.jpg)

.jpg)
.jpg)
وفي تلك الأيام، طاغية إسمه حافظ الأسد يصدر أمر العمليات إلى جيشه المحتل: “أحرقوا الأشرفية والشرقية، ركّعوها، أريد رأس بشير الجميل…”، مستندا إلى الصفقة الكبرى مع إسرائيل بغطاء وعجز وتخلٍّ دولي كامل. في خياله أن الأمر نزهة، فمن أين لهذا “القطيع الصغير” أن يقف في وجه “لعبة الأمم”؟!
لكن هنا الأشرفية. هنا النمر كميل شمعون يرد على الجزار: “سنقاتلك إلى آخر رجل… ولن نركع”. هنا البطل بشير الجميل وصوته الهادر: “فشرت.. لا إنت ولا الأكبر منك بيركّعنا”.
هنا الأشرفية، ونخبة صغيرة تحملقت حول بشير وإتخذت القرار: “لن يمروا”. وكانت الأشرفية البداية، بداية التحرير، وفرسان في مقتبل العمر بإمكانيات شبه معدومة أمام جيش جرّار، لكن بقلوب عامرة بالإرادة الصلبة والكرامة والعنفوان، بالإيمان ينقل الجبال.
هنا الأشرفية. هنا فرسان تحدّوا القدر والعالم تخلى عنهم وتركهم لمصيرهم، فنظروا في عينيه وقالوا: “نصنع قدرنا بأيدينا ونحيا في الحرية، أو نموت أحرار واقفين وجباهنا صوب الشمس، ولن نركع”.
هنا الأشرفية. هناك عصر التاريخ ذاته، فصار أنت ورفاقك لوحدكم وقد تخلت عنكم جميع الأمم.. ولكن ما همّكم، فأنتم تعلمون أنكم أحفاد النساك. أنتم تؤمنون أنه لن يتخلى عنكم، يكفي أنكم وضعتم أنفسكم بين يديه وقلتم له: “لتكن مشيئتك”.. ويكفي.
هنا الأشرفية. هناك، قذيفة تدمّر متراسك وتحيله ركاما، ورفيقك يسقط فوقك يلفظ أنفاسه الأخيرة وآخر كلماته: “إتخذني متراسا وأكمل، زوجتي وطفلتي الصغيرة في الملجأ القريب، ويسلم الروح”.
هناك أنت في الرمق الأخير، تنظر حولك فتشاهد رفيقك الآخر مضرجا بدمائه لا يقوى على الحركة وبجانبه رفيق آخر جسده كالمنخل. تلتقي نظراتكم من دون كلمات، فكرة واحدة تراودكم، وصور أبطال وفرسان من زمن غابر تمر أمامكم.. يوحنا مارون، دانيال الحدشيتي، يوسف بطرس كرم، فخر الدين، شربل… وغيرهم وغيرهم ممن لا تعرفون أسماءهم.
هنا الأشرفية. هناك، أنت ورفاقك تلملمون أشلاءكم المتناثرة وتعصرون جراحاتكم النازفة وتنهضون وأنتم بالكاد تتنفسون، لن تسمحوا لهم بالوصول إلى زوجة رفيقكم وطفلته. هناك، تقفون وتكملوا المواجهة وتتصدون لوحدات الأسد الخاصة ومظلّييه، وتسقطونهم بالعشرات وتردّونهم يجرّون الذل والهوان.
هنا الأشرفية. هناك أنت ورفاقك في “مئة يوم ويوم” صنعتم المستحيل، جعلتم حافظ الأسد يطالب بوقف المعركة ويطلق صرخات الإستغاثة، يستجدي واشنطن وباريس وعواصم القرار: ” تدخلوا مع بشير الجميل ليقبل بوقف إطلاق النار، أنا أقبل بشروطه، ولكن كلّموه ليوقف القتال كي أنقذ ما تبقى من نخبة جيشي وسحب قتلاي من شوارع وأزقة الأشرفية…”.
هنا الأشرفية.. هنا المغاوير وبوب ومارون وجورج واميل وفادي وحبيب وناصيف وبارتي وإيلي والياس وفؤاد وطوني… وسائر الفرسان. هنا أنتم أجبرتم العالم الذي تخلى عنكم على الإعتراف بكم مقاومة شرعية في وجه الإحتلال السوري البعثي البائد، الذي حلم بجعل وطنكم المحافظة الرقم 19 في سجنه الكبير.
هنا الأشرفية. هنا ملحمة البطولة وبداية البشير.. هنا أنت ورفاقك يتقدمكم بشير مرّغتم رأس الأسد في الوحل. هنا أحنى العالم رأسه خجلا من فعلته الشنيعة بحقكم يوم باع وطنكم في “لعبة الأمم” وسلّمه للجزار.. هنا أنت ورفاقك، وبلحمكم الحي ودمائكم الطاهرة الزكية، جعلتم العالم يتراجع ليعترف بـ”القوات اللبنانية”، ومن مجلس الأمن بالتحديد، مقاومة شرعية في وجه الإحتلال.
هنا الأشرفية. هناك، أنت ورفاقك أحنى التاريخ رأسه إجلالا أمام هاماتكم.. ثم وقف وأدى التحية وقال: “اليوم حققت ذاتي وأديت مهمتي”، قبل أن يرمي عود الثقاب ويحرق كل كتبه ويضيف: “هنا في الأشرفية، أنا التاريخ، أعلن أني اعتزلت الكتابة”.
هنا الأشرفية. هناك.. أنت ورفاقك، دماؤكم، جراحاتكم، عذاباتكم، تضحياتكم، أيقونة مباركة وخميرة صالحة وخمرة مقدسة تحيينا.. فنبقى ونستمر…
هنا.. هناك. أنت ورفاقك، أمس واليوم، كل الحب والوفاء لكم. كل زهرة عطرة، كل صلاة وبخور، كل إكليل غار وشلح أرز، لكم أنتم، أنتم وحدكم، أمس واليوم وغدا وإلى أبد الآبدين.. آمين.
أما تلك الأيام، فما زالوا يتداولونها في ما بينهم ويتناقلونها جيلا بعد جيل، لتبقى المسيرة مستمرة و”أجيال تسلم أجيال”.
“المجد والخلود لشهدائنا الأبرار … يحيا لبنان”.
