
حتى في عزّ الاحتلال السوري للبنان، لم يشهد اللبنانيون يوماً، منسوب حقد متبادل كالذي يحصل الان بين الشعبين “الشقيقين” المفترضين! اقول المفترضين تأكيداً، اذ ان ما حصل يوماً في التاريخ الحديث، ان احتل شقيق أرض شقيقه واستولى عليها عنوة، واضطهد احرارها وجرجرهم الى معتقلات الموت ولا يزالون هناك، واغتال آخرين وسجن ظلماً المئات ونهب خيرات الارض طولا وعرضاً، ومع ذلك وما ان وقعت الواقعة في أرضه حتى انهال عليهم اللبنانيون بالمساعدة من فلس الارملة، اجتاح النازحون الاراض اللبنانية كافة، وفي كل بقعة حيث هم، يهب ابناء الوطن لمدّهم بالمؤون والمساعدات الطبية بالتعاون مع المنظمات الانسانية المحلية والدولية، عدا عن تعاون الناس فيما بينهم لجمع الملابس واحياناً المفروشات لهم من كل قرى وبلدات لبنان، وباختصار اظهرت أزمة هؤلاء عمق انسانية اللبناني بعيداً من روح الانتقام الرخيص، او حتى التشفّي بما يحصل من مجازر في سوريا، لكن، نحن مع شجون هؤلاء اللاجئين صحيح، مع مساعدتهم انسانياً وطبياً الف صحيح، انما أن تصل الامور الى حدّ اتهام الجيش اللبناني بالتخوين لمجرد انه اكتشف ارهابيين تأويهم مخيمات اللاجئين، فهذا أكثر من كثير، تخوين “القوات اللبنانية” ومحاولة تجريدها من انسانيتها لمجرد انها الحت بطلب مساعدة النازحين للعودة الى ديارهم، فهذه عمالة مطلقة ضد مصلحة هذه الارض، ضد خيرها، وخيرها الاكيد أن تتحرر من عبء النزوح السوري، وان يتحرر النازح نفسه من عبء التشرد وجميل الدول التي تأويه، وان يعود حراً الى ارضه، الى هناك حيث ارضه الواسعة وكلنا يعلم ان ثمة مناطق ومساحات شاسعة آمنة في سوريا، فلا داعي للتذاكي والايحاء من بعض من يجعلون من سوريا قضيتهم ووطنهم بدل أن يكون لبنان شريان القلب النابض فيهم، لا داعي للايحاء بان من يرفض اولا التعاطي مع الحكومة السورية في هذا الملف لاجل هؤلاء النازحين، انما هو “عميل”، علماً ان العمالة هنا وسام نعلّقه شرفا على مواقفنا، نحن العملاء لاجل لبنان الارض والشعب وليس من “تهمة” في العالم اجمل من تلك.
نحن مع مساعدة النازحين انسانيا؟ بالتأكيد، لكن ان تتحوّل صفحات السوريين ومنابرهم الى شتائم ودعوات الى الثورة والتنديد بما يفعله الجيش اللبناني لحماية الارض من الارهابيين واعوانهم، ومواقف اللبنانيين لمجرد انهم وقفوا الى جانب جيشهم ضد الحملات المغرضة، فهذا ما عاد كثيرا وحسب، انما اكثر بكثير من حدود الوقاحة، انه التعدي على كرامة وطن بحاله، وطن ما زال كثر من هؤلاء، خصوصاً تلامذة “مدرسة” آل الاسد ” الكرام”، ينكرون عمدا على لبنان وجوده الكياني والجغرافي، نحن الذين حتى اللحظة ورغم كل بحور الحقد تلك، ما زلنا ننده على مساعدة نازحيهم وعدم التعاطي معهم بكيدية لا تليق بانسانيتنا ولا بتاريخنا وعراقتنا. الف مليون مرة نكرر، بحبك يا سواري قد زندي لاء، ولن يحصل، واللبنانيون تباعاً بدأوا بخلع هذا السوار الطوق الذي أسرهم سنين طويلة ، مرة بالاحتلال واخرى بالتعاطف الانساني، وحتى الان ما نالوا سوى نكران الجميل، لا تتكلوا كثيرا بعد الان على تلك القيمة اللبنانية المضافة، على انسانيتنا، لتستغلوا ما تبقى فينا من تعاطف تجاهكم، نحن دخلنا الى مكان سيء جدا، اللامبالاة التي تقارب الكراهية، أسوأ شعور ممكن ان يجتاح مواطنين لانه يخسرهم الكثير من حالهم، لا نريد حقدا ولا نسعى اليه، نحن أبناء الله ابناء الانسانية، نريد ان يعود النازحون آمنين الى ديارهم، ويا جار انت بدارك وانا بداري ويا دار ما دخلها شر. نريد حداً لتفلّت المشاعر كي لا تصل الامور الى ابعد كثير من مجرد شعور سلبي، الى التصرّف السلبي، لا تتهمونا بالحقد ولا بالتواطؤ على معاناة النازحين، لم يتحمل وطن ما يتحمله لبنان حتى اللحظة من تلك المأساة، اياكم والتعرّض لكرامة الجيش اللبناني كي تبقى المشاعر في اطارها الانساني، ولا تمسوا بمواقف “القوات اللبنانية” التي تشرّف وطنا بحاله، هي وطن هي للوطن، اما فائض الحقد ذاك، فهذا ليس من شأننا انما تنبّهوا لانسانيتكم المهدورة على صفحات التواصل الاجتماعي، وعلى لسان مسؤوليكم جماعة النظام ذاك.
