.jpg)
كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1617
لا يمكن تحويل موضوع عودة النازحين السوريين إلى ديارهم إلى موضوع إعادة تطبيع العلاقة مع ما تبقى من النظام السوري. المسألتان منفصلتان ولا يمكن مقاربتهما معًا على قاعدة أن بحث موضوع عودتهم يجب أن يكون مع ما يسمى الحكومة السورية. على مدى ستة أعوام تحولت قضية النازحين السوريين في لبنان إلى عبء أمني واقتصادي وبشري وقد آن الأوان لكي تبدأ إعادتهم إلى سوريا حتى لا تتحول المخيمات السورية إلى ما هي عليه المخيمات الفلسطينية.
عندما تهجر الفلسطينيون إلى لبنان في أيار 1948 بسبب الإحتلال الإسرائيلي اعتبرت مسألة لجوئهم وقتها على أنها مسألة وقت فقط وأنهم لا بد سيعودون إلى بلادهم ولكن بعد سبعين عاما لا تزال قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مستمرة من دون حل.
قبل العام 1965 كانت هذه المخيمات مضبوطة أمنيًا وكان مخفر واحد من الجيش أو الدرك قادرًا على تفتيش المخيم وتوقيف أي فلسطيني مخل بالأمن، ولكن بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وحركة “فتح” وسائر التنظيمات المسلحة تمت استباحة الأمن اللبناني وسيادة الدولة بتغطية عربية وداخلية لبنانية تحت شعار الكفاح المسلح من أجل تحرير الأراضي المحتلة. هذه المرحلة أوصلت في خريف العام 1969 إلى ما سمي “اتفاق القاهرة” الذي أعطى الفلسطينيين حق التسلح والتحرك وأنهى منظومة الأمن اللبناني الداخلي وأوصل إلى حرب 1975 وما نتج عنها من خراب أدت في النتيجة إلى اجتياح 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وصولاً الى اتفاقات أوسلو عام 1993 التي أسست للسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن على رغم مرور أكثر من 24 عاما على تلك الإتفاقات لم تحل قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ولا تزال المخيمات تحتفظ بسلاحها خارج إطار السيادة اللبنانية وتشكل ملجأ للإرهابيين حتى أن القبض على أي منهم، كما حصل في قضية الإرهابي خالد السيد، يحتاج إلى تنسيق مع السلطات المحلية الفلسطينية وإلى قبولها بمبدأ تسليمه إلى السلطات اللبنانية.
ما صح على خالد السيد لم يصح على غيره. منذ بدأت الحرب في سوريا تحولت المخيمات الفلسطينية إلى بؤر أمنية خطيرة. إرهابيون كثيرون تحركوا منها وفيها بين لبنان وسوريا خصوصًا بين المنظمات الأصولية التي زادت قواتها داخل هذه المخيمات من الرشيدية في صور إلى عين الحلوة في صيدا وصولا إلى برج البراجنة في الضاحية الجنوبية وصبرا وشاتيلا في بيروت. وما حصل مع بلال بدر وتنظيمه في عين الحلوة خير دليل على ذلك.
لم يقتصر أمر النزوح السوري إلى لبنان على السوريين وحدهم. فلسطينيو مخيم اليرموك قرب دمشق أيضا اختاروا الفرار إلى لبنان. قيادات حركة “حماس” التي كانت تدور في فلك “حزب الله” والنظام السوري مرت في لبنان بعد تأييدها للمعارضة وهي اليوم تعود مرة ثانية.
كما بدأت قضية اللاجئين الفلسطينيين كانت بداية قضية النازحين السوريين. عندما بدأت المعارك العسكرية بين النظام وسائر أطراف المعارضة بدأت عمليات النزوح. ولكن ربما لم تكن هناك توقعات بأن تطول الحرب كل هذه الأعوام وأن ينخرط فيها “حزب الله” بكامل قواه العسكرية ويشارك في عمليات النزوح أيضا. أكبر عملية نزوح شاملة كانت في منطقة القصير ثم في بلدات جرود القلمون. وإذا كان لا بد من بداية طريق للعودة لماذا لا تكون بإعادة أهالي القصير إليها؟ صحيح أن الحزب سمح بعودة عدد قليل من السوريين إلى مناطق محددة ولكن المطلوب أن تكون هذه العودة شاملة.
يحكى اليوم عن استقرار الوضعية العسكرية في سوريا وعن انتهاء مرحلة المعارك الكبرى التي يمكن أن تحدث تحولا في طبيعة الحرب. ويحكى أيضًا عن التحضير لإقامة مناطق آمنة أو مناطق “خفض التوتر” ولذلك كان لا بد من البدء بالبحث في موضوع عودة النازحين السوريين إلى هذه المناطق.
