتأسيسا على ما تقدم المشكلة كانت وما زالت في كيفية إدارة التنوّع اللبناني من خلال احترام كل جماعة لخصوصيات الأخرى والاتفاق على مبادئ وثوابت عامة تشكل المساحة الوطنية المشتركة بينهم، وأي خروج عنها، والتجربة أكبر دليل، ينزلق لبنان إلى متاهات وحروب تتنقل بين الساخنة والباردة.

وخلافا لكل الجو الذي يصوِّر الطائفية على غير حقيقتها، تشكل الطائفية غنى للبنان للأسباب الآتية:

أولا، لبنان هو البلد الوحيد في العالم العربي والإسلامي الذي تتشارك فيه كل المكونات المذهبية المسيحية والإسلامية في السلطة، وبالتالي يجب الحفاظ على هذه التجربة الفريدة والنموذجية بدلا من شيطنتها كل يوم.

ثانيا، الطائفية منعت النظام السوري من سورنة لبنان والذي كان اعتقد ان إلغاء الأحزاب كفيل لوحده بتأبيد وضعه في لبنان، ولكنه عاد واصطدم بالبنية المجتمعية للجماعات الضاربة في أعماق الواقع اللبناني، فانتفضت وأخرجته من لبنان. والعبرة من ذلك ان الجماعات تشكل مصدر حماية للبنان لجهة حرياته وسيادته ونمط عيشه.

ثالثا، الطائفية حمت الحريات في لبنان، حيث ان التوازن بين الجماعات منع هيمنة فئة على أخرى على غرار الأنظمة المجاورة التي تتحكم فيها الأقلية بالأكثرية او العكس.

رابعا، يشكل لبنان مساحة اختبار وحاجة إسلامية لإسقاط حالة الإسلاموفوبيا المنتشرة عالميا، والدليل ان المسيحي اللبناني لا يشعر بالخوف من شريكه المسلم، بل يتكاملان ضمن تجربة نموذجية، وبالتالي يوجه لبنان رسالة الى كل العالم ان الخوف من الإسلام في غير محله، والإرهاب يستهدف الإسلام قبل غيره.

خامسا، يشكل لبنان حاجة مسيحية وإسلامية لإقامة دولة تتميز عن الدول الغربية بانها ليست علمانية، كما تتميز عن الدول العربية والإسلامية بانها ليست دينية، فيما لا يوجد دولة في العالم تحافظ فيها كل جماعة على خصوصياتها وشعائرها وتمثيلها ضمن دولة مدنية.

سادسا، تعرضت الصيغة اللبنانية للتشويه بفعل الاحتلال السوري الذي ضرب التمثيل المسيحي، وبالتالي لا يجوز بعد 27 سنة نضال لإعادة تصويب تلك الصيغة أثمرت انتخاب رئيس للجمهورية يمثل تطلعات بيئته، وإقرار قانون انتخاب يصحح الخلل في التوازن والشراكة والمساواة ويشكل بحد ذاته خطوة إصلاحية تعطي كل شرائح المجتمع فرصة التمثل في الندوة البرلمانية، لا يجوز بعد كل ما تحقق إعادة النظر بالنظام، بل يجب تحصين هذا الإنجاز الذي يحيي الميثاق اللبناني.

وفي موازاة كل ذلك لا يعقل تطوير النظام وإفقاده عناصر قوته في ظل حالة فتنوية خارج لبنان، وتعذر إمساك الدولة بالقرار الوطني الاستراتيجي داخل لبنان، فيما التجربة اللبنانية الخلاقة والنموذجية تستحق إعادة النظر بمقولة قديمة لها ظروفها وخلفياتها وأسبابها وأهدافها المعروفة والمسماة إلغاء الطائفية، بينما الواقع الذي يعيشه لبنان قد يشكل نموذجًا حيويًا لتطبيقه في المجتمعات التعددية والطائفية لتأمين المشاركة في السلطة بدل الطغيان، وليكون حلاً للصراعات لا مغذيًا لها وتحويل هذه التعددية الى نعمة بدل أن تكون نقمة.

للإشتراك في “المسيرة” Online: 

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل