
ترجم أغنس حلو زعرور عن مجلة Newsweek للصحافي أندرو دوران في 28/6/2017 في مجلة “المسيرة” – العدد 1618
استيقظ يوسف فارس، صباح 27 حزيران 2016، كغيره من سكان قرية القاع المسيحية، حوالى الساعة 4:10 فجرا على صوت إنفجار. يوسف فارس الشرطي هرع إلى وسط القرية. وهو في طريقه سمع صوت إنفجار ثان. وثم ثالث. وعند وصوله إلى موقع الإنفجارات، عثر على القليل المتبقي من أخيه، جورج.
قبل لحظات، ألقى جورج، المحارب القديم في «القوات» المسلحة اللبنانية، أحد الإنتحاريين على الأرض. وعندها فجر الإنتحاري القنبلة وقتل مع جورج. أنقذ جورج أرواحًا كثيرة، ولكن زوجته دنيا، الواقفة على مقربة، أصيبت إصابة بالغة بالإنفجار. ركض يوسف نحو زوجة أخيه، التي تمزّق جسدها إربا. وبعد لحظات ظهر الإنتحاري الرابع، المصاب بطلقات النيران والجروح، ولكنه استطاع أن يفجر سترته ويؤذي المزيد من سكان القاع. وبحلول الساعة 4:30 فجرا، كانت القرية تعرضت لأربعة تفجيرات إنتحارية في رقعة لا تتعدى الـ50 مترًا. حصدت الهجمات 5 أرواح، من بينها جورج، وجرحت 19.
لكن الإرهابيين لم ينهوا مهمتهم عند هذا الحد. بعد بضع ساعات، في حين كانت القاع تعالج الجرحى وترثي الشهداء، شهدت القرية هجمات أربعة إنتحاريين آخرين، ولكن هذه المرة أقرب إلى وسط القرية قرب تمثال مار الياس. اشتبهت الشرطة أن الإرهابيين مختبئين في الزقاق المجاور. ركض الأول بجانب التمثال باتجاه كنسية مار الياس. وعندما تيقّنت الشرطة أنه إرهابي أصابوه بطلقات نارية وأردوه قتيلا. وتعاقب ظهور ثلاثة آخرين، بسرعة، فجروا أنفسهم الأمر الذي أدى إلى جرح 13 آخرين من أبناء البلدة.
وبعد سنة من التفجيرات الإنتحارية، تمت إقامة نصب تذكاري لخمسة رجال استشهدوا قرب تمثال مار الياس. يقوم يوسف بكل ما بوسعه لإعالة أرملة جورج، التي تحتاح إلى عناية طبية مستمرة، ولإعالة طفلي أخيه. في منزل يوسف، وبحضور العائلة، هناك جزع شديد حول حالة دنيا الطبية. ففاتورتها الطبية بعد 3 أشهر بلغت أكثر من 200000 دولار. يقول المترجم: « إذا كنت لا تملك المال أو ضماناً صحيًا، تمت على أبواب المستشفيات. ويقوم بعض فاعلي الخير في المجتمع المسيحي اللبناني بمساعدة العائلات على الاستمرار بعد هجمات القاع.
أصبحت القاع اليوم رمزا لشجاعة المسيحيين في لبنان، وهي ليست المرة الأولى. فخلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، كان مسيحيو القاع هدفا للهجمات الطائفية، ولاحقا هدفا لهمجية النظام خلال الإحتلال السوري الذي انتهى في 2005 بثورة الأرز.
شرق القاع، تقع سلسلة جبال لبنان، وخلفها سوريا. وهناك احتمال وجود مئات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية يشتبه بتحضيرهم لعمليات إرهابية، في الجبال على بعد ميلين من القاع. وعلى رغم إحاطة «داعش» في العراق وسوريا، بالأعداء قرب الحدود السورية ولكنه لا زال يشكل تهديدا على القاع. كما تقع سوريا بعد 3 أميال شمالا، وسوريا التي قتل النظام فيها مئات المسيحيين من بلدة القاع، من ضمنهم والد رئيس البلدية الحالي خلال عملية التطهير في 1978. أما في الجنوب والغرب فتقع القرى المتعاطفة مع، أو تحت، سيطرة حزب الله.
يقول رئيس بلدية القاع، بشير مطر: «لن نترك القاع أبدا، نتعرض للهجمات منذ 40 عاماً. استشهد 150 من أهل القاع. أولا الفلسطينيون، ثم السوريون والآن «داعش». ولن يخرجنا «داعش» من قريتنا.» ومطر كان منشغلا مع القادة المحليين بالتخطيط لإقامة الصلوات عند الرابعة والنصف فجر اليوم التالي لتخليد ذكرى ضحايا القاع السنوية. ويقول الكثير من اللبنانيين، «لبنان هو خط المواجهة مع الغرب.» ويعقتدون أنه في حال غزا الإسلاميون لبنان، ستليه أوروبا- مما سيجعل الهجمات الإرهابية اليوم خفيفة أمام ما سيحصل لاحقا. والمقارنة مع الغرب، تمر باستمرار في عقول سكان القاع.
قال مطر: «في بريطانيا كان هناك 3 إرهابيين على مدى أسابيع، أما في القاع فرأينا بأنفسنا 8 في يوم واحد. وجود 19 مهاجماً في الولايات المتحدة أدى إلى حرب عالمية. نحن كان عندنا 9 إرهابيين ولا أحد يعلم بهم.»
أما عزل القاع فقد يكون سيكولوجيا ومباشراً، ولكنهم يبقون أبطالا بنظر الشعب اللبناني، الذي يتوق لاستمرار السلام الهش.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]