
لا يناقشنّ أحدٌ “القوّات اللبنانيّة” في مواقفها حول القضايا الإنسانيّة وحقوق الإنسان، فالحزب الذي يكون الإنسان وحريّته الشّخصيّة الكيانيّة علّة وجوده، لا يُسأل عن مواقفه من هذه القضايا. منذ تأسيسها وحتّى هذه اللحظة، و”القوّات اللبنانيّة” تعمل لأجل إنسان اليوم والغد، ليعيش في وطن حضاريٍّ، فيسلّمه لأبنائه وأحفاده من بعده أفضل ممّا استلمه من الآباء والأجداد. من هذا المنطلق، تنظر “القوّات اللبنانيّة” إلى قضيّة اللاجئين الذين قصدوا لبنان ليحتموا بربوعه، ولينعموا بالحريّة التي لم يجدوها يومًا في بلدانهم. فهل يتحوّل لاجئو اليوم إلى وقود لحروب الغد كما كان لاجئو الأمس؟ وما هي السّبل التي يجب أن تتّخذها الدّولة اللبنانيّة كي لا تتكرّر مأساة الأمس؟
لقد دفع لبنان أبهظ الأثمان للحفاظ على قضيّة فلسطين، وهي القضيّة التي تخلّى عنها كثيرون. لكنّ وزر هذه القضيّة أثّر في مرحلة من مراحل تاريخ لبنان المعاصر على كينونة الدّولة وروح الوطن في هذا البلد. لذلك وجب الإعتراف بالأخطاء التي ارتكبها الحكّام في لبنان في معالجة قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين. وما كان يجب أن ينفّذ في الأمس بات ضرورة ملحّة بالنّسبة إلى ملفّ النّازحين السّوريّين اليوم.
هذا الملفّ الذي أثقل كاهل الدّولة اللبنانيّة التي تعاني من صدعٍ كبيرٍ في تركيبتها تجلّت أولى حالات رأب هذا الصّدع في اتّفاق معراب الذي أعاد للجمهوريّة الرّئيس، والذي أمّن لكلّ اللبنانيّين قانونًا انتخابيًّا سيعيد التّمثيل الصّحيح لكلّ الفئات المجتمعيّة. وانطلاقًا من روحيّة هذا الإتّفاق يجب مقاربة ملفّ النّازحين واللاجئين.
هذه الفئة من النّاس التي يحقّ لها العيش الكريم في بلادها. لذلك يجب على الدّولة اللبنانيّة أن تثبت نفسها بنفسها، وهي ليست بحاجة لا لـ”حزب الله” ولا لأيّ فصيل لبنانيّ أو غير لبنانيّ ليتولّى مهمّة الدّفاع عنها. فللبنان جيش قادر وقويّ يستطيع المواجهة متى فُرضت عليه. ولا أعتقد أنّ أيّ لبناني عاقل يقف اليوم بوجه جيش بلاده. وإن وجد، فوجب نزع الجنسيّة اللبنانيّة منه وطرده ليعيش في الدّولة التي يتشرّف بمناصرتها على بلده الأمّ.
إنّ الدّولة اللبنانيّة اليوم أكثر من أيّ يوم مدعوّة لتعالج ملفّ اللاجئين الفلسطينيّين والنّازحين السّوريّين فيها أكثر من أيّ يوم مضى. وذلك يكون عبر الضّغط على الأمم المتّحدة بالمطالبة الملحّة لترحيل هؤلاء إلى بلادهم إذا تيسّر ذلك، أو إذا تعذّر ذلك، فإلى بلدان مجاورة تركيبتها الدّيموغرافيّة والجغرافيّة تتحمّل وجودهم أكثر من لبنان الذي استضاف الفلسطينيّين زهاء سبعين عامًا، مع ما ارتكبوه من فظائع بحقّ لبنان الذي استضافهم.
أمّا النّازحون السّوريّون فلهم الحقّ بالعودة إلى بلادهم حيث توجد مناطق آمنة، ومن لا أمن في مناطقه فليعش في مخيّمات على المناطق الحدوديّة تنشئها الأمم المتّحدة، ولتصرف عليهم الأموال التي تغدقها على الدّولة اللبنانيّة لتقوم بمهامها عنها. أمّا من يريد من هؤلاء البقاء في لبنان فيعامل مثله مثل أيّ أجنبيّ يعيش على الأراضي اللبنانيّة بغضّ النّظر عن جنسيّته.
والتّفاوض لتحقيق العودة المرجوّة لا يكون مع إسرائيل بالنّسبة إلى الملفّ الفلسطيني ولا مع من يسمّون أنفسهم اليوم “الحكومة السّوريّة”. فتفاوضنا مع اسرائيل يعني اعترافنا بوجودها مغتصبة للحقّ الفلسطيني، كذلك تفاوضنا مع ما يسمّونه حكومة في سوريا يعني اعترافًا بوجود مغتصبٍ للحقّ السّوريّ بالحريّة والكرامة. وهذا ما لا ينطبق مع مبادئ احترامنا لحقوق الإنسان. لذلك، التّفاوض يكون مع المجتمع الدّوليّ المدعوّ اليوم لتحمّل مسؤوليّاته كاملة في هاتين القضيّتين الإنسانيّتين.
أمّا إذا لم يسمح أيّ فريق في لبنان بعمليّة التّفاوض هذه، فهو يدقّ إزميلا وليس مسمارًا فحسب، في خاصرة الجمهوريّة اللبنانيّة، وهذا ما لن نسمح به لأنّ الجمهوريّة اليوم ليست جمهوريّة 1975 ولا جمهوريّة 1948. ومن لم يتّعظ من تاريخ المقاومة اللبنانيّة بعد أربعة عقود ونيّف، فليتعلّم القراءة وليقرأ التّاريخ، علّه يفهم.