حملنا الشهدا ع ضهرنا وكل دقيقة كانت توازي حياة إنسان

كتبت جومانا نصرفي “المسيرة” – العدد 1617

ثمة أسماء حفرت في تاريخ الحرب اللبنانية ودوّنت على صفحاته معارك وبطولات، من دونها ما كان لمفهوم العيش بكرامة وحرية أي وجود. فؤاد طحطوح، واحد من هذه الأسماء التي كرست فعل المقاومة تعويذة منذ اندلاع الحرب اللبنانية. يومها كان في «عرين الأسود» في زحلة ولم يكن تجاوز ال17 عاما. حمل البندقية دفاعا عن الأرض، عن لبنان الذي درس عنه في كتاب التاريخ على مقاعد الدراسة التي هجرها قسرا، عن الجرد الذي صار رفيق ذاك المراهق ونضالاته في معركة زحلة. وفي ذاك الجرد الذي ارتوى بدماء رفاقه الشهداء خلال فترة الحصار كتب فؤاد طحطوح أو «المختار» كما لقبوه، حكايات البطولة، وصار بمثابة «الدالول». ولولا ذاك «الدالول» لبقي رفات عشرات الشهداء غرباء عن مثواهم الأخير وأبعد ما يكونون عن صلوات أم ثكلى عزاؤها الوحيد زيارة ضريح إبنها الشهيد.

في ذاكرة «المختار» الكثير الكثير من محطات مغمسة باللون الأحمر يرويها اليوم بدقة احتراما لأرواح شهداء ووفاء لشهداء أحياء حملوا البندقية ذات يوم وعاشوا فعل النضال والمقاومة. محطات يرويها لتكون عبرة للذاكرة وشهادة ل«الحراس» الواقفين على ذاك الجرد اليوم يتنفسون الحرية بفعل «حراس» الأمس.

في مسيرة «درب الحرية» التي نظمتها دائرة السياحة في مصلحة رجال الأعمال في حزب «القوات اللبنانية» مشى فؤاد طحطوح مع رفاق تكريما للمقاتلين الذين سلكوا الدرب من بيروت صعودا نحو زحلة والتي كانت تشكل المنفذ الوحيد للشباب خلال فترة الإحتلال السوري. على الطريق استعاد محطات من عمر مشاه على تلك الدرب.هو لم ينسَ. ولن ينسى. حاول أن يختصر الذاكرة، أن يعصر محطات المعارك، لكن عبثا. ففي كل محطة صفحات من تاريخ يروي سيرة من كانوا هناك خلال معركة زحلة.وفؤاد طحطوح واحد من هؤلاء الأبطال وكان هناك.

في 22-12-1957 ولد فؤاد طحطوح في حي البربارة في زحلة في عائلة مؤلفة من 6 شبان و3 فتيات. لكن الصبي الخامس في ترتيبه بين الإخوة لم يتقن فعل الشيطنة في شوارع ذاك الحي الزحلاوي على غرار ابناء جيله الذين وضعت الحرب اللبنانية سنين عمرهم الطري رهن الإنتظار والخوف وصبغته برائحة الموت والدم.

كان عمر فؤاد 17 عاما وكان لا يزال على مقاعد الصفوف الثانوية عندما اندلعت الحرب اللبنانية. ومع اندلاعها استبدل الحقيبة المدرسية بالجعبة العسكرية وتوجه إلى مخيمات التدريب التي كانت استحدثت لتدريب الشباب على القتال للدفاع عن الأرض والوجود الحر وخضع لدورات تدريبية في مخيمات التجمع الزحلي وميروبا وقهمز ومخيمات أخرى في جرود كسروان.

بعد انقسام الجيش اللبناني تطور مفهوم الدفاع في المناطق اللبنانية كافة، فانتسب فؤاد إلى مركز تمثال العذراء في زحلة وبدأ يتدرب مع مجموعة من الشباب على قتال الدبابات والقطع الحربية الثقيلة لتولي مهام المساندة وتسلُم المواقع بعد انسحاب وحدات الجيش اللبناني منها.

في أيار عام 1976 كانت بداية الترجمة العملانية للمقاتل فؤاد الطحطوح. ويروي:» في هذه الفترة من العام 1976 بدأت عمليات الخطف والقتل على يد المنظمات الفلسطينية واعوانهم  وعناصر جيش الإحتلال السوري تتكاثر فاشتد الطوق على مدينة زحلة وقطعت الطرقات ولم يبق أمام أبنائها سوى طريق الجرد التي كان يسلكها الأهالي سيرا على الأقدام للوصول إلى المدينة. فكان من الضروري تحصين هذه الطريق. تمركزنا في عدة نقاط منها قلعة نيحا وتلة الديدبة وضهر المغر وعرنطا والكركون والغرفة الفرنسية في عيون السيمان. وأذكر أنه كانت تمر علينا ليال من دون ان نسمح للنعاس او النوم بالتسلل إلى جفوننا. فكل دقيقة كانت توازي حياة إنسان».

أربعة أشهر أمضاها فؤاد الطحطوح في الغرفة الفرنسية يحرس الدرب ويسهر مع رفاق على تأمين وصول الأهالي سيرا على الأقدام إلى زحلة. وبعد مجزرة القاع في حزيران 1976 توجه مع مجموعة من المقاتلين إلى شكا ومنها إلى كفرعبيدا لمساندة المقاتلين في صد الإجتياح الذي كانت تتعرض له المناطق المسيحية، ثم عاد الى جرود عيون السيمان ويروي: «كنا حوالى 300 شاب زحلاوي في جرد عيون السيمان من بينهم 35 شابا من قسم البربارة يتقدمهم شقيقي الأكبر الذي انتسب لاحقا إلى إحدى الرهبانيات اللبنانية. هناك خضنا أعنف المعارك إلى جانب الجيش اللبناني ضد مواقع تابعة لتنظيمات يسارية وفلسطينية وجيش الإحتلال السوري،  لا سيما في جرود بسكنتا والزعرور وسقط نحو 12 شهيدا  منهم بشارة التن الذي كان يلقب ب«حيدور» ووجيه فرنجي من عديد احتياط الجيش اللبناني. واكتشفنا أن غالبية الشهداء سقطوا نتيجة القصف من مواقع جيش الإحتلال السوري الذي غدر بنا بعدما أوهمنا بأنه سيؤمن لنا الحماية والتغطية لتمشيط المنطقة وتحريرها من فلول التنطيمات اليسارية والفلسطينية. وتمكن من الغدر بنا وقصف مواقعنا التي كانت مكشوفة عليهم. مع ذلك استطعنا أن نبقي السيطرة محكمة على الطريق العسكرية لتأمين التواصل والإمدادات مع باقي المناطق المسيحية. فكنا نحمّل الذخائر على ظهرنا وأحيانا كانت تصل زنة الحمولة من الذخائر والعتاد  حوالى 40 كيلوغراماً ونجتاز طريق الجرد من عيون السيمان إلى زحلة سيرا على الأقدام وكانت تستغرق الرحلة حوالى 9 ساعات في فصل الصيف و12 ساعة شتاء بسبب كثافة الثلوج ورداءة الطقس والعواصف. وعندما تفرغ مؤونتنا من الذخائر والبنادق كنا نعمد إلى شرائها بأسعار خيالية من تجار تهريب الأسلحة».

عمليات الكر والفر داخل مدينة زحلة شارك فيها فؤاد الطحطوح وكان شاهدا على دماء الأبطال الشهداء الذين كانوا يسقطون يوميا على أرض تلك المدينة.:» في أيلول عام 1980 اغتيل المسؤول عن القوى النظامية في حزب الكتائب في البقاع جورج سعادة في غرفة المحولات الكهربائية في مستشفى تل شيحا حيث كان يعمل في قسم الصيانة  وفي تشرين الثاني اغتيل مسؤول القوى النظامية في زحلة فوزي خزاقة على طريق كسارة أثناء عودته من قريته جديتا.  هذا الجو خلق حالا من الهلع في صفوف الأهالي لا سيما وأنها كانت تترافق مع عمليات خطف على الحواجز الطيارة لا سيما بعد استعادة مجموعة من «العملاء» الذين لوثوا تاريخهم بالتعامل مع جيش الإحتلال السوري مركزا لهم في أعالي حوش الأمراء. وبعد رفضهم الخروج منه عن طريق مفاوضات تولاها زعماء سياسيون وحزبيون، اندلعت أشرس المعارك في المدينة ومحيطها لا سيما بعد إدخالهم حوالى 50 عنصرا مدججين بسلاح من النوع الثقيل والمتفجرات. وسبق تلك العملية اقتحام مركز المفوضية في منطقة البربارة من قبل هذه المجموعات وبدأت عمليات ترهيب الأهالي والتطاول على حرماتهم وممتلكاتهم بالتنسيق مع الجيش السوري. وكانت الخطة تقضي بإحداث أعمال تخريب في المنطقة وترهيب الأهالي بهدف دفعهم إلى مغادرة منازلهم والإستيلاء عليها ودخول جيش الإحتلال السوري إلى المنطقة. بس طويلة ع رقبتن. فكانت خطة الدفاع المحكمة التي قامت بها مجموعة من المقاتلين وأنا من بينهم. في هذه المعركة استشهد الرفيق سمعان كفوري الذي كان يتمركز عند إحدى النقاط في محيط البولفار حيث حاول السوريون التسلل بهدف الإطباق على المنطقة. وبعد استشهاده دارت اشتباكات عنيفة بين عناصر تابعة لجيش الإحتلال السوري ورفاق لنا كانوا يتمركزون في حارة الراسية وتمكنا من السيطرة على نقطة البولفار وتعطيل شاحنة عسكرية سورية فاضطر العناصر إلى الهرب نحو حاجز أوتيل القادري.

أما الخطة «ب» فكانت تقضي في شل حركة عناصر جيش الإحتلال في مركز المفوضية الذي كانت تتمركز فيه أعداد كبيرة من المسلحين وقد عملت على العبث بأرواح الأهالي وتخريب محالهم وسرقة أرزاقهم. وبعد نحو الساعة من المواجهات العنيفة تمكنا من السيطرة على المركز وتم أسر نحو 20 مسلحا واستشهد كل من نقولا حداد وجرجس معلوف بالإضافة إلى عدد كبير من الجرحى.

صباح اليوم التالي يضيف طحطوح طلب السوريون وقف إطلاق النار لسحب جثث قتلاهم وإخلاء حاجز أوتيل القادري الذي كان يهدد الأهالي ويعمل على خطف الشباب بحسب اللوائح التي كان يتم تسريبها إليهم من مراكز المخابرات السورية.

كثيرة هي الروايات عن معركة زحلة ، وموجعة في تفاصيلها وإن كانت مؤطرة بزنار من الشهادة والبطولات. هذه التفاصيل التي يتوقف عندها مقاتلون في رواياتهم وتكاد تمزقهم أحيانا: «بس نحنا ولاد زحلة مربى الأسود وطويلة ع رقبة المحتل إنو يفوت ويحتل أرضنا». ويكمل فؤاد الطحطوح: «قبل يومين من ميلاد العام 1980 بدأت القذائف تنهمر متل الشتي ع زحلة. أرادوا تركيع أهلها وتطويع شبابها لحثهم على رفع الرايات البيضاء والإستسلام. كنا مكشوفين من كل الجهات ولا نتحرك إلا في ساعات الليل. وترافقت عمليات القصف مع تسلل سرية من الدبابات التابعة لجيش الإحتلال السوري إلى مدينة زحلة من عدة محاور ومنها منطقة بئر هاشم بهدف قطع طريق الإمدادات وتطويقها من جهة الجرد وتلال حرقات حيث كنا نتمركز. فكانت المواجهة بالأسلحة العادية والقنص. في هذه الأثناء تلقيت برقية من القيادة بضرورة التوجه إلى الموقع وإعطاء إحداثيات بواسطة جهاز اللاسلكي. وعند وصولي إلى منطقة ضهر المغر مع ثلاثة رفاق طلبت منهم الترجل من السيارة والتمركز على التلة. وعدت بالسيارة نحو إحدى المنحدرات لإخفائها. ولم أكد أترجل منها وأبتعد عن مكانها مسافة متر حتى دوى انفجار. نظرت خلفي فرأيت السيارة تشتعل بسبب إصابتها بقذيفة دبابة من جهة جور حزرتا. وعلى رغم إصابتي بشظايا في كل أنحاء جسمي أكملت السير نحو التلة حيث تمركز الرفاق… وعندما رأوني صرخوا «مختار بعدك عايش؟ انصبت؟» لم يصدقوا انني كنت حيا.

يدرك فؤاد طحطوح أنه لولا استشهاد الأبطال في زحلة لما كان ينعم اليوم كما كل الأهالي بهواء الحرية، ليس في زحلة وحسب بل في كل نقطة ارتوت ارضها بدمائهم. لكن اللائحة تطول. «في 2 نيسان كانت تحصل عملية تبديل للمجموعات القتالية. لكن الشباب كانوا مكشوفين. قذيفة سقطت على الخندق فتطايرت أشلاء خمسة شهداء هم بولس كرم وجوزف ريا وابن عمتي إيلي شمعون وطوني حاكم وجورج شديد وعلمت لاحقا ان شقيقه استشهد في نفس اليوم على إحدى جبهات زحلة. في هذه الأثناء كنت في القسم بعدما توجهت إليه ليلا لأخذ قسط من الراحة. فتوجهنا الى الموقع وكنا نتعرض للرصاص والقنص. وصلت إلى هناك فحملت الرفيق ميشال مارديني الذي أصيب بشكل بليغ على ظهري وتوجهت به إلى المستشفى الميداني الذي بات يعرف اليوم بمستشفى خوري وبقي شقيقي ملحم في الموقع مع مجموعة من الشباب في انتظار وصول سيارات الإسعاف. لكن عمليات القنص على الطريق المؤدية إلى الموقع حالت دون تمكن سيارات الإسعاف من الوصول فتولينا عملية نقل الشهداء بالسيارة ووصلنا إلى دير مار الياس الطوق بهدف الصلاة عليهم ودفنهم. لكن الكاهن لم يكن موجودا. فعدت بهم إلى الثكنة. ومع ساعات الليل عدت والشهداء إلى الدير بعدما تأكدت من حضور الكاهن. وبعد اتمام مراسم الجنازة تولى أحدهم توضيب الجثث في أكياس ووضع إسم كل شهيد قبل أن يواروا في الثرى في مدافن الدير. وبعد فك الحصار عن زحلة تم نقل رفات كل منهم إلى مدافن العائلة.

ثمة روايات موجعة تفاصيل لا نجرؤ أحيانا على إفراغها على الورق حتى لا نشوه الصورة الباقية من طيف الشهيد في ذاكرة الأحفاد. لكن تبقى الأسماء.. جوزف رياشي الذي خاض معركة إفرادية مع المحتل السوري وأصيب في رجله وفرغت جعبته من الذخيرة. آخر كلماته على جهاز اللاسلكي: «بدي كسر الجهاز حتى ما يوقع بإيد المحتل السوري وإقتل حالي بآخر رصاصة». وانقطعت أخباره ولم يعثر على جثته. جورج سركيس… عزيز الذي سطر بطولات قبل أن يستشهد برصاص الإحتلال وتطايرت أشلاؤه بفعل قذيفة سقطت على الموقع بعد استشهاده… سطر البطولات. عادل غريب…

أسماء وأسماء يحملها اليوم المختار في ذاكرته، يعصرها مع كل دمعة تسقط على شهيد في زمن السلم. وفي كل مرة يسير فيها على درب الحرية التي مشاها ورفاقه يعود إلى ذاك الخندق، إلى ذاك المتراس حيث لا تزال رائحة دم شهيد عالقة في ذاكرته. هناك يتذكر دمعة أمه التي كانت تذرفها قبل أن يغادر المنزل متوجها إلى الجبهة. كانت تترضى عليه وترسم وراءه شارة الصليب. أمه التي رفضت ووالده مغادرة المنزل في حي البربارة على رغم خطورة موقعه المواجه لمراكز الإحتلال السوري، لأنها لا تريد أن يدخله فؤاد ويجده باردا، غير محصن بدفء حنانها ورعايتها.

وعلى خطى اهل البيت يمشي «الدالول» اليوم مع افراد عائلته الصغيرة التي يروي لأفرادها سيرة من بطولات عاشها ليبقى وتبقى زحلة مربى الأسود.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل