
افتتح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أعمال مؤتمر الحوار الإسلامي- المسيحي، الذي دعا اليه قادة الطوائف وشيخ الأزهر، والمنعقد في جامعة سيدة اللويزة في زوق مصبح، في حضور ممثل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الوزير غطاس الخوري، ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب فريد الياس الخازن، الرئيس السابق العماد ميشال سليمان، الرئيس فؤاد السنيورة، وزير الداخلية نهاد المشنوق، ممثل شيخ الأزهر أحمد الطبيب الشيخ عباس شومان، مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان، المفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان ممثلاً والده رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، شيخ طائفة الموحدين الدروز نعيم حسن، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ محمد عصفور، القس سليم صهيون، السفير البابوي غابريال غاتشيا، السفير المصري رمزي النجاري، الوزير السابق طارق متري، السيدة حياة إرسلان، رئيس الرابطة المارونية انطوان قليموس، السيدة رباب الصدر وشخصيات.
موسى
ألقى رئيس جامعة سيدة اللويزة الأب وليد موسى كلمة دعا فيها الى “تجديد عقد الأخوة للانتصار على الإرهاب بكل وجوهه”، داعياً جميع الفاعليات الدينية والسياسية الى “وقفة تجعل الشباب أكثر إيماناً بهذا الوطن، فالخوف عليهم من الضياع كبير جداً”.
الراعي
ورأى البطريرك الراعي أن لبنان “بحكم ميثاقه الوطني، يجعل العيش المشترك أساساً لنظامه السياسي ويجسده في المشاركة المتوازية والمتوازنة بين مكوناته الإسلامية المسيحية، في الحكم والإدارة”.
واعتبر أن الخصوصيات اللبنانية تشكل ثقافة لبنان الواحدة وتجعل منه نموذجاً ورسالة في محيطه، كما قال القديس البابا يوحنا بولس الثاني، ولا يخفى على أحدكم أن الأحداث المؤلمة والدامية التي تمزق بلدان الشرق الأوسط، وأن استقبال لبنان لمليوني لاجئ ونازح هو على تزايد، ما خلّف تداعيات خطرة على لبنان وكيانه وشعبه، وعلى اقتصاده وثقافته، فضلاً عن المخاطر التي تهدد أمنه واستقراره، وبالتالي دوره ورسالته كعنصر إستقرار وتلاقٍ في المنطقة”.
وتابع: “تهدف هذه القمة إلى وعي أهمية لبنان في محيطه العربي، وإلى حمايته ومساعدته على تخطي هذه المرحلة الصعبة التي تلقي بثقل نتائجها وتداعياتها عليه. وإنه من الواجب حفظ لبنان كواحة لقاء وحوار للأديان والثقافات والحضارات، بوجه السعي المغرض والمبرمج إلى تأجيج الصراع في ما بينها، كما بات ظاهراً في الحروب الدائرة في المنطقة وفي الإعتداءات على المسيحيين في مصر من منظمات إرهابية مدعومة”.
وأعرب الراعي عن أمله في “الوصول إلى خطة عمل تقود خطانا جميعاً إلى تعزيز خير لبنان وبلدان المنطقة، وإلى حماية الحضارة التي بنيناها معاً مسلمين ومسيحيين على مدى 1300 سنة”.
شومان
ثم كانت كلمة لممثل شيخ الأزهر أحمد الطبيب الشيخ عباس شومان نقل فيها تحيات الجمهورية العربية المصرية حكومة وشعباً ولا سيما تحية شيخ الأزهر، معتبراً أن هذا المؤتمر بالغ الأهمية في هذا التوقيت الدقيق في عالمنا العربي للمسيحيين وللمسلمين.
وإذ شدد على أن “الأزهر يواصل عملية مد الجسور مع المسيحيين أينما وجد”، توجه الى أصحاب القرار والدول الكبرى “لتغيير سياستها في فرض الهيمنة والسعي لإيقاع الفتن والحروب استغلالاً للاختلاف الديني أو المذهبي أو العرقي، فكفانا ما سفك من دمائنا معاً مسلمين ومسيحيين، وليتوقفوا عن اعتبارنا حقلاً تجريبياً لأسلحتهم وتجارتهم”.
وختم شومان: “الأزهر قدم مشروع قانون الى رئيس الجمهورية المصرية يجرم الحض على الكراهية باسم الدين، ويمنع تناول الآخر في معتقده”.
دريان
واعتبر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان أنّ “هذا العمل الذي نقوم به اليوم متعاونين متضامنين، هو عمل وطني كبير بالفعل، وهو عمل إسلامي ومسيحي جليل”..
وقال: “الدولة الوطنية العربية تواجه أزمنة صعبة وصعبة جداً. هناك عدة حروب أهلية أو غير أهلية ناشبة في دول عربية عدة، وهناك تكالب إقليمي ودولي على الدولة العربية، من أجل الإضعاف أو الإزالة. وهناك إصرار من كل اتجاه على اعتبار الثوران الديني أكبر المشكلات التي تواجه الدول العربية. وأنا أرى أن المتطرفين الانشقاقيين، يشكّلون مشكلة كبرى للدين وللدولة. لكن دولنا وإداراتها، تواجه مشكلات أخرى غير دينية، كانت وما تزال بين أسباب تصدعاتها. وما أريد الوصول إليه، أن استنقاذ الدولة السياسية والوطنية في العالم العربي، يحتاج إلى تضامن كبير بين سائر الفئات السياسية والدينية والمدنية، والثقافية والاجتماعية. ما عاد يفيد القول: إما أن تكون الدولة على هذه الشاكلة أو تلك، أو نحن لسنا مستعدين لدعمها. هذا غير مقبول، بل غير ممكن، وأولى الفئات التي ينبغي أن تحس وتعي هذا الواجب، فئة القادة الدينيين والمؤسسات الدينية”.
ولفت الى أن الأزهر اهتم اهتماماً خاصاً بالتجربة اللبنانية التي يعتزّ بها اللبنانيون، هذه التجربة في المواطنة والعيش المشترك التي نسميها الصيغة اللبنانية الفريدة. ورأى أننا “نحن اللبنانيين، وخصوصاً الأجيال الشابة، ما عادت تقدّر تلك التجربة حق قدرها. ثم إن التعثرات في التجربة هائلة وكثيرة، وكثير منها يتّجه لفصل المسيحيين عن المسلمين، أو العكس، بحيث يصبح النظام نظام مساكنة لا مواطنة. إن واجبنا نحن القادة الدينيين، أن نضغط باستمرار، وبشتى الوسائل، للنهوض بقيم العيش المشترك وممارساته”.
واعتبر أن “هذا المؤتمر يدعونا إلى أمرين: العمل على تجديد الوعي بشتى الوسائل بأهمية تجربة الدولة الوطنية في لبنان، دولة المواطنة والعيش المشترك، وذلك لدى شبابنا، وقبل ذلك، لدى سياسيينا من دعاة الفصل وليس الوصل، وأخيراً لدى العرب والعالم، بحيث تعود التجربة اللبنانية نموذجاً يحتذى بها، كما كانت قبل عام 1975. أما الأمر الآخر، فهو الحرص على تمتين الصلات بالأزهر وبالفاتيكان، وبمجلس الكنائس العالمي، للإفادة من تجاربهم وممارساتهم، ولتجديد ثقافة العيش المشترك، وثقافة العلاقة بالعالم”.
قبلان
ثم كانت كلمة المفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان ممثلاً والده رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، قال فيها: “نحن مع الدولة الضامنة وليس الشخص الضامن، نحن مع المشروع السياسي الذي يؤمن حق المواطن ضمن مشروع مؤسسات وآليات أكبر من الأشخاص، وسياسات اجتماعية اكبر من الولاءات، نحن مع قانون انتخاب يعطي المواطن أكبر قدر من التأثير، ويلزم المسلم والمسيحي بالشراكة الإنسانية، ونحن مع المسيحي المظلوم ضد المسلم الظالم، وضد الطائفية والضمانات الشخصية والإعلام التاجر والتسيب الفكري وتسليع الإنسان، ولاسيما المرأة، كما إننا ضد فصل الإنسان عن السماء كفصل الجسد عن الروح”.
حسن
بعدها ألقى شيخ طائفة الموحدين الدروز نعيم حسن، كلمة لفت فيها الى “ان الثمرة المرجوة من هذا اللقاء الملاقاة لرؤية الآخر، والتقدم نحوه على قاعدة ترقى الى مقام عهد الأخوة، لهذا نجتمع في سيدة اللويزة عائلة روحية انسانية للمساعدة على الخروج من عقدة الشعور الأقلوي خدمة للأمة ولمستقبلها، فالمواطنة تطلب الوحدة الوطنية وليس السياسة المرتكزة على مقومات وحدة الثقافة، ووحدة التربية في المدارس الرسمية والخاصة، ونجاح هذا التلاقي الروحي يفرض وجود الدولة العادلة بمؤسساتها الدستورية لتوفير الضمانات اللازمة لحماية الناس”.
عصفور
وفي الختام ألقى رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ محمد عصفور كلمة أكد فيها أن “هذا المؤتمر هو من أهم المؤتمرات في عصرنا”، منوّهاً بجهود الراعي لعقده، وقال: “لقد ألحقوا بالأديان تشوّهات لتصويرها أنها مصدر خلاف، فالله واحد وإن اختلفت طرق العبادة، وعلى هذا بنيت الحضارات. ونحن كقادة روحيين أمام مسؤوليات كبيرة لتعزيز القيم الإنسانية وتعميم العيش المشترك، ويجب أن ينطلق الحوار من دون حدود الى العالم اجمع”.
البيان الختامي
وفي الختام، تلا الراعي البيان الختامي، والتوصيات الصادرة عن المؤتمر التي جاء فيها:
أولاً: يعلن المشاركون في مؤتمر جامعة سيدة اللويزة ترحيبهم وتأييدهم لإعلان الأزهر الشريف باعتباره دعوة مخلصة وصادقة من جانب كبرى المؤسسات الدينية العربية والإسلامية، لشراكة كاملة، في كل بلد عربي وفي دولة وطنية دستورية مدنية تميز بين الدين والدولة وتكون قائمة على المساواة بين كل أفراد الوطن الواحد، وتعزز التنوع والتعددية الثقافية والدينية، وتستبدل بالمواطنة لفظة “أقليات” و”أغلبيات”؛ وإذ يرحبون بنتائج “مؤتمر الأزهر الشريف للسلام العالمي” فإنهم يضمّون صوتهم لتأكيد تضامن المؤسسات الدينية وتعاونها في نشر السلام بين الأمم ونصرة قيم العدالة والإنصاف، ومكافحة نزعات التطرف والإرهاب، والمشاركة في صنع عالم جديد للأخوّة والمودّة والمحبة بين البشر. وهم يثمّنون ويشجعون كل المبادرات الرامية إلى تثبيت ممارسات المواطنة والدولة الوطنية الدستورية والعيش المشترك في العالم العربي، للخروج من الأزمات والبلوغ إلى حياة أفضل.
ثانياً: يؤكد المجتمعون أن حماية الاستقلال الوطني والسيادة اللبنانية، تقتضي تعزيز قاعدة العيش المشترك، والمحافظة على الثوابت الوطنية اللبنانية المتمثلة بالميثاق الوطني واتفاق الطائف والدستور. يؤكدون تمسكهم بالمبدأ الدستوري أنه “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، سواء لجهة الغلبة، أو لجهة الفصل بين أبناء الوطن الواحد على أساس الانتماء الديني أو المذهبي. إن المخرج من التوترات الطائفية، وإزالة المخاوف والاصطفافات، وتطوير النظام بما يشجع الفئات الشابة على المشاركة بفعالية إنما يتمثل بتعزيز روابط المواطنة والتحرر من العصبيات، ونشر قيم الديمقراطية وممارستها بما يؤدي إلى قيام الدولة المدنية.
ثالثاً: إن المشاركين في هذا المؤتمر، ينظرون إلى العيش المشترك، في دولة وطنية دستورية مدنية، قائمة على المواطنة واحترام الاختلاف والتعددية، لا على أنه مجرد تدبير حصيف يمليه واقع التنوع المجتمعي، بل أيضاً وخصوصاً بوصفه فعل إيمان، سواء على قاعدة الشهادة للإيمان الخاص في بيئة إنسانية متنوعة التكوين، أو على قاعدة أن الآخر المختلف جزء من تعريف الذات، يكونك مثلما تكونه، وأن الوطن يكون بجميع بنيه أو لا يكون، ولجميع بنيه أو لا يكون. وهذا ما يفهمونه من فلسفة الكيان اللبناني في أصل نشأته، وفي تجربته التاريخية وفي صيرورته المستقبلية، وفي رسالته الإنسانية. ولئن كان هذا الخيار هو الأصعب بالمقارنة مع خيارات أخرى تبسيطية اختزالية، أو في ظل التوترات الدينية في بعض المراحل، إلا أنه الخيار الأكثر جدارة بكرامة الإنسان وحريته وازدهاره.
رابعاً: يدعو المجتمعون المؤسسات الدينية والجامعية والتعليمية الإسلامية والمسيحية إلى إيجاد صيغ للتشاور والتعاون والانفتاح في المناهج التربوية، والتفكير في تطوير برامج مشتركة تبعث على المزيد من المعرفة المتبادلة والتعارف، وخلق أجواء للتشارك الديني والوطني والإنساني، كما يدعون إلى تفعيل مختلف أطر الحوار الإسلامي المسيحي في لبنان والمنطقة. إن اللبنانيين والعرب الآخرين محتاجون في حياتهم المشتركة، وفي علاقاتهم بالعالم إلى تفعيل التزامهم ضد التشدد والتطرف والانعزال من جهة والتمسك بالوسطية والاعتدال من جهة أخرى. ولا سبيل لذلك إلا بالإقبال على بناء ثقافة مشتركة تقول بالتنوع والاعتراف المتبادل. ويشكل التعاون والتشارك بين المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في شتى المجالات خطوة مهمة في بناء الثقافة الجديدة.
خامساً: يعلن المجتمعون إرادتهم في التوجه إلى الفاتيكان والمؤسسات الدينية العالمية المسيحية والإسلامية الأخرى للتعاون والتنسيق معها ويعبّرون عن رغبتهم في إيضاح أهمية العيش المشترك في لبنان وتحدّياته وهو الذي يشكل الضمانة الحقيقية للحريات والسيادة والاستقلال الوطني. وهذا ما جعله رسالة كما قال القديس البابا يوحنا بولس الثاني. وسط مآسي التقسيم والتهجير والفرز السكاني القسري والتطهير العرقي، واستهداف المسيحيين من جانب العصابات الإرهابية كما حصل في مصر مؤخراً واستهداف غيرهم في العراق وسوريا، ومخاطر الفتن المذهبية، والنزاعات والحروب المتفاقمة في عدد من دول الجوار العربي، فإن صلابة العيش المشترك، وتجذر الديمقراطية في لبنان يبعثان رسالة أمل إلى العرب والعالم بمستقبل آخر للبلدان والعمران؛ وينبغي أن نفعل كل ما بوسعنا نحن اللبنانيين ليظل الوعي بجدية وأهمية التجربة اللبنانية وجدواها لدى العرب ولدى المجتمع الدولي قائماً وقوياً وواضحاً. إن علينا نحن اللبنانيين في حياتنا الدينية والثقافية والمدنية والسياسية أن نجدد السعي والعمل على جعل لبنان مركزاً دولياً لحوار الأديان والثقافات والحضارات، بما يخدم العالم العربي والعلاقات المسيحية- الإسلامية في العالم.
سادساً: يرحّب المجتمعون بموقف الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الكنائس في العالم المتضامن مع الشعب الفلسطيني والمؤيد لحقوقه الوطنية، والداعي إلى تجذر المسيحيين في أرضهم، في القدس وسائر فلسطين. ويؤيدون دعوة القمة العربية المنعقدة في عمان في آذار 2017 لدعم أهالي القدس والمؤسسات المقدسة التعليمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والصحية الرسمية والأهلية، دعماً لمدينة القدس المحتلة وتعزيزاً لصمود أهلها ومؤسساتها. وفي هذا الإطار نفسه يرحّب المجتمعون بالبيان الصادر عن المبادرة الأهلية اللبنانية -الفلسطينية بتاريخ كانون الثاني 2017، تحت عنوان: رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان.
سابعاً: يناشد المجتمعون الأسرتين العربية والدولية العمل الجدي على إيقاف الحروب والنزاعات في سوريا والعراق واليمن وأي بلد آخر، وإيجاد حلول سياسية لها، وإرساء سلام عادل وشامل ودائم، وعودة جميع المهجرين والنازحين واللاجئين والمخطوفين إلى أوطانهم وبيوتهم، حفاظاً على ثقافاتهم الوطنية وحقوقهم.