

كتب فادي عيد في المسيرة – العدد 1618:
كشف نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن الدكتور بول سالم، أن الكونغرس الأميركي يعي خطورة العقوبات ضد «حزب الله» على القطاع المصرفي اللبناني، لكنه يتجه للضغط على الحزب في قرار العقوبات الذي سيصدر بعد أشهر. وأكد أن المساعدات الأميركية للجيش اللبناني ستشهد تراجعاً ملحوظاً في العام 2018، لافتاً إلى أن وزارة الدفاع الأميركية ستواصل دعمها للجيش من خارج الموازنة انطلاقاً من تقديرها للدور الكبير الذي يلعبه الجيش في لبنان. ولاحظ أن الدولة اللبنانية صمدت خلال سنوات الحرب في سوريا لأن النظام اللبناني هو الوحيد في المنطقة الذي يقوم على تفاهم مكوّناته الطائفية. وإذ أشاد بإقرار قانون انتخاب قائم على النسبية، أكد أن تطبيق اللامركزية الإدارية يحرّر من القرار المركزي ومن المحاصصة والفساد. «النجوى ـ المسيرة» التقت الدكتور سالم، وكان الحديث الآتي:
كيف تقرأ الواقع اللبناني، وما هي التحديات التي تواجه لبنان اليوم؟
أعتقد أن في لبنان إيجابيات واضحة وسلبيات مهمة، وأهم الإيجابيات أن الدولة، ومع كل أزماتها، تمكّنت من تأمين الإستقرار طيلة سنوات الحرب في سوريا، مع أن الكثيرين توقّعوا أن يدخل لبنان في حرب داخلية، وهذا ما لم يحصل. والنظام اللبناني صمد لأنه مبني على توافق بين مكوّناته، وهو النظام الوحيد في العالم العربي القائم على هذه الصورة. كذلك، فإن المؤسّسات الأمنية، وخصوصاً الجيش وقوى الأمن الداخلي، قادرة على الحفاظ على الأمن، وعلى الرغم من سلاح «حزب الله»، الذي يتناقض مع مبدأ الدولة. والجيش يلعب دوراً كبيراً وقوياً بدعم دولي وإقليمي، وهذا يعزّز مكانة الدولة اللبنانية والأمن الداخلي. وتأمين استمرار الدولة هو إيجابية مهمة، ويضاف إليه أخيراً تمرير قانون انتخاب قائم على النسبية، إذ طالبنا بها منذ 20 عاماً، وذلك كمدخل للتغيير السياسي.
وماذا عن السلبيات؟
السلبيات في الواقع اللبناني، واضحة، وفي مقدمها وجود «حزب الله» المسلّح الذي يتناقض مع مبدأ السيادة في المطلق، وحتى الآن لم يحصل أي انفجار للوضع مع إسرائيل، وما زالت جبهة الجنوب مستقرّة، ولكن هذا التناقض الذي نعيشه يشكّل خطراً على السيادة وعلى استقرار لبنان وأمنه، لأنه قد يستجلب مخاطر من إسرائيل ومن سوريا بعدما دخل «حزب الله» في الحرب السورية. وعلى الرغم من إقرار قانون الإنتخاب، فإن قدرة الحكومة على تحقيق نتائج في الشأن العام ومعالجة أزمات الناس، هي متدنّية، فالكهرباء غير مؤمّنة، وكذلك الطبابة والمدارس والجامعات…
كيف يمكن للبنان أن ينطلق من جديد على كافة الصعد برأيك؟
بكلمة واحدة، إن أداء الدولة بطيء جداً. ولا مجال لأن ينطلق لبنان إقتصادياً في القرن 21 من خلال نظام يشهد هذا المستوى المرتفع من الفساد. فمكافحة الفساد هي موضوع حيوي للبنان، وأتمنى بعد قانون الإنتخاب، أن يتم تطبيق اللامركزية الإدارية، لأنها تحرّر من القرار المركزي ومن المحاصصة ومن الفساد. ليست حلاً سحرياً، ولكن كما لاحظنا، عمل البلديات الإيجابي في المناطق والقرى، فاللامركزية هي عامل تنمية في كل المناطق.
هل ترى مخاطر محدقة بلبنان؟
بالنسبة الى المخاطر المحدقة بلبنان هناك أولاً خطر حرب إسرائيلية، وهذا الخطر يزيد وينقص وفقاً لتوجّه إيران وسوريا و«حزب الله». والحرب القادمة ستكون أكثر تدميراً من حرب 2006. فالحزب يقول أنه سيدمّر إسرائيل، ولكن لن يفيدنا تدمير إسرائيل إذا كان لبنان سيتدمّر. والخطر الثاني، يتمثّل بعبء النازحين السوريين وكلفته الإقتصادية والإجتماعية، إذ هناك احتمال أن تبادر أي جهة إلى تعبئة جزء من النازحين وتسليحهم لاستخدامهم ضد اللبنانيين، كما حصل سابقاً مع اللاجئين الفلسطينيين. أما الباقي، فهو مرتبط بمشاكل الإدارة اللبنانية والأزمات الداخلية.
هل بإمكان لبنان الإستمرار في ظل وجود دويلة «حزب الله» ضمن الدولة؟
إنها دولة وليست دويلة، ولكننا مجبرون على الإستمرار ولا خيار أمامنا لأننا لن نسلّم لبنان. وهذه مشكلة بنيوية ومرفوضة لا يمكن أن نتعايش معها بشكل طبيعي وأن نشرّعها. وإلى أن نجد لها حلّاً سلمياً وسياسياً سنتعايش معها، وإلا سنخسر بلدنا واقتصادنا ومجتمعنا. وأعتقد أن قيادة «حزب الله» والمنتمين إليه هم لبنانيون، وربما لديهم ارتباطات خارجية، ولكنهم مهتمّون بالحفاظ على الإستقرار وعدم نشوء أية مشاكل. ولكن عندما ننظر إلى كيفية انتهاء هذه الظاهرة، فأنا أعتقد أن هذا الأمر لن يتم في القريب المنظور، ويا للأسف، فإن الحزب يلعب دوراً أكبر منه، إذ أن مشاركته في الحرب السورية قد وسّعت من دوره، وعمّمته كنموذج مختار من إيران، فكان الحشد الشعبي في العراق، والحوثيون في اليمن. إن النموذج الأساسي هو الحرس الثوري الإيراني الذي تأسس إلى جانب الجيش الإيراني، وهو يتمتّع باستقلالية القرار ويسهر على الثورة وليس على المجتمع الإيراني، كما أن ارتباطاته أيديولوجية وليست دستورية. لذلك، فنحن نتّجه نحو الأسوأ وليس نحو الأفضل.
والحلّ الوحيد هو حصول تطوّر ونضوج في إيران وقرار بأن هذا النموذج المتطرّف والمعبّأ مذهبياً لا يحقّق مصلحة إيران، ولا يسبّب إلا المشاكل والتطرّف لدى الطرف المقابل له. وهذا لن يحصل إلا إذا حصلت ضغوطات ومفاوضات جدية مع إيران كي تتأكّد بأنه مقابل أمن إيران عليها أن تحترم القوانين الدولية وشرعة الأمم المتحدة، أي سيادة الدول الأخرى. وإذا أرادت إيران أن تطلب الإحترام من الدول الأخرى، فعليها أن تغيّر من سياستها، ولكن في المرحلة الراهنة هذا الأمر ليس مطروحاً.
كيف قرأت خطاب السيد حسن نصرالله الأخير الذي هاجم فيه السعودية؟
قبل الحرب السورية كانت شعبية «حزب الله» في الشارع العربي مرتفعة، ولكن بعد مشاركته بالحرب ودخوله في مواجهات مذهبية مع سوريا من دون وجود أي عدو إسرائيلي، انهارت هذه الشعبية. وأعتقد أن إيران و«حزب الله» يبحثان عن شعارات ليصرفا الأنظار عما يحصل في سوريا وفي بلدان عربية أخرى. وفي خطاب السيد نصرالله الأخير، نلاحظ أنه استخدم ما حصل في سوريا حيث جرى استقدام مقاتلين أفغان وباكستانيين وعراقيين للقتال، لتصويره وكأنه نموذج للممانعة ضد إسرائيل، أي أنهم يحاولون تبرير الطريقة التي استخدموها في سوريا ضد إسرائيل، مع العلم أن إيران لا تريد إطلاق أي رصاصة باتجاه إسرائيل، لأنها لا تريد أي ردّ فعل إسرائيل في لبنان. وهذه حرب كلامية وإعلامية بالنسبة الى إسرائيل. أما بالنسبة الى الأزمة القطرية، فإن إيران تسعى لاستغلال الفرصة لجذب قطر وتركيا إلى معسكرها ضد السعودية والإمارات. ولكن الخطاب يؤثّر سلباً على اللبنانيين في دول الخليج، وهذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها هذا التناقض بين موقف «حزب الله» ومصالح اللبنانيين.
هل لديك مخاوف من حرب إسرائيلية ضد لبنان هذا الصيف؟
لا مصلحة لإسرائيل الآن بفتح جبهة حرب مع «حزب الله»، إنما هي مستعدّة للتصعيد عسكرياً إذا بادر الحزب إلى مهاجمتها. كما أنني لا ألاحظ لدى إيران أو الحزب أو النظام السوري أي توجّه بفتح جبهة جديدة. لذلك، لا أتوقّع أي حرب، ولكن هناك اتجاهات لتصعيد كلامي، لأن «حزب الله» يريد أن يظهر إعلامياً بمظهر محارب إسرائيل، وبالنسبة الى نتانياهو يريد أن يصعّد ضد إيران و«حزب الله» من أجل التسويق الداخلي في إسرائيل والخارجي في واشنطن، ليدفعها إلى دعمه في مواجهة خطر إيران والحزب، وبالنسبة الى أميركا وإسرائيل، فإنه طالما أن الخلافات المذهبية مستمرة في سوريا، فإن البنادق لن توجّه صوب إسرائيل، وهذا يخدمهما وسيعملان على ديمومته.
هل من وجود للبنان في السياسة الأميركية؟
أولاً إن الجيش الأميركي يعتبر أن الإستثمار الأفضل كان في الجيش اللبناني الذي برهن أنه يمتلك الأداء الأفضل في المنطقة، وهذا أمر مهم، لأن وزارة الدفاع الأميركية واعية لدور الجيش اللبناني وتدعمه. ولكن الموازنة توضع من قبل الكونغرس والبيت الأبيض، وتراجع الدعم للجيش لا تقرّره وزارة الدفاع. وهناك تيار مهم في الكونغرس يعارض إيران و«حزب الله»، ولكن في الوقت نفسه لا يريد الإساءة إلى لبنان، ومن هنا، يقع لبنان في منتصف هذه التجاذبات، فالمساعدات للجيش اللبناني تراجعت، ولكن التعاون بين وزارة الدفاع والجيش مستمر، والوزارة تملك الإمكانات لدعمه ومن خارج الموازنة.
ماذا عن العقوبات الأميركية ضد «حزب الله» والمقربين منه، وتأثيرها على الوضع الإقتصادي اللبناني؟
أعتقد أن الحزب وإيران يعيشان في عالم خارج الآليات الأميركية منذ 30 عاماً، والتمويل الأساسي لا يمر عبر المصارف اللبنانية والأميركية، من هنا أهمية الحرب في دمشق لتأمين الجسر الجوي والتواصل مع إيران. فالعقوبات تطال المناطق والأشخاص والمؤيّدين ل«حزب الله». وهناك وعي في الكونغرس لخطورة التأثير السلبي للعقوبات على القطاع المصرفي اللبناني، ولكن في الوقت نفسه هناك توجّه للضغط على «حزب الله».
هل بدأت برأيك عملية تقسيم سوريا؟
نعم وكلا في الوقت نفسه، لأن ما من مشروع لتقسيم سوريا بشكل رسمي، والسبب أن دول المنطقة والغرب ليسوا في صدد الدخول في تحديات نشوء دول جديدة. وما يحصل ليس تقسيمًا، ولكن نظام دويلة الأسد وعندها مناطق نفوذ، فيما يستمر الصراع على المناطق الأخرى، وهي كانتونات غير رسمية، ولكن ذات نفوذ خارجي تركي وكردي وأردني وأميركي وروسي. وفي دير الزور برز توجّه أميركي إلى السيطرة عليها، ثم تراجع الأميركيون، وأفسحوا المجال أمام إيران والنظام السوري لمقاتلة «داعش» والسيطرة عليه. وأعتقد أن هناك وعيًا لدى القيادة الروسية بأن النظام السوري عاجز عن استرجاع كل سوريا، وروسيا لا تريد إطالة أمد الحرب، لذلك تريد تهدئة المناطق خارج السيطرة السورية. كذلك، فإن روسيا تريد استدراج أميركا إلى تعاون معها، وهذا يحقّق مصلحتها وغايتها الأساسية، وهي خلق علاقة إيجابية مع الإدارة الأميركية، وقد بدأت ذلك مع الرئيس دونالد ترامب، لأنها تريد، ومن خلال أميركا، بدء العمل على رفع العقوبات، واعترافاً بدورها في أوروبا الشرقية.
في المقابل، فإن هدف واشنطن هو أن تنتصر على «داعش» في الرقّة، وأن ينتصر فريق آخر عليها في دير الزور، وهكذا يقول الرئيس ترامب، أنه قضى على دولة الخلافة، ولواستمرّت لاحقاً عبر الإنترنت مثل «القاعدة».
هذا يعني أننا أمام لعبة توزيع أدوار أميركية ـ روسية في سوريا؟
إلى جانب توزيع حصص للأكراد والأردن وأيضاً إسرائيل في المنطقة المجاورة للجولان، حيث هناك تفاهم بين إسرائيل وروسيا بأن تبقى إيران بعيدة عن إسرائيل، والروس يتفهّمون هذا الأمر ولا يعترضون على القصف الأميركي للسوريين والإيرانيين في سوريا.
ماذا عن مستقبل بشار الأسد، وهل ترى أنه أعاد تثبيت نظامه؟
لا شك أنه عندما انطلقت الثورة، كان الكل يتوقّع سقوطه، ولكن حلفاءه أمّنوا له بقاءه من خلال الحرب التي حصلت. وأعتقد أننا دخلنا في مرحلة «تسكين» للوضع في سوريا، كما حصل في لبنان في العام 1975 و1986، إلى أن تغيّرت الظروف وخرج اللبنانيون من الحرب. وأعتقد أن بشار الأسد سيبقى على رأس هذه الدويلة مع كل هذه الميلشيات، ولا أحد من دول المنطقة يتحداه مما يعني أنه مستمر. ومن غير المعقول أن يكون جزءاً من الحل لأن الحل غير مطروح، فهو باقٍ والمجموعات الأخرى باقية في مناطق نفوذ خاصة بها وتتوزّع الآن. سندخل إلى هدنة لسنوات تتخلّلها ضربات وغارات ومواجهات فردية ومحدودة. وما لم يقبل النظام التفاوض الجدي لن يحصل أي حل.
ما هو مصير المناطق العراقية والسورية المحرّرة من «داعش»، ومن سيحكمها؟
إن الحالتين مختلفتان كلياً، إذ أنه في العراق هناك دولة مع كل مشاكلها وطوائفها ومجلس نوابها، ولذلك، فإن المناطق المحرّرة ستعود إلى كنف الدولة. أما التحدي الأساسي، فهو في الإمكانات السياسية والمادية، إذ أن العراق يفتقد لقيادات سياسية متمكّنة في هذه المناطق، لأن الموجودين في بغداد لا يملكون أي سلطة. بينما لدى الشيعة هناك قيادات واضحة، وكذلك لدى الأكراد. وهذا الواقع يشكّل مشكلة لدى الجميع تتمحور حول إعادة بناء كوادر سنّية.
أما في سوريا، فهناك منطقتان سيطرد منها «داعش»، الأولى وهي الرقّة وستكون برعاية أميركية ووجود كردي، ولن تسلّم إلى النظام لأن أميركا تريدها ورقة بيدها كونها قريبة من العراق. والثانية هي دير الزور، ووافقت أميركا على أن يسيطر عليها النظام وحلفاؤه. أما بالنسبة للجنوب، فما من وجود ل«داعش».
هل ترى أن الحدود السورية ـ الأردنية تتحضّر لمواجهة روسية ـ أميركية؟
أعتقد أن ما يطغى اليوم بين روسيا وأميركا هو التعاون المباشر، أو التفاهم غير المباشر، لأن المقاربة الروسية للوضع السوري هي مقاربة إيجابية، وطموح فلاديمير بوتين ليس سوريا، بل العلاقة مع أميركا لتثبيت نفوذه في مناطق البلطيق وأوكرانيا، والحصول على اعتراف أميركي بمنطقة نفوذه. ويبدو أن الرئيس ترامب مستعد لهذه المقاربة، ولكن الحزب الجمهوري الأميركي يعارض أي تساهل مع روسيا، والكونغرس يرفض هذا الأمر أيضاً. من هنا، فإن ترامب تحت تهديد التحقيق مع فريقه بتهمة التعاون مع روسيا، لن يستطيع أن يقدّم أي شيء لبوتين. لكن الأجواء إيجابية بينهما، وما من مواجهة في سوريا.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]