
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1618:
صحيح أن لبنان والجمال صنوان، كما يتغنّى الأدباء والشعراء. لكن للبنان والتجميل قصة أخرى مختلفة، تداخلت فيها المهنيّة مع الفوضى والطب مع التجارة، واختلطت الأمور مع الرواج الذي عرفته والتوسع الذي حققته، بحيث باتت مهنة التجميل قطاعا إقتصاديا ناشطا من جهة، وحالة متفلتة من الضوابط التنظيمية من جهة ثانية. وهذا ما دفع وزارة الصحة إلى العمل على تنظيمها بما يضمن كفاءة المهنة وسلامة المستشفين. وقد حددت الوزارة 16 آب المقبل كآخر مهلة لمراكز التجميل المخالفة لتسوية أوضاعها وانتظام من تتوفر لديهم الشروط، تحت مندرجات القانون، وإقفال المراكز التي لا تلتزم بالمواصفات المطلوبة، تحقيقا لشفافية العمل وسلامة طالبي العلاج وسمعة القطاع.
لم تكن وفاة السيدة فرح القصّاب إثر إجرائها جراحة تجميلية، النقطة التي جعلت كوب قضية قطاع التجميل في لبنان يفيض. «الكوب» امتلأ فعلا منذ سنوات وفاض مرات عديدة ما استدعى تحرك الجهات المعنية مرارا واتخاذ قرارات بهذا الشأن. لكن معظم تلك القرارات إما أنه لم يتم الإلتزام بها أو تم الإلتفاف عليها، ما ترك القطاع في فوضى، زادت حدّة مع تزايد مراكز التجميل وتزايد الإقبال عليها من لبنان ومن الخارج.
فمنذ العام 2014 بدأت فوضى عمليات التجميل في لبنان تتوسع وصولا حتى حالة فرح القصاب التي هزت القطاع ولا تزال تردداتها تتوالى داخل لبنان وخارجه، سواء من الناحية القانونية أو من ناحية إعادة النظر بعمل القطاع في شكل عام.
وهذا ما يشدد عليه نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني، وما بدأ العمل في شأنه وصولا إلى إنهاء الفوضى الحاصلة في القطاع.
مخالفات ومعالجات
لا شك في أن الإقبال على الجراحات التجميلية المختلفة ازداد في السنوات الأخيرة في شكل مطّرد، سواء من لبنان أو من الخارج. ومع أن السياحة بفئاتها الترفيهية والثقافية والإستكشافية وغيرها، تراجعت في شكل ملحوظ بسبب غياب المحفِّزات الأساسية وعدم توفّر الإستقرار السياسي والأمني، إلا أن السياحة العلاجية والتجميلية تحديداً، حافظت على وتيرة ارتفاعها مترافقة مع وتيرة إقبال مماثلة محليا.
هذا الأمر معطوفا على ما تؤمّنه صناعة التجميل من مردود عال لأصحابها، دفع بالعديد من الباحثين عن جني سريع، إلى افتتاح مراكز تجميل والتسويق لها واستقبال الآلاف من طالبي العلاج التجميلي، من دون توفّر الحد الأدنى من شروط السلامة الصحية المطلوبة. وكانت تتكرر الأخطاء التجميلية في السابق ولكن من غير أن تنال حقها من الإضاءة الإعلامية. وذلك إما لأن أصحاب المراكز المعنية كانوا يُنفقون الكثير من الأموال للحفاظ على سمعتهم غير مشوّهة، أو لأن أصحاب العلاقة ممن حصلت معهم أخطاء تجميلية كانوا يفضّلون السكوت على الأمر نظرا لخصوصيته.
وبحسب إحصاءات نُشرت مؤخرا، يحتلّ لبنان المرتبة 24 ضمن البلدان الأكثر إجراء للعمليات التجميلية، إذ تجري داخل مستشفياته وعياداته المتخصصة نحو 120 عملية يوميًا، وهو ما يعادل نفخ وشدّ وشفط وحقن بوتوكس وفيللر بنحو 120 شخصا بين نساء ورجال ولبنانيين وعرب. ويؤكد مصرفيون أن قطاع التجميل في لبنان ظل بمنأى عن الأزمة المالية العالمية التي هزت الاقتصاد الدولي وبقي القطاع ينمو بالوتيرة نفسها التي تعتبر عالية مقارنة مع قطاعات أخرى أو دول أخرى. وقد ساهمت عمليات التجميل بنحو 15 في المئة من الإنفاق السياحي في لبنان وفقا لإحصاءات حديثة.
لكن الفوضى في القطاع فاقت انتشار المراكز غير المرخصة وغير المستوفية الشروط، وبلغت حد انتشار «باعة متجولين» يطرقون الأبواب ويعرضون على ربات المنازل ما لديهم من خيارات تجميلية بسيطة، أي أنها لا تستدعي توفر عيادة، وبأسعار متهاودة… وبغض النظر عن التجاوب مع عروض هؤلاء من عدمه، إلا أن شيوع مثل هذه الظواهر ينم عن الدرك الذي بلغه الأمر في لبنان، ومدى الحاجة إلى التحرك السريع لضبط المخالفين وتنظيم القطاع.
فما الذي تم إنجازه على هذا الصعيد حتى الآن؟
في انتظار الساعة الصفر
فور تسلمه مهامه الوزارية، بادر نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة العامة غسان حاصباني إلى وضع استراتيجية عمل في وزارة الصحة تبدأ بالأمور الملحة التي تمس حياة المواطنين، ولا تنتهي عند آخر تفصيل في عمل الوزارة. ومن هذه الأمور وضع الأطر التنظيمية لمراكز التجميل والمستشفيات المتخصصة في لبنان. وقد أعطت حادثة وفاة فرح القصاب المزيد من الدفع للإسراع باستعادة قطاع الطب التجميلي من الفوضى التي بلغها.
وبعد الشكاوى المتكررة التي ترد الى وزارة الصحة عن حوادث وتجاوزات تحصل في قطاع التجميل، وبعد ما حدث بعد إجراء عملية شفط دهون في إحدى المستشفيات المتخصصة، كشف الوزير حاصباني عن مقاربة الوزارة لتنظيم قطاع الطب التجميلي والاجراءات المتخذة والتي تعمل الوزارة على إستكمالها عبر عدد من الاجراءات التنظيمية.
وقال حاصباني إن «وزارة الصحة العامة واكبت أعمال لجنة الصحة النيابية لتنظيم تراخيص مراكز التجميل الطبية والتي أفضت الى إصدار قانون نظّم تعريف التجميل الطبي ومراكزه ومجموعة الأعمال الطبية التي تخوّل المركز القيام بها. كما حدد الاختصاصات الطبية التي يجاز لها مزاولة مهنة التجميل الطبي». ولفت إلى أن القانون أعطى مهلة 6 أشهر لمراكز التجميل الطبية القائمة لتسوية أوضاعها القانونية. وتنتهي المهلة في 16 آب 2017 تحت طائلة إقفال المراكز المخالفة حكما بقرار من وزير الصحة.
أما بالنسبة الى المستشفيات المتخصصة، فأصدر حاصباني قرارا تنظيميا يتعلق بتنظيم العمليات الجراحية فيها وينص على:
– منع إجراء العمليات الجراحية التي قد تسبب إشتراكات تستوجب عناية فائقة كعمليات شفط الدهون وغيرها، إلا في مستشفيات متخصصة تحتوي على قسم للعناية الفائقة مرخص من وزارة الصحة العامة وفقا للأصول.
– إلزام الطبيب بأن يشرح للمريض مخاطر العملية الجراحية بما فيها عملية التجميل الطبية وان يطلب توقيع المريض استمارة حقوق المرضى والموافقة المستنيرة.
وأوضح أن «وزارة الصحة تسعى بشكل سريع ومتواصل إلى تنظيم كل هذه القطاعات من أجل إبقاء لبنان مقصدا للسياحة العلاجية وللعلاجات المتقدمة. هناك الكثير من العلاجات والعمليات التي تحصل في لبنان من دون أخطاء، وفي أي حال ليس من مسؤولية وزارة الصحة إصدار أحكام عن وجود أخطاء أو عدمها، إنما يقتضي عمل وزارة الصحة التحقيق في الأمر على أن يبت القضاء في هذه المواضيع. ولفت إلى أن «الإجراءات اللازمة ستتخذ بحق المستشفى المتخصص الذي لن يطبق القرار».
أما في ما يخص مراكز التجميل فشدد حاصباني على وجوب أن «تخضع بدورها للقانون الذي صدر عام 2017 والذي فرض عليها استيفاء الشروط الصارمة التي لحظها وتسوية أوضاعها تحت طائلة الإقفال». مؤكدا «أن مهلة الستة أشهر معطاة لكل المراكز بما فيها المراكز التي حصلت على تراخيص سابقة».
أسعار العمليات
تجرى في لبنان ما يقارب 18500 جراحة تجميل سنويا، وفقا لإحصاءات International Society Of Aesthetic Plastic Surgery التي تحتسب حجم العمليات الجراحية في السنة قياسا الى عدد السكان. وتنمو الجراحات بنسبة 20 في المئة سنويا. ويراوح معدل أسعار عمليات التجميل بين 200 دولار و7000 دولار. فتصغير الأنف مثلا يكلف نحو 1200 دولار في حال التخدير العمومي وبين 200 و400 دولار في حال التخدير الموضعي. بينما، تكلف جراحات الصدر بين 200 و5000 دولار، وكلفة تجميل الأرداف حوالى 4000 دولار. أما جراحة الجفون فتبدأ من 200 دولار وتصل الى3500 دولار، وتجميل البطن حوالى 5000 دولار. والأعلى سعراً هي جراحات شفط الدهون التي تصل إلى 7000 دولار. بينما كلفة النفخ وملء الشفتين فهي الأقل نسبيا وتراوح بين 350 و750 دولاراً.
رأي علم النفس الإجتماعي
مع أن هذا النوع من العمليات لا يدخل ضمن تقديمات الضمان الإجتماعي ولا تغطيه شركات التأمين، إلا أن الإقبال عليه إلى ازدياد، حتى من محدودي الدخل نسبيا وممن لا تستدعي حالتهم الجمالية المخاطرة بصحتهم وربما بحياتهم وإجراء مثل هذه العمليات. فما سبب هذه الظاهرة؟ وكيف يعدد علم النفس الإجتماعي أسبابها؟
يقول متخصصون في هذا المجال إن للإقبال المتزايد على عمليات التجميل على الرغم من خطورتها من جهة وعدم ضمان نتيجتها الجمالية من جهة ثانية، وعدم الحاجة لها أصلا في حالات عديدة، أسبابا عديدة منها:
أولا من الناحية المادية، تعتبر هذه العمليات بمتناول حتى محدودي الدخل. فانتشار المراكز التي تجري مثل هذه العمليات والمنافسة في ما بينها، أدى إلى خفض الأسعار، فبات العديد من العمليات التي يرغب قسم من طالبي العلاج بإجرائها في متناول الطبقات الوسطى وما دون. اضافة الى ذلك تعتبر تكلفة عمليات التجميل في لبنان مقبولة مقارنة مع دول أخرى تقدّم المستوى نفسه من الخدمة. وهذا ما شجع الوفادة من الخارج إلى لبنان بهدف التجميل، علما أن لبنان ذائع الصيت وله مصداقية في الخارج بغض النظر طبعا عن بعض الأخطاء التي تحصل أحيانا، وهي قليلة مقارنة مع حجم العمليات التي تجرى على مدى العام. في المقابل لبنان مقصد سياحي أصلا وقريب من مجموعة كبيرة من البلدان التي تعتبر مصدرا مهما للسياحة التجميلية.
ثانيا من الناحية النفسية أو في قراءة بسيكو-سوسيولوجية لسلوكيات المجتمعات، نجد أن الإنسان يطمح دائما ليكون الأفضل والأجمل، ويجهد لتحقيق ذلك إرضاءً لتوق داخلي نفسي يجعله راضيا عن نفسه في المجتمع. وهذا الأمر ليس بحديث وليس ظاهرة برزت مؤخرا بل إن الإنسان كان يسعى دائما للتجميل. وقد كان للشعوب القديمة آلهة للجمال. وابتكر الفراعنة منذ 3000 سنة قبل الميلاد مساحيق تجميلية وحتى جراحات تجميلية وأعضاء إصطناعية لمن فقدوا أعضاء من أجسادهم بنتيجة حوادث أو حروب. حتى الماكياج هو بمعنى ما عملية تجميلية.
ولكن ما سبب توسّع الجراحات التجميلية العيادية في الفترة الأخيرة بوتيرة مرتفعة على رغم المخاطر الكامنة في بعضها؟
يرى هؤلاء أن هذا لا ينفصل عن سلوك اللبناني عموما فهو يستقرض من المصرف ليبدِّل أثاث المنزل أو السيارة حتى في حال عدم وجود حالة ملحة تقتضي ذلك. ومثلها عمليات التجميل التي يزيد من توسّعها ميل اللبناني إلى الإنقياد غير الموجّه لكل ما هو رائج، والترويج الكبير الذي تعتمده مراكز التجميل سعيا لتحقيق مزيد من الأرباح التي توفرها هذه الصناعة.
وكيف يمكن معالجة هذه الحالة للحد من آثارها السلبية؟
لا علاج محددا أو سريعا لها، بحسب المتخصصين. البداية والأساس هي التوعية، في غياب الوعي لا نجاح لأية معالجة. ولا يخفى أن بعض أسباب التوسع غير المبرر لعمليات التجميل هو غياب العمق في نظرة الفرد والمجتمع لمقاربة الأمور. فنسعى لتجميل الجسد ونهمل تجميل النفس والفكر علما أنهما الأساس. ففي حقبات النهضة تعمل الشعوب على تطوير ذواتها وريادتها، أما في حقبات التقهقر فنرى أن الإهتمام بالمظاهر يطغى، وهذا ما هو حاصل اليوم عندنا.
عملية تجميلية مطلوبة
بعد سلسلة أخطاء فاضحة شوهت مرضى لجأوا الى مراكز علاجية بهدف التجميل فحصلوا على نتيجة معاكسة، عمدت وزارة الصحة منذ سنوات ولمرات متتالية، إلى إقفال مراكز تجميل بلغ عدد المقفل منها في العام 2015 أكثر من 97 مركزاً تجميلياً. لكنها كانت تعاود فتح أبوابها بعد فترة ومواصلة العمل من دون تحسين أدائها وحتى من دون الحصول على ترخيص. وهذا يصفه البعض بأنه لا ينفصل عن معظم الحالات التي يشهدها لبنان في ظل الفوضى المتفشية والدعم الذي يلقاه المخالفون من مرجعيات أو جهات نافذة وقادرة على تخطي القانون.
عن هذا الواقع يقول مصدر في وزارة الصحة، إن الأمر لن يستمر هكذا وإن المهلة المعطاة حتى 16 آب المقبل جدية وستكون محك اختبار لمن هم جديون في التعاطي مع هذه المسألة. أما غير الجديين ومن لن يلتزموا بالشروط الموضوعة فلن يُسمح لهم بالعودة لمزاولة العمل مهما بلغت الضغوط. فسلامة الناس وصحتهم ليست سلعة في سوق المتاجرة ولن تستمر الفوضى في القطاع. ولفت إلى أن الوزارة كانت أقفلت في السابق أكثر من 60 في المئة من مراكز التجميل. وفي حين أن قسما منها عمل على تسوية وضعه القانوني والمهني، إلا أن القسم الآخر عاود العمل خارج إطار القانون والشروط الصحية والمهنية المطلوبة. لكن هذا الأمر لن يحصل اليوم، والوزير حاصباني متشدد في هذا الملف ولن يسمح باستمرار الفلتان الذي ازداد توسعا في الآونة الأخيرة.
بعد كل ذلك، ربما آن الأوان ليَدخل القطاع نفسُه عيادة التجميل، فيتم شفط الزائد غير المرغوب فيه منه، وتنحيفه بحيث يقتصر على من يتصف بالمهنية والقانونية، والعمل على تكبير العائد منه. ليس العائد المادي فقط، بل المعنوي أيضا، لتحقيق المبتغى وحماية صحة الناس من المتاجرة وسمعة لبنان من التشويه.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]