تختلف قضية مخيمات النازحين السوريين عن قضية اللاجئين الفلسطينيين في أمور كثيرة. ثمة سوريون في لبنان مؤيدون للنظام وآخرون معارضون له. وثمة مسؤولية لبنانية في هذا الملف الذي ترعاه أيضًا الدول الكبرى والأمم المتحدة. ولذلك لا يمكن البحث في قضية العودة على أساس أنها ملف واحد. حتى اليوم لم تتحول المخيمات السورية إلى معسكرات ولكنها شكلت بؤرًا لتفخيخ السيارات وتحضير الإنتحاريين. ولا شك في أن العملية الأمنية التي نفذها الجيش اللبناني في مخيمي “النوَر” و”القارية” في جرود عرسال كانت ناجحة بالمعايير الأمنية وأظهرت مدى إمكانية أن تتفلت هذه المخيمات التي تنتشر في كل لبنان من إطار المراقبة والرصد نظرًا إلى أعداد النازحين الكبيرة وإلى استحالة تأمين حراسة ومراقبة دائمة لها. ولذلك لا يجوز تحت حجة وفاة بعض المعتقلين أن تكون هناك حملة على الجيش تشبه الحملات التي كان يتعرض لها في الستينات لمنعه من ضبط المسلحين الفلسطينيين ولذلك أيضا يجب الفصل بين المسألتين.
لن تحصل عودة النازحين السوريين بين ليلة وضحاها ولكن لا بد من أن تعمل الحكومة اللبنانية على رسم بداية طريق لهذه العودة. فسوريا 2017 لم تعد سوريا ما قبل 15 آذار 2011. النظام نفسه لم يعد موجودًا كقوة رسمية حاسمة ومقررة. لا قدرة للنظام على أن يكون صاحب القرار في سوريا حتى في المناطق التي لا تزال تحت سلطته الإدارية بعدما تحول إلى الطرف الأضعف في التحالف المؤيد له من إيران إلى «حزب الله» وروسيا. وهذا النظام مسؤول عن نزوح السوريين من المناطق التي سيطر عليها وهو ساهم في عمليات الفرز السكاني التي شارك في بعضها “حزب الله”. ماذا حل بأحياء كاملة في حمص كانت مؤيدة للمعارضة واختار سكانها أن يغادروها؟ ماذا حل بأهالي حلب بعد سقوطها؟ وماذا أيضًا عن عمليات التبادل السكاني التي حصلت مثلا بين كفريا والفوعة والزبداني ومضايا وغيرها؟
لذلك ليس ما تبقى من النظام هو الجهة الصالحة للبحث في هذا الملف ولذلك إن المطالبة بأن تكون هناك قناة تواصل رسمية لبنانية معه ليست ذات جدوى لأنها لا تهدف إلى إعادة النازحين بل إلى استعادة العلاقات مع نظام ساقط ولم يعد يمثل حتى نفسه في سوريا. ولذلك ليس المطلوب اليوم أن يكون هناك “اتفاق دمشق” محل «اتفاق القاهرة”.
ثمة مستقبل جديد يكتب لسوريا. وثمة خارطة جديدة ترسم لها سيبدأ تطبيقها بعد سقوط آخر معاقل تنظيم “داعش” في الرقة. ولذلك لا يمكن أن يبقى لبنان رازحا تحت أثقال النزوح. هذا النزوح يمكن أن يتحول في أي وقت إلى مشكلة أمنية حتى لو لم تتسلح المخيمات. وأي حادث مع اللبنانيين يمكن أيضا أن يتحول إلى قضية أمنية خصوصًا بعدما بات اللبنانيون بشكل عام يعبّرون عن امتعاضهم من المزاحمة السورية ومن الجرائم التي يرتكبها نازحون سوريون. ولا يخفي مثل هذا الأمر إمكانية انقسام اللبنانيين مجددا بين من هم مع النازحين السوريين ومن هم ضدهم وبين من هم مع بقائهم في لبنان ومن هم مع عودتهم وبين من هم مع ضبطهم أمنيًا ومن هم مع تركهم يفعلون ما يريدون.
المسألة تتعلق أولاً وأخيرًا بالسيادة اللبنانية وحتى لو عاد النازحون السوريون إلى المناطق الآمنة كل بحسب انتمائه الجغرافي والطائفي والسياسي فإن أعدادا من السوريين ستبقى في لبنان كما كان الوضع قبل بدء الحروب السورية وتماشيا مع تطورات الوضع العسكري في سوريا واقتراب نهاية تنظيم «داعش» الذي حيكت حوله أساطير كثيرة حول السيطرة على لبنان وإقامة إمارات فيه، فإن تثبيت مبدأ السيادة اللبنانية لا يكتمل إلا من خلال استكمال ضبط الحدود مع سوريا بشكل كامل لأن ضبط أمن المخيمات في الداخل لا يكون إلا من خلال ضبط هذه الحدود حتى لا يتحول لبنان في النتيجة إلى مخيم كبير لا حدود له.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]