
اتفق كلّ من الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين على وقف إطلاق النار جنوب غرب سوريا بدءاً من ظهر اليوم الأحد (في 9 تموز الجاري)، والتزم الجانبان توفير تنفيذ نظام وقف النار من قبل المجموعات كافة، ما يُمهّد لإمكانية تسريع عودة النازحين السوريين من لبنان الى ديارهم، على ما أكّدت أوساط ديبلوماسية عليمة، خصوصاً إذا ما صمد وقف إطلاق النار هذا لوقت طويل. كما أنّ المجتمع الدولي يجد في هذا الأمر بداية حلّ لمشكلة ملايين النازحين الذين يرفضون العودة الى بلادهم إذا لم يتأمّن لهم الاستقرار أولاً، ومن ثمّ أماكن للإقامة وفرصاً للعمل لاستعادة العيش الكريم. علماً أنّ الشرطة العسكرية الروسية ستعمل على حماية الأمن حول مناطق تخفيف التصعيد في الفترة الأولى بالتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن.
وإذا كانت مسألة إعادة النازحين السوريين في لبنان الى ديارهم ستكون محور اجتماع اللجنة الوزارية يوم الثلاثاء المقبل، فإنّ الموقف السياسي اللبناني لا يزال منقسماً بين من يؤيّد ضرورة التفاوض الرسمي مع النظام السوري، وبين من يودّ إلقاء مسؤولية التفاوض على عاتق الأمم المتحدة، علماً أنّ الحكومة اللبنانية لم تقم باستشارتها بعد في هذا الموضوع، وتعلم بالتالي موقفها المبدئي من العودة القائم على أنّها تأتي تلقائياً بعد الحلّ السياسي الشامل للأزمة السورية، وقد لا تخطو خطوة واحدة في ملف العودة قبل الاتفاق على الحلّ، ولهذا لا يُمكن التعويل كثيراً على الأمم المتحدة للقيام بدور الوسيط بين الحكومتين اللبنانية والسورية.
وثمّة عدّة أصوات سياسية ودينية علت مطلقة موقفها حول هذه المسألة التي باتت ملحّة بالنسبة للبنان واللبنانيين حكومة وشعباً وجيشاً لا سيما بعد أن تأكّد أنّ الإرهابيين يقيمون في بعض مخيمات النازحين ويُضمرون الشرّ لهذا البلد ويهدفون الى توتير الوضع الأمني فيه عن طريق وضع عبوات ناسفة أو القيام بعمليات انتحارية تشمل بعض المناطق. كذلك فإنّ لبنان تعاطى مع هذا الموضوع، على ما أكّدت، من منطلق إنساني في البداية، لكنّه مع تفاقم معاناة اللبنانيين جرّاء وجود النازحين على أرضه لم يعد باستطاعته التحمّل أكثر. وفي النهاية، فإنّ لبنان ليس بلد لجوء نهائي وهو يرفض التوطين ويلتزم بالاتفاقية الخاصة باللجوء أكثر من الدول الموقّعة عليها نفسها، لهذا لا يحقّ لأي بلد في العالم أن يفرض عليه ما عليه أن يفعله في شأن النازحين الذين يستضيفهم على أراضيه كافة.
وأكّدت أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيتدخّل في هذا الصدد إذا ما بقي الموقف السياسي منقسماً، ولا سيما أنّ ما يهمّ لبنان حالياً هو التخفيف من معاناة اللبنانيين من خلال إعادة النازحين السوريين تدريجاً الى بلادهم، وإن لم تتوافر لهم كلّ ظروف العودة التي يطمحون لها. كما وأنّ الحكومة اللبنانية لم تقطع علاقاتها السياسية والديبلوماسية مع النظام السوري لكي يتمّ الادعاء اليوم بأنّه لا يمكنها التفاوض معه بشأن عودة النازحين. وليس من أحد سيطلب من الحكومة أن تتفاوض مع الحكومة السورية في أي موضوع آخر سوى إعادة النازحين الى المناطق الآمنة حيث يُمكنهم أن يعيشوا بظروف أفضل من تلك التي يعيشون فيها في المخيمات في لبنان، لا سيما إذا ما كانت منازلهم سليمة ولم تتعرّض للدمار، أو قامت الأمم المتحدة ببناء مساكن شعبية لهم في المناطق التي دُمّرت وسويت فيها المباني في الأرض.
وبما أنّ ثمة عدداً كبيراً من عائلات النازحين في لبنان لا يحصل على قيمة المساعدات الغذائية الشهرية من مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين كون ربّ الأسرة يعمل في الزراعة أو البناء وسوى ذلك، فإنّه يُصبح بإمكان هؤلاء العودة إذا ما صمد وقف إطلاق النار وقامت الأمم المتحدة بمهمة تأمين الأمن في مناطق جنوب غرب سوريا، إذ يستطيع أرباب الأسر العمل في بلادهم في حال جرى تأمين المساكن المؤقّتة للعائدين.
وبالنسبة للنظام السوري فهو يريد استعادة أبناء شعبه الذين نزحوا الى دول الجوار والخارج بالملايين (3 ملايين الى تركيا، أكثر من مليون بقليل بحسب الأرقام الأخيرة الى لبنان، و600 ألف نازح الى الأردن من أصل 5,5 مليون) على ما شدّدت الأوساط نفسها، ولهذا فهو سيتجاوب بشكل إيجابي مع اقتراح الحكومة اللبنانية في حال قرّرت التفاوض معه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
أمّا توطينهم في لبنان، أو “إدماجهم” في المجتمعات المضيفة (على ما تعتمد الأمم المتحدة في نصوصها)، فمن غير الممكن أن يحصل، لا سيما في عهد الرئيس عون، وخصوصاً أنّ وثيقة بعبدا قد ركّزت على “رفض التوطين المعلن أو المقنّع، ومواجهة أي محاولة لتثبيت أي جماعة غير لبنانية على أرض لبنان”. وانطلاقاً من هنا، فإنّ اللجنة الوزارية ستعمل على دراسة الموضوع من جوانبه كافة وتجد الاقتراحات المناسبة للحدّ أولاً من النزوح السوري الى لبنان، ومن ثمّ لتصنيف السوريين الموجودين في لبنان بين من يستأهل «صفة نازح» وبين من هو «عامل» يذهب ويعود، لإعادة النازحين السوريين الى بلادهم في أقرب وقت ممكن، قبل أن تتحوّل إقامتهم المؤقّتة على أرض الوطن، إقامة دائمة على غرار إقامة اللاجئين الفلسطينيين.
ولفتت الى أنّ عودة النازحين السوريين الى وطنهم أسهل بكثير من عودة اللاجئين الفلسطينيين، كون لا مشكلة أرض لديهم، كما الفلسطينيين الذين جرى اغتصاب دولتهم ومساحات شاسعة من أراضيهم من قبل الجانب الإسرائيلي. كما أنّ المساحة الجغرافية لسوريا تفوق مساحة لبنان بـ 18 مرّة، ما يعني أنّ ثمّة مناطق آمنة ومستقرّة كبيرة وكثيرة فيها يُمكن إعادة أكثر من مليون نازح سوري من لبنان اليها إذا ما قامت الأمم المتحدة بالجهود نفسها التي تبذلها من أجل إبقائهم في الدول المضيفة لهم.
كذلك فإنّ السوريين في لبنان، ليسوا فقط مليوناً و30 ألفاً، بحسب المسجّلين لدى المفوضية، بل يصل عددهم الى مليوني نازح، على ما أوضحت، ويمكن اعتبار غير المسجّلين منهم مندمجين مع الشعب اللبناني من خلال إقامتهم في مساكن عادية بالإيجار في المناطق اللبنانية كافة. وهؤلاء سيعودون حتماً مع عودة الأمن الى مناطقهم خصوصاً وأنّهم يزورونها من وقت الى آخر للاطمئنان على أوضاع ممتلكاتهم ومنازلهم وأقاربهم وما الى ذلك.
علماً أنّ نحو 500 ألف نازح سوري، بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، قد عادوا الى ديارهم، 440 ألف منهم من الداخل الى الداخل، و31 ألف نازح من دول الجوار غالبيتهم من تركيا، فيما عاد نحو 260 ألف نازح منذ العام 2015 معظمهم ايضاً من تركيا، على الرغم من أنّ هذه الأخيرة قد أبدت استعدادها لمنح النازحين لديها الجنسية التركية. الأمر الذي يُشجّع الأمم المتحدة نفسها على مساعدة لبنان في مجال إعادة النازحين منه الى بلادهم، وإن لم تتوافر بعد شروط العودة الآمنة بالكامل، إذ بإمكانها إيواؤهم في المناطق المستقرّة على النحو الذي يقيمون فيه في لبنان.