من يُحاسب سفير «الوصاية»..البائدة؟

تتفاعل قضية النازحين السوريين يوماً بعد يوم، ومعها يدور النقاش بين الجهات الشرعية المسؤولة في البلد، حول الطرق التي يجب أن يسلكها هذا الملف، من دون تعريض لبنان أكثر مما يحتمله خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، ولا حتى تعريض أمن النازحين للخطر ودفعهم إلى المجهول من خلال عودتهم إلى مدن وقرى، هي حُكماً تحت سلطة النظام السوري وحلفائه. ومن بين «العملية الجراحية» التي يخضع لها هذا الملف لإستئصال المعوقات وتهيئة الظروف لعودة آمنة للاجئين السوريين في لبنان، إلى سوريا، ثمة أصوات نشاز تخرج من البعض لتضيف جوّاً من الاحتقان السياسي، يُذكرنا بزمن الإحتلال السوري للبلد، يوم كانت أجهزته الأمنية تعيث فيه فساداً بالمفرّق والجملة.

بوق النظام السوري في لبنان وسفيره المُتلطي خلف الدبلوماسية السياسية واتخاذه منها ستارة لممارسة أعماله الأمنية والمخابراتية، سُمع بالأمس وهو ينفرد بمعزوفة أقل ما يُقال فيها، أنها خدشت الآذان بعدما خرج عن الإيقاع الصحيح، وذلك بعدما راح يربط بين أحقاد الماضي لنظامه ومصالحه الآنية بقوله أن «بعض القوى التي ترفض الحوار مع سوريا إنما تكابر وتقفز فوق حقائق التاريخ والجغرافيا»، لافتا إلى أن «هذه القوى التي تشكو الآن من الارهاب هي ذاتها كانت تضغط لاخلاء سبيل موقوفين من الارهابيين بحجة أنهم جيش حر أو ثوار».

من المؤكد أن حقد سفير النظام السوري في لبنان، معطوف على جملة أحقاد مبنية على اليوم الذي خرج فيه جيش نظامه من لبنان، مذلولاً مدحوراً يجر أذيال الخيبة وراءه، وذلك بعد 30 عاماً من حكم البلد بالقتل والنار وإجرام يُشبه إلى حد كبير، ذلك الذي يُمارسه اليوم بحق أبناء شعبه. والأنكى من موقف تركة النظام السوري في لبنان، هو موقف حلفائه اللبنانيين الذين ذهبوا أبعد منه في مطالبه لدرجة أن أحدهم وهو صاحب مركز مرموق في الدولة، وصلت به «الوطنية» إلى حد القول أن «النظام السوري لا يحتاج إلى تعويم من حكومة لبنان من طريق التواصل معها، اذ لديه حضوره ودوره بدليل تعاطي دول العالم معه وتمثيله الديبلوماسي في لبنان».

يفيض سفير النظام من بئر «علمه»، ليتحدث عن لاجئين كان نظامه السبب في تهجيرهم وقتلهم وتدمير منازلهم وإحراق أرضهم وسرقة أرزاقهم. يقول «إن ملف النازحين لا يُحل بتجاهل الواقع والكذب على الذات ولا يُحل طبعاً عبر سياسة النأي بالنفس التي ثبت عمليا أنها أدت الى توريط لبنان وليس النأي به، وذلك بفعل الاستجابة لضغوط اقليمية ودولية». وهنا لا بد من تذكير سفير «الفتنة»، أن لبنان الرسمي ومن خلال نأيه بنفسه عن الاحداث المُحيطة به، تمكّن من حفظ كرامة شعبه وعدم جعله وقوداً لأي حروب في المنطقة، والأهم أنه ثبّت شعبه في أرضه في وقت كان فيه بشّار الأسد يعرض ما تبقّى من سوريا للبيع، وذلك في تصريح علني له يقول فيه «إن سورية ليست للذي يعيش فيها، ولا للذي يحمل جواز سفرها، بل سورية للذي يدافع عنها».

مقابل هذا النعيق والزعيق الصادر عن نظام القتل والإجرام، يواصل لبنان تحمّل مسؤولياته في مواجهة الارهاب الذي اوجده النظام السوري في بلاده وزرعه مع حلفائه في المنطقة كلها. ولبنان صاحب المراتب العليا بين الدول كافة، لا يحتاج الى دروس من نظام يتشارك مع التنظيمات الإرهابية في تهجير شعبه وقتله وذبح أطفال بلاده. ومن هذه الخلفية الإجرامية لهذا النظام ومن حرارة «البراميل» المُتفجرة التي وصل لهيبها إلى دول المنطقة التي لجأ اليها النازحون السوريون، تُعلن الحكومة اللبنانية أنها لن تعيد أي سوري إلا وفق ضمانات دولية والى مناطق آمنة تحددها الأمم المتحدة.

علي عبد الكريم علي، سفير النظام «الكيماوي»، أراد أمس أن يرفع مسؤولية الإجرام وعمليات الإبادة والتهجير عن نظامه، فراح يهذي ببضع كلمات لا يُمكن لعقل طالب ابتدائي أن يتقبله أو أن يأخذه على محمل الجد. يقول أن «بعض الأطراف اللبنانية التي ترفض التنسيق مع سوريا اليوم، هي مسؤولة إلى حدٍّ كبير عن التغرير بالنازحين السوريين ودفعهم إلى ترك سوريا، لاستخدامهم كورقة ضغط ضد الحكومة السورية». السؤال: هل فعلاً ينقص لبنان لاجئون جدد على أرضه، وهو الذي يُعاني حتّى اليوم، من ملف اللاجئين الفلسطينيين الذين هجرهم العدو الإسرائيلي في أواخر الأربعينات؟. ثانياً: ألا يُعتبر هذا التهجير الذي أقدم عليه النظام السوري بحق شعبه، يُلاقي في مكان ما، ما فعله الإسرائيلي مع الشعب الفلسطيني؟.

وبعيداً عن عمليات نبش الأحقاد التي يبرع فيها النظام السوري، تجدر الإشارة إلى أنه يوم تمت الموافقة على تعيين سفير نظام القتل في لبنان، لم يكن يومها اللبنانيون يعلمون حقيقة هذا الشخص وبصماته الواضحة في عالم الترويج لسياسة النظام السوري القمعية، وهو الذي سبق أن عُيّن مديراً للتلفزيون السوري الرسمي، وبعدها مديراً لوكالة الأنباء الرسمية السورية، ولاحقاً سفيراً لبلاده في لبنان. واليوم يريد سفير نظام الإجرام، إعطاء المسؤولين اللبنانيين دروسا في الوطنية وهو الذي ذاع صيته في بداية عمله «الدبلوماسي» في لبنان، يوم خطّط بالتعاون مع حلفائه في لبنان لعمليات خطف لمعارضين سوريين في لبنان، منهم المعارض شبلي العيسمي والأخوة الأربعة من آل جاسم وغيرهم كثيرون من مواطنين سوريين ظلّت أسماؤهم مخفية. حتى أن هناك من قال، بأن السفارة السورية في لبنان بإدارة السفير الحالي، تسير على خطى مقري «عنجر» و«البوريفاج» في زمن الوصاية السورية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل