#adsense

الصراع الأميركي-الروسي في سوريا بعد “داعش”: خطوط حمر لإيران وإدارة ذاتية للمناطق المحررة

حجم الخط

خاص “المسيرة”- واشنطن العدد 1618:

رفعت الولايات المتحدة الأميركية من سقف تعاملها مع مجريات الأزمة السورية بتنسيق عالي المستوى بين القيادتين السياسية والعسكرية، بما شكل دلالة واضحة على توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب في لعب دور فاعل في المنطقة على عكس ما كان سائداً في عهد الإدارة السابقة. وإنتقلت من محور الدفاع إلى مرحلة الهجوم السياسي والعسكري في آن، من أجل لجم أدوار روسيا وإيران في المنطقة، وحفظ دورها ومصالحها في الوقت ذاته. وقد برزت دلالات واضحة على مدى تغير الموقف الأميركي وانتقاله إلى مرحلة التطبيق على أرض الواقع.

أولاً: على المستوى العسكري كان بارزاً التطور النوعي الذي طرأ على طريقة عمل القوات الأميركية من خلال استهداف النظام السوري مباشرة وكل من يدور في فلكه من ميليشيات ومجموعات مسلحة في رسم واضح لخطوط الصراع في هذه المنطقة الجغرافية، وبالتالي شكل إسقاط أول طائرة للنظام السوري بنيران القوات الجوية الأميركية رسالة مزدوجة لموسكو ودمشق في الوقت ذاته، حيث أثبتت واشنطن أنه مهما تعاظمت القوة الروسية لجهة الدفع نحو حماية ما تبقى من نظام بشار الأسد في سوريا، فإن هذه القوة لا تضمن بتاتاً الحماية الكاملة لدمشق لا سيما عندما يتخطى هذا النظام حدود الصراع المرسومة بدقة منذ بدء النزاع وحتى اليوم، فلا إسقاط فورياً للمناطق التي بقيت تحت سيطرة النظام ولا تقويض نهائيًا لهيكلة الدولة السورية، بل التقدّم على الأرض نحو رسم طبيعة الهيكل السياسي الدستوري الذي سيولد في سوريا بعد الحرب، وفيه ضمانة لكل المجموعات التي تؤلف الشعب السوري، فلا عودة بعد اليوم إلى نظام البعث الذي حكم بقبضته العسكرية على مجمل مقدرات الدولة.

ثانياً: أما الإشتباك الشديد اللهجة الذي حصل ولا يزال بين العدوين اللدودين الولايات المتحدة وروسيا، فقد بدأ منذ تغيير السلوك الأميركي في التعامل مع ملف النزاع السوري، فبعد سلسلة التراجعات التي سجلتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما على هذا الصعيد لا سيّما بعد تحريك الأساطيل الأميركية في المتوسط قبل نحو عامين ومن ثم عودتها أدراجها بعد إقناع روسيا لهذه الإدارة بأن سوريا ستبدأ نزع أسلحتها الكيميائية، إلا أن إدارة ترامب إنتقلت من حالة التراجع إلى وضعية الهجوم،الذي إنطلق يوم قصفت الطائرات الأميركية قاعدة الشعيرات السورية في نيسان الماضي، مروراً بتصعيد الإجراءات الفعالة التي إتخذها التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» من حيث ضبط ساحة الصراع في سوريا بالنار من دون الإكتفاء فقط بملاحقة وقصف أهداف لتنظيم «داعش»، ووصولاً إلى إسقاط الطائرة السورية من قبل الطائرات الأميركية الأمر الذي أثار قلق موسكو الواضح وهي بعثت برسائل إعتراض شديدة اللهجة إلى واشنطن. وأبلغ المسؤولون الروس وفق المعلومات نظراءهم الأميركيين بأن موسكو ستواصل وبشكل رئيسي دعم النظام السوري، وذهبوا أبعد من ذلك بأن حمّلوا الولايات المتحدة مسؤولية تنفيذ هجوم جديد في سوريا، لأن ذلك قد يُعقد محادثات السلام السورية التي تهدف لإنهاء الحرب المستعرة منذ أكثر من ستة أعوام.

وفي هذا الموقف فهم المسؤولون الأميركيون بأن الروس مستعدين لقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع على الساحة السورية، إلا أن واشنطن ردّت على موسكو بأن التحذير من هجوم كيميائي وشيك قد ينفذه نظام الأسد يستند على معلومات مخابرات عما بدا أنه استعدادات نشطة في قاعدة الشعيرات الجوية، حيث كشف مسؤول أميركي أن ضباط المخابرات الأميركيين وآخرين من دول الحلفاء حددوا عدة مواقع يشتبهون في أن الحكومة السورية تستخدمها لإخفاء أسلحة كيماوية مصنوعة حديثا بعيدا عن أعين المفتشين. وقال هذا المسؤول إنه عند جدية هذه المعلومات فإن الولايات المتحدة بادرت إلى نقل التحذير إلى روسيا عبر ما يُعرف بـ»قناة عدم الاشتباك» التي يستخدمها البلدان لتفادي وقوع اشتباكات في المجال الجوي السوري.

ثالثاً: على المستوى السياسي خصوصاً لجهة معالجة الأزمة السورية بالتفاوض، فقد تبيّن للمسؤولين الأميركيين أن إختراع روسيا لمنظومة «محادثات أستانة» ليس سوى محاولة مكشوفة لتطويق آلية مفاوضات جنيف السورية التي تجري برعاية الأمم المتحدة ومتابعة مباشرة من قبل الولايات المتحدة والدول الداعمة للمعارضة السورية، وبحسب هؤلاء المسؤولين فإن الروس نجحوا من وراء هذه المنظومة بإسقاط خيار إقامة المناطق الآمنة الذي أيدته إدارة الرئيس ترامب وعدد من الدول، وتمكنت موسكو من إنتزاع موافقة أنقرة على الترتيب البديل لهذه المناطق وهو ما إتفق على تسميته بـ»مناطق خفض التصعيد» بحيث وضعت روسيا هذا الترتيب موضع التنفيذ من دون أي دور أميركي في هذا المجال، ومما زاد من إستياء واشنطن هو الدخول الإيراني على خط هذه الترتيبات مع إدراك الولايات المتحدة بأن طهران ستقوم بالتعاون مع نظام الأسد بإستغلال إتفاق مناطق خفض التصعيد من أجل إستكمال خطة «المناطق الصافية» وتغيير معالم هذه المناطق الديمغرافية، تمهيداً لجعلها مناطق سيطرة ونفوذ إيرانية.

وبحسب المسؤولين الأميركيين فإن موسكو أرادت من وراء إتفاق مناطق خفض التصعيد الاحتفاظ بورقة التسوية السياسية في الأزمة السورية وفق مصالحها الخاصة، وتحييدها عددًا من الأطراف الدولية من وضع إستراتيجيتها الخاصة في شأن تسوية النزاع في سوريا، كما أن روسيا بإجهاضها خطة المناطق الآمنة قد سعت إلى إبعاد التأثير الأميركي المباشر على الأرض في سوريا، وتكون بذلك قد خلقت مناطق خفض التصعيد ووضعتها تحت سيطرة حلفاء دمشق. إلا أن واشنطن تسعى منذ فترة لتطويق أي توسع للدور الروسي والإيراني في سوريا، وهذا بدا واضحاً من خلال مجريات المعركة في منطقة التنف، حيث رفضت الولايات المتحدة بشكل قاطع وتدخلت عسكرياً لمنع أي محاولة يقوم بها جيش النظام وبدعم من حلفائه للوصول الى الحدود العراقية ووصل دمشق ببغداد وطهران برّاً، وفي المقابل زادت واشنطن من تواجدها العسكري في الشمال السوري ورفعت وتيرة دعمها اللوجستي للمجموعات المؤيدة لها من أجل ضمان ربط الخط الممتد من الجنوب السوري بالرقة والحسكة وتشكيل خط متين من المجموعات العسكرية في مواجهة التقدم السوري الايراني الروسي. وهنا يعتبر مراقبون في واشنطن أن الصراع بدأت تتجلى أبعاده الاستراتيجية والجيو سياسية من خلال رفض غربي واضح للمسعى الروسي الايراني لإعادة وصل شرق آسيا برا عبر البحر المتوسط مروراً بايران فالعراق ووصولاً إلى سوريا.

تطويق إيران

رابعاً: إنطلاقاً من هذه الوقائع المستجدة رفعت الولايات المتحدة من وتيرة حملاتها ضد إيران، وأبلغت واشنطن معظم من يعنيهم الأمر بأن تحذير دمشق من مغبة القيام بأي هجوم كيميائي جديدإنما يشمل إيران أيضا، لا سيما بعد إستعراض القوة الذي قامت به طهران من خلال إطلاق الصواريخ من أراضيها بإتجاه أهداف للمجموعات المسلحة في سوريا، حيث رأت واشنطن في هذا التدخل الصاروخي الجوي تجاوزاً فاضحاً للخطوط الحمر الإقليمية والدولية على حدّ سواء وأظهر تصميم إيران على زعزعة أمن المنطقة وتوسيع نفوذها على عدد من دول الجوار. ولم تكتف واشنطن بإستهداف دور طهران في دمشق، بل شنت حملة حادة في الأمم المتحدة متهمة إيران بأنها تنتهك مرارا وعمدا العقوبات المفروضة عليها، وحملت واشنطن مجلس الأمن الدولي المسؤولية في عدم اتخاذ الحد الأدنى من الخطوات للرد على هذه الانتهاكات، وشدّدت على ضرورة عدم التسامح مع تكبر إيران السافر على قرارات الأمم المتحدة». وإستهدفت الولايات المتحدة بشكل واضح المهام التي يقوم بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ووجوده خارج إيران مشيرة إلى أن هذا الأمر يمثل انتهاكا صارخا للقرار الأممي 2231.

وشددت واشنطن على أن دعم إيران للمجموعات الإرهابية لا يزال مستمرا، وأسلحتها ومستشاروها العسكريون ومهربو الأسلحة لا يزالون يُصعّبون مهمة تسوية النزاعات. وفي هذا السياق كشفت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي «أن القرار 2231 يحظر على الجنرالات ولا سيما سليماني السفر خارج إيران، وقد أعطت كل الدول الأعضاء التزاما واضحا بحرمانه من دخول أراضيها، ولكن على رغم ذلك فتقرير الأمين العام يوثق سفر هذا الجنرال إلى سوريا والعراق في العديد من المرات، وهذا الأمر يمثل انتهاكا لسلطة مجلس الأمن بشكل واضح وصارخ ويتم بشكل علني على مرأى العالم أجمع.» وبحسب المعلومات فإن الولايات المتحدة بعثت برسائل تحذيرية واضحة إلى روسيا وبشكل غير مباشر إلى نظام الأسد، بضرورة لجم توسع الدور الإيراني في سوريا ورفض تمدده إلى مناطق الخطوط الحمر، وإلى حين تبيان نهايات هذا الصراع فيجب بالتالي أن تبقى طهران ضمن حدود اللعبة التي دخلت فيها إلى الحلبة السورية.

خامساً: إن زيادة الدعم السياسي والعسكري لقوات سوريا الديمقراطية  يشكل نقطة إرتكاز للقوة الأميركية في شمال سوريا حيث تشكل مراهنة واشنطن على الأكراد في المنطقة محوراً رئيسياً في إستشراف معالم الخريطة الجيو- سياسية التي ستفرضها الوقائع على الأرض بعدما تشارف المعارك على نهايتها، وعلى هذا الأساس يستدل بشكل واضح أن الولايات المتحدة ومعها منظومة الدول الغربية وغيرها من الدول العربية الحليفة لم تعد يهمها مسألة بقاء النظام في سوريا أو الحفاظ على شكل الدولة السورية كما كان عليه من قبل. فطالما أن روسيا وإيران تتصرفان في سوريا على أساس خدمة مصالحهما وأجندتهما الخاصة والتوسعية في المنطقة بحثاً وتدعيماً لمواضع النفوذ الإقليمي، فكذلك الولايات المتحدة وجدت نفسها قادرة على الحفاظ على مصالحها في المنطقة، وفي لعب دور لرسم خرائط الحلّ للنزاع القائم في سوريا وضمان أن تكون هذه الحلول ضمن خطة متكاملة بعيدة المدى.

ومن هذا المنطلق كان لافتاً الزيارة التي قام بها المبعوث الرئاسي الأميركي إلى التحالف الدولي ضدّ تنظيم «داعش» بريت ماكغورك إلى شمال سوريا مؤخراً وبقائه في المنطقة على مدى يومين، حيث ناقش المجالات التي يمكن أن تلعب فيها الولايات المتحدة دوراً في تحقيق الاستقرار في هذه المناطق، لا سيما لجهة تهيئة الظروف الانسانية والمعيشية والحياتية التي تكفل عودة السكان إلى مناطقهم التي يريدون العيش فيها، وبحسب المعلومات فإن المبعوث الرئاسي بحث مع المسؤولين المحليين في هذه المناطق ولا سيما مع ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية سبل تعزيز السيطرة المحلية فيها على أن تتلاءم أي إدارة محلية يتم إنشاؤها مع متطلبات السكان المحليين والمجتمعات القائمة، وهنا رأى مراقبون في واشنطن أن هذا الأمر يشكل دليلاً واضحاً على تأييد الولايات المتحدة مسألة تأسيس الإدارة المحلية الذاتية لحكم المناطق المحررة من تنظيم «داعش» دون التركيز على عودة ما تبقى من السلطة المركزية إلى هذه المناطق.

سادساً: تبقى الإشارة أخيراً إلى أن واشنطن ضاقت ذرعاً من موسكو ليس فقط على خلفية التباينات في عدد من الأزمات الدولية والإقليمية، بل بسبب الكشف عن الكثير من المعلومات عن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، وعلى الرغم من استخدام خصوم ترامب من الديمقراطيين هذا التدخل على إعتبار أنه صبّ لصالحه في النتيجة، إلا أن هذه القضية تمس الأمن القومي الأميركي وبالتالي لا يمكن للحزب الجمهوري أو حتى فريق ترامب الدخول في مثل هذه الرهانات التي قد تصل إلى حد الاتهام بالخيانة العظمى للبلاد، وبالتالي فإن أي توريط لأي شخصية أميركية في هذه القضية يكون على المستوى الشخصي وليس بفعل تعاون مقصود وعن سابق تصور وتصميم، ومع ذلك فقد أدّت هذه الفضيحة إلى الإطاحة بعدد لا بأس به من المسؤولين الأميركيين بدءاً باستقالة مستشار الأمن القومي الأميركي مايكل فلين في شباط الماضي وهو لم يمض على منصبه سوى أقل من شهر بعد تسلم الرئيس الجديد مهامه الدستورية، حيث تبين أن فلين كان عرضة لابتزاز من الروس وهو حاول إخفاء بعض المعلومات في هذا المجال عن نائب الرئيس، وبعد استقالة فلين كانت إقالة مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي المدويّة في شهر أيار وهو الذي كان يحقق في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وفي شهادته أمام الكونغرس في شهر حزيران شدد كومي على مدى خطورة عملية قرصنة الروس والتي راقبتها الأجهزة الأمنية الأميركية، مشيراً إلى أن هذه ليست قضية الحزب الجمهوري أو الديمقراطي إنها قضية مصلحة أميركا العليا وسيعود القراصنة لاستهداف أي حزب إذ إنهم لا ولاء لهم وهم وراء مصالحهم فقط. ولا تزال هذه القضية تحرج الداخل الأميركي في انتظار معرفة النهايات التي ستؤول إليها حيث تواصل لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ولجان عدة في الكونغرس، بالإضافة إلى مستشار خاص، إجراءات التحقيق.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل