أزمة الكهرباء إذا حُلّت: ما هو مصير الشركات الخاصة وأصحاب المولّدات؟

 

عقب نقاش دام قرابة الساعتين ونصف الساعة وكمخرج للخلاف احال مجلس الوزراء ملف الكهرباء الى ادارة المناقصات، وقرر الاسراع في اطلاق مناقصة اشراك القطاع الخاص في قطاع انتاج الكهرباء. وبذلك تكون خطة الكهرباء قد أخذت طريقها، مبدئيا، إلى التنفيذ، وهي تتضمن في مراحلها التالية، بعد استئجار البواخر، بناء معامل إنتاج وتحسين كفاءة القطاع عموما، بحيث يتم خلال فترة قصيرة تأمين الكهرباء تدريجيا بين 20 و22 ساعة يوميا وصولا في نهاية الخطة إلى 24/24. وهذا يعني أن واقعا استمر لعقود سيكون مقبلا على تغيير، فما هو وكيف سيتعامل الجميع مع الواقع الجديد؟

بات معلوما أن الخطة التي يجري العمل على تنفيذها حاليا، لإصلاح قطاع الكهرباء، ترمي إلى إنشاء معامل توليد وتحسين الجباية وصولا إلى وقف النزف الحاصل في القطاع. هذا الواقع الذي يشكو المواطنون من أنه يكبدهم دفع فاتورتين، هو في الواقع أكثر من ذلك بحسب خبراء اقتصاد متابعين للقضية. فهؤلاء يلفتون إلى أنه فضلا عن الفاتورة المسددة لشركة كهرباء لبنان وفاتورة المولدات الخاصة، يدفع المواطن مبالغ كبيرة سنويا من خلال الخزينة لتغطية العجز الحاصل في المؤسسة والذي يبلغ المليارات. وهذا يعني أن عبء الكهرباء غير المؤمّنة والكبير جدا على اللبنانيين لا بد إلا أن يكون في أعلى سلم أولويات الحكومة لتكون فعلا حكومة استعادة الثقة.

الوزارة والمشاريع والقانون

إزاء هذا الواقع، وبعدما بلغ العجز في قطاع الكهرباء حدا لا يُحتمل، وبعدما أخذت خطة الكهرباء طريقها إلى النور، كيف يمكن وصف هذا الواقع اليوم؟ وعلى ماذا سترسو الأمور بعد عقود طويلة من الخلل، خصوصا لناحية المولدات الخاصة مثلا أو الإمتيازات التي تعمل على إنشاء معامل إنتاج مناطقية كما في جبيل وطرابلس بعد زحلة؟

مصدر في وزارة الطاقة أكد لـ«المسيرة» أن خطة الوزارة لتأمين الكهرباء أخذت طريقها إلى التنفيذ بتحويلها إلى إدارة المناقصات، لافتا إلى أن الوزير سيزار أبو خليل لم يرَ في ما جرى في مجلس الوزراء أو قبله استهدافا له بل إن الرئيس ميشال عون تعامل مع الوضع بما يقتضيه القانون. وأضاف أن وزارة الطاقة والمياه جاهزة لتنفيذ الخطة بكل مراحلها وصولا إلى تأمين الكهرباء 24/24 ساعة للمواطنين وأن الزيادة على التعرفة التي يستعملها البعض لإطلاق النار على الخطة، هي أدنى بكثير مما يدفعه المواطن اليوم وبالتالي سنحصل على تغذية مستمرة بالتيار مقابل فاتورة أقل، وصولا مستقبلا إلى ضبط الجباية ووقف النزف الحاصل في قطاع الطاقة.

كيف ستتصرف الوزارة مع شركات توليد الطاقة التي بدأت بإنشاء معامل في أكثر من منطقة على غرار ما جرى في زحلة، وبالتالي ماذا عن المولدات الخاصة؟ يجيب المصدر بأن وزارة الطاقة غير معنية من الناحية القانونية بهذه المشاريع كون الجهة المخولة بمنحها التراخيص هي وزارة الصناعة، لافتا إلى أن خطة الكهرباء تلحظ الشراكة بين القطاعين العام والخاص. أما قطاع المولدات الخاصة فهو نشأ كأمر واقع ولا علاقة للوزارة به إلا من باب ضبط فوضى التسعير التي كانت متفاقمة في السابق وعملت الوزارة على تنظيمها. وعند تأمين الكهرباء 24/24 ساعة للمواطنين فلن تعود هناك حاجة للمولدات الخاصة ومن المرجّح أن هذا القطاع سيكون عليه البحث عن بدائل استثمارية.

ماذا سيحل بالمولّدات؟

أصحاب المولّدات الخاصة راوحت نظرتهم إلى مستقبل القطاع بين الإلتزام بما تقرره الدولة والإقفال نهائيا، وبين اعتبار المولدات حاجة ستظل قائمة حتى لو تأمنت الكهرباء في شكل مستمر، لكن لن تعود هناك حاجة إلى العدد المعتمد عليه حاليا منها. لكنهم يُجمعون على أن المسألة ليست قريبة طبعا وأنه جرى الحديث في السابق عن خطط قريبة للكهرباء ولم تنفذ واستمر الواقع على ما هو.

نقولا صاحب شركة مولّدات خاصة في ساحل المتن الشمالي، يقول «نحن لسنا فوق القانون ولم نتطفل على أحد بل إننا ملأنا فراغا عندما تخلّفت الدولة أو عجزت عن القيام بواجباتها، بداية بسبب الحرب، ولاحقا نتيجة التخبط وعدم القدرة على استعادة المبادرة في حسن إدارة القطاع». ويتابع: «نحن اليوم مستمرون بحكم الواقع، وعندما تتأمن الهرباء 24 ساعة يوميا فإننا سنقفل مؤسساتنا ونبيع المولّدات ولا مشكلة في ذلك».

ولكن ماذا إذا تأمنت الكهرباء 22 ساعة يوميا؟ هذا الأمر سيدفع بعض المشتركين من غير أصحاب المصالح أو المهن المحددة، إلى الإستغناء عن الإشتراك، وهذا يعني تراجع عدد المشتركين وتراجع ساعات التغذية بالمولّدات، فهل تنتفي عندها إمكانية تحقيق أرباح؟ يجيب نقولا: «أي استثمار فيه فترات ذروة وفترات دنيا. ونحن حققنا الأرباح في فترات الذروة من مشتركينا وليس من اللائق أو المقبول تركهم في فترات انتفاء الأرباح بل بالعكس سنكون ملتزمين أخلاقيا مع مشتركينا ولن نتردد في تأمين التيار ولو لمشترك واحد، باعتبار أنه لو لم يكن في حاجة لكل دقيقة كهرباء لما بقي مشتركا».

منصور صاحب شركة مولّدات في منطقة الزوق وأدونيس وجوارهما، شبّه قطاع المولدات الخاصة بأنه مثل موسم التزلج يزدهر في فترات ويتراجع في أخرى. ويرى أن حكاية الكهرباء في لبنان طويلة، مبديا شكّه في أن تنجح الدولة في تأمين الكهرباء كاملة في المدى المنظور كما يَعِد المسؤولون. «فالمسألة ليست فقط معامل إنتاج بل يتطلب القطاع إعادة تجهيز بنى تحتية حديثة وتنظيم مسألة الجباية وإدارة سليمة في شكل عام».

منصور طالب بتنظيم قطاع المولّدات الخاصة «لأنها باقية ولا غنى عنها. فها هي بيروت منعت فيها المولدات الخاصة منذ سنوات، لكن المولدات بقيت وبقي المشتركون ممن لا يمكنهم الإستغناء دقيقة واحدة عن التيار مثل الإذاعات والمختبرات الطبية وأصحاب عدد من المهن. وهكذا سيكون الأمر في سائر المناطق حتى لو تأمن التيار من ناحية الإنتاج فمن يضمن ألا ينقطع في مرحلة التوزيع بانقطاع الخطوط بسبب العواصف أو بفعل أعمال معينة. وعندها ستكون المولّدات الخاصة هي البديل الجاهز لتأمين التيار كون المؤسسات الكبيرة لا يمكنها التوقف أبدا».

وبدل البحث في ماذا سيفعل أصحاب المولّدات بعد تأمين التيار، يقول منصور «يجب البحث في تنظيم هذا القطاع لأنه باق أيا تكن الأوضاع في المستقبل». ويطالب بعدد من الخطوات ضمن هذا التنظيم منها «وضع رسم تقريبي مثلا 10 آلاف ليرة على الـ5 أمبير وتوحيد الفاتورة بحيث تصبح متساوية بين جميع المناطق لا كما هي الآن متفاوتة بين منطقة وأخرى، مما يؤمن أرباحا عالية لأصحاب المولّدات في مناطق فيما لا يحصل آخرون على كلفة التشغيل. ولنفترض أن الكهرباء تأمنت لفترة فلا يجمع أصحاب المولّدات خلالها إشتراكات، ولكن عليهم أن يُجروا الصيانة وأن يدفعوا أجور الموظفين وهذا يكبدهم الخسائر مقابل الأرباح التي يتحدث عنها الناس في أوقات الذروة. مثلا نحن في شهري نيسان وأيار الماضيين تكبدنا خسائر».

على ضوء ذلك وفي حال تأمنت الكهرباء هل يستغني عن مولّداته؟ يقول أن «لا أحد سيستغني عنها لأن الحاجة إليها باقية، جل ما في الأمر أنه لن تكون هناك حاجة إليها كلها بل سيتم خفضها مثلا من 4 أو 5 مولدات إلى 2، وذلك يخفض تكاليف الصيانة والموظفين بما يتماشى مع تراجع الواردات من الإشتراكات. ورأى مصلحة عامة في أن يكون لكل قضاء إنتاجه الخاص من الكهرباء كما في زحلة مثلا وربما جبيل وطرابلس، فيما يبقى التوزيع بيد الدولة».

مشاريع خاصة في الأدراج

بعد الحديث عن خصخصة الكهرباء، بدأت جهات خاصة كثيرة مهتمة بإنتاج الكهرباء وبيعها للدولة، تبحث في استنساخ النموذج المطبّق في زحلة فظهرت 3 مشاريع واحد في جبيل واثنان في طرابلس إضافة إلى عدد من المشاريع الصغيرة لإنتاج الطاقة من الشمس والرياح وحرق النفايات.

معلوم أنه منذ العام 1969، بات إنتاج الكهرباء منوطاً حصرياً بمؤسسة كهرباء لبنان، وأصبح إنتاج المؤسسة يفيض عن الحاجات المحلية ويتم تصدير جزء منه الى سوريا… الا انه استمر العمل بقانون الامتياز رقم 5211 الصادر عام 1924، وتمددت لاحقاً آجال هذه الامتيازات في زحلة ومحيطها وبحمدون وجبيل، فيما تمّ استرداد امتياز عالية ــ سوق الغرب وإعادة شراء امتياز قاديشا، الا ان الدولة حصرت هذه الامتيازات في مجال توزيع الكهرباء من دون إنتاجها، وألزمت في العام 1982 (المرسوم 4869) الامتيازات كافة بأسعار الكهرباء التي تحددها وزارة الطاقة.

وحتى مطلع العام 2015، تاريخ بدء «شركة كهرباء زحلة المساهمة»، صاحبة الامتياز، بإنتاج الطاقة من مولّداتها الخاصة وتوزيعها، كانت الشراكة مع القطاع الخاص قائمة، وكانت لها اشكال مختلفة؛ فالى جانب الامتيازات القديمة، يجري تلزيم صيانة وتشغيل معملي دير عمار والزهراني للقطاع الخاص، وكذلك المعملان الجديدان في الجية والزوق، وتقوم 3 شركات خاصة من مقدمي الخدمات بمهمات التوزيع والجباية.

وفي العام 2014، أجاز القانون لوزيري الطاقة والماليّة الحلول محل الهيئة المنظمة مؤقتاً في اقتراح تراخيص إنتاج الكهرباء من القطاع الخاصّ على مجلس الوزراء، إضافة إلى إقرار مجلس الوزراء ورقة سياسة الكهرباء في العام 2010 وهو ما عرف بخطة باسيل للكهرباء، التي ترمي الى إنشاء معامل بقدرة 2500 ميغاوات بمشاركة مع القطاع الخاصّ (IPP)، بالاضافة الى توليد الطاقة من مزارع الهواء، ومن السدود والنفايات وكافة مصادر الطاقة المتجدّدة، وتلزيم الجباية والصيانة من خلال مقدّمي الخدمات، فضلاً عن إعادة هيكليّة التعرفة وزيادتها تدريجاً.

شركة «بيبلوس للطاقة المتطوّرة» التي يملكها كلّ من رئيس مجلس ادارة بنك بيبلوس فرنسوا باسيل وإيلي باسيل وماريو شلالا، كانت تقدّمت في وقت سابق بطلب إنتاج الطاقة لمنطقة جبيل، استناداً إلى امتياز حصلت عليه شركة «كهرباء جبيل» منذ أكثر من خمسين سنة، ويتيح لها توزيع الطاقة من دون إنتاجها.

يلفت مسؤولون في الشركة الى «أن ملف إنشاء معامل إنتاج أودع في جوارير وزارة الطاقة باعتبار أن القانون 462/2002 يسعى إلى تنظيم القطاع، ولم نتمكّن من الحصول على ترخيص لإنشاء المعمل وبدء إنتاج الطاقة. كما أن طلب الترخيص سجّل في وزارة الطاقة تحت الرقم 2779، وسجّل آخر في مجلس الوزراء تحت الرقم 553/2 في آذار 2015، إلّا أن الردّ كان بوجوب العودة إلى القانون 462 الذي انبثق عنه القانون 288. وهو ما يعني الاستمرار في الحؤول دون إنتاجنا الطاقة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص».

ويضيف هؤلاء «أن ملف الشركة جاهز لناحية اكتمال الدراسات التقنيّة وتقييم الأثر البيئي، وينتظر الحصول على رخصة من وزارة الصناعة لإنشاء المعمل وأخرى من وزارة الطاقة للإنتاج، علماً بأن الشركة درست الجدوى والأمكنة المحتملة لإقامة معملها. وهي تسعى الى إقامة المعمل على الوقود الثقيل والغاز، على أن يكون سعر الكيلوات المُنتج مرتبطاً بسعر الفيول، ومؤشر غلاء المعيشة والتعرفة الجديدة والقديمة. ويهدف المشروع الى إنتاج نحو 40 ألف KVA من أصل 60 ألف KVA تشكّل الحاجة الإجماليّة لمنطقة جبيل، فيما سيكون المعمل قادراً على إنتاج 66 ألف KVA. وبحسب الدراسات فهو سيحل محل 300 مولد منتشر في منطقة جبيل، تغذي نحو 30 ألف مسكن بالكهرباء».

أما المشروعان اللذان بدأت دراستهما في طرابلس، الأوّل من خلال شركة «نور الفيحاء» التي أسّسها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، والثاني من خلال شركة «كهرباء طرابلس» لمالكها محمد أديب (صهر اللواء أشرف ريفي)، فهما في مرحلة أولية. وطلبات الترخيص لإنتاج الطاقة الكهربائيّة الخاصّة بالمشروعين المقدّمة إلى وزارة الطاقة والمياه، لم يبتّ بأيّ منهما بعد.

أرقام ووعود

سوق الكهرباء في لبنان، يصل حجمها الى أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً، وفقاً للتقديرات المحافظة، منها نحو 1.7 مليار دولار تمثل حجم سوق المولدات (الاشتراكات) بحسب تقديرات وزارة الطاقة والبنك الدولي. وفي أوقات انقطاعات الكهرباء الطويلة كانت تصل الاشتراكات إلى ما بين 50 و55 دولاراً لكل 5 أمبير، كما كانت الحال في العام 2010، مقابل 236 ساعة شهرياً بحسب المناطق. ما اضطر وزارة الطاقة إلى تخفيضها إلى 35 دولارا.

وفي جلسة مجلس الوزراء التي ترأسها الرئيس ميشال عون وأحالت خطة الكهرباء إلى إدارة المناقصات، تحدث الرئيس عون عن واقع الكهرباء في لبنان فأشار الى ان العجز الاجمالي المتراكم خلال 25 سنة من اول 1992 الى آخر 2016، بلغ 33 مليار دولار اميركي، ويمثل هذا العجز 44 بالمئة من اجمالي الدين العام الذي بلغ 75 مليارا في نهاية كانون الاول 2016 وتجاوز 78 مليارا في نهاية ايار 2017، وقال: «لو حلت مشكلة الكهرباء في اواسط التسعينات لكان حجم الدين العام انخفض الى 42 مليار دولار في نهاية العام 2016 ولكان المواطنون وفّروا على جيوبهم كلفة اضافية تجاوزت 16 مليار دولار منذ اوائل التسعينات وتقدر حاليا بحوالى 700 مليون دولار سنويا، ولكان الاقتصاد الوطني حقق نموا اضافيا».

هذا يدفع إلى إعادة طرح السؤال عن خطة متكاملة للكهرباء توفر على المواطن وعلى الخزينة وتؤمن التيار في شكل مستمر. فهل أخذت هذه الخطة فعلا طريقها إلى التنفيذ؟

 

 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل