من أدراج وقناطر دير القمر الى أدراج وقناطر مونتريال… ماريان صوان: قصتي ليست قصتي

كتبت تيريز حوراني من مونتريال – كندا في “المسيرة” – العدد 1618

ولدت ماريان ميشال صوان في كنشاسا إفريقيا وعند عودة عائلتها الى لبنان استقرت في دير القمر، كان عمر ماريان حينها ثلاث سنوات. عاشت الطفولة والمراهقة في دير القمر، تابعت دروسها في مدرسة دير الرهبان المريمية، تأثرت كثيرا بجمال الضيعة والطبيعة والبيوت والقرميد والأدراج والساحات. ثم انتقلت العائلة الى عين الرمانة في بيروت، حيث التحقت  بمدرسة السان جورج في الزلقا وتابعت المرحلة الثانوية. تخصصت في الجامعة بالكمبيوتر والمعلوماتية، وعملت في ما بعد بهذا المجال. تزوجت من بسام زخريا ابن الشمال وانتقلت للعيش معه في طرابلس المينا، عاشت هناك وعلّمت المعلوماتية في مدرسة مهنية، وتابعت تخصصها وحصلت على الماجيستير.

كان حلم زوجها الهجرة لأنه عاش وتعلم في أميركا، وكانا منذ بداية ارتباطهما يخططان لذلك ولكن لم يكن الأمر ملحًا. الى أن وقعت الفاجعة التي تعرضا لها في بداية حياتهما الزوجية، عندما توفي طفلهما نتيجة حادث في دار للحضانة. هذا الحادث الأليم كان الشرارة التي أشعلت النار في قلب الوالدين لاتخاذ قرار الهجرة. في هذه الفترة كتبت له أجمل القصائد والخواطر والمناجاة باللغة الفرنسية، وكانت أول كتاباتها قبل أن تصير كاتبة وروائية وشاعرة باللغتين العربية والفرنسية.

في كانون الأول عام 1997 وصلت ماريان وزوجها الى كندا. تابعت تخصصها في مجال التعليم والمعلوماتية وحصلت على شهادة الدكتوراه في العلوم التكنولوجية. أنجبت ثلاثة أولاد هم جويل، سارة وفريد. تعطي الدروس والتدريب والمحاضرات في الجامعات والمدارس وعبر الإنترنت، وهي مستشارة في هذا المجال. لديها حتى الآن ثلاثة كتب بالفرنسية تحمل اسماء للزهور: Le Lilas de David، Le Gardenia de la Cave، Les Arcades de Jasmin. ولديها مجموعة قصائد وخواطر بالعربية. تحضر لإصدار ديوان شعر باللغة العربية في الوقت نفسه مع روايتها الثالثة بالفرنسية ويحمل الأسم نفسه «قناطر الياسمين».

متى اكتشفت موهبة الكتابة؟

عندما كنت طفلة اكتشف أساتذتي موهبتي بالقراءة والإلقاء، وكانوا في الأعياد والمناسبات يطلبون مني إلقاء كلمة. وفيما بعد عندما كبرت، أصبحت أنا أكتب الكلمة لإلقائها. وفي الجامعة عندما كتبت أطروحتي لاقت إعجاب الجميع والكل هنأني على أسلوبي وطريقتي بسرد المواضيع. وعندما بدأت بالتعليم كتبت عدة دراسات ومحاضرات وكتب صغيرة لطلابي.

لكن أجمل ما كتبت كان بعد المعاناة. فقدت والدي وكان معلمي ومرشدي وصديقي فكتبت له كلمة رثاء وألقيتها في هذه المناسبة. بعد فترة قصيرة فقدت طفلي ميشو وكتبت له أجمل ما كتبت من قصائد وخواطر، كنت أكلمه من خلال الكتابة وأناجي روحه وطيفه الذي لا يفارقني وكنت أكتب لأعبّر عن مدى حزني ووجعي وخسارتي. كتبت لروحه أجمل الكلمات التي لا أستطيع أن أصفها لأحد شفاهية. وكنت أكتب بالعربية والفرنسية.

منذ فترة وكنت بالصدفة أحضر محاضرة للكاتبة اللبنانية فريدا عنبر التي تكتب بالفرنسية وتعيش في مونتريال. قلت لها بأنني أنا أيضا أكتب ولكن أكتب لنفسي ولا أدع أحدا يقرأ ما أكتب. فطلبت مني أن تقرأ بعضًا من كتاباتي من باب الفضول، وبالفعل عندما كانت تقرأ أدمعت عينيها وقالت لي حرام أن لا تنشر هذه الكتابات. وأهدتني كتابها، وعندما قرأته شعرت بأنها تتحدث عني وكتاباتها تشبهني ونستعمل العبارات والجمل نفسها. بعد ذلك أخذت القرار.

كم من الوقت أخذت معك كتابة الرواية الأولى «Le Lilas de David»؟

شهران فقط. هذه الرواية تتكلم عن لبنان وطبيعته وجماله، وأنا تأثرت كثيرا بطبيعة ضيعتي دير القمر التي تربيت فيها وهي مزروعة بقلبي وبفكري، وأصف فيها بيوتها وآثارها. أتحدث عن المرأة ومشاعرها وشفافيتها، هي امرأة هاجرت وتعذبت ودرست ونجحت بحياتها المهنية والعائلية، وبالوقت نفسه هي منغلقة وغامضة ولا تحب الإختلاط بالمجتمع. أتحدث عن الحب عن الرجل، عن هذه المرأة التي كانت أم رائعة ولكنها لم تنجح في حياتها الزوجية لذلك قررت العودة الى لبنان الى الضيعة الى بيت القرميد والجنينة والعريشة والفخارة. ويبدأ هنا وصف الطبيعة اللبنانية. ثم تلتقي بحبيبها القديم وتتفتح الجراح القديمة وينمو الحب بينهما من جديد والشغف. هي قصة لها أبعاد اجتماعية وفلسفية، وتصف الاختلاف بين المرأة الشرقية والمرأة الغربية من ناحية الحب والجنس والأمومة، تتحدث عن حب الرجل وحب الوطن وحب الأرض، عن حقوق المرأة وطريقة تفكيرها، عن الإيمان، عن الحب النظيف والحقيقي.

 الى أي مدى تشبهك هذه المرأة؟

لديها الكثير مني ولكنها ليست أنا. هي أقوى مني، هي تتحدى وتواجه وتعرف ماذا تريد. أكيد عندما أكتب عن المرأة أكتب عني أيضا ولكن هذه المرأة بالتحديد تختلف عني كثيرا. ولكن من الناحية الفلسفية للأمور هذا أنا ما أفكر به ومقتنعة به، من الناحية التربوية هي تشبهني لأنها أستاذة في الجامعة ولكن هذه ليست قصتي، هي قصة خيالية بحت. وفي النهاية لا يمكنك أن  تكوني أنت في كل القصص التي سوف تكتبينها. حتى في الرواية الثانية فيها شيء مني من أفكاري ولكنها  ليست أنا. هناك أفكار أؤمن بها ولكن لا يمكنني أن أعيشها أو أطبقها. مثلا عندي حلم في المستقبل عندما يكبر أولادي أن أعود الى لبنان في عمر الشيخوخة وأعيش في بيت حجر وقرميد في الضيعة بعيدًا عن ضجيج المدينة وأن أتفرغ للكتابة. وهو يبقى حلم لا أعرف إذا هناك إمكانية لتحقيقه بعد عشرين سنة.

لديك ثلاثة كتب. الأول صدر العام الماضي، والثاني قيد النشر والثالث قيد الكتابة، ولكن اللافت أن جميعها تحمل أسماء للزهور لماذا؟

لأنني في رواياتي أتكلم عن المرأة العاشقة الحساسة الرومانسية  والشفافة والتي هي في الوقت نفسه مثيرة ومميزة وناجحة وتلفت النظر بجمالها وتترك أثرًا أينما حلت. وهي تشبه الزهور النادرة والعطرة والحساسة.

في روايتي الأولى أتحدث عن «ليلا»، بالعربية «الليلك» وهي زهرة نادرة وموسمية تزهر فقط في شهر أيار وعندما تتفتح لا تدوم وهي حساسة جدا ويمكن أن تتناثر بسهولة عندما تحاولين قطفها. وهي شجرة أنيقة وجميلة جدا ولها عطر فواح وغريب ولا يمكنك مقاومة سحرها، وهي تلفت النظر ولها تأثير على المحيطين بها .

في روايتي الثانية أتكلم عن غاردينيا، وكلنا نعلم مدى حساسية الغاردينيا وكم هي دقيقة وناعمة ومثيرة، وكم هو نادر عطرها، وكم هي شفافة عندما تلمسينها يتغير لونها ، وعمرها قصير. كذلك هي تلفت النظر والكل يريد الحصول عليها.

في روايتي الثالثة أتكلم عن ياسمين، وهي زهرة رقيقة ناعمة وصغيرة، عطرها فواح وحساسة جدا تذبل عند ملامستها، وهي أيضا موسمية تزهر فقط في الربيع.

كيف كان صدى كتابك الأول؟

الذين قرأوا الكتاب قالوا لي إنني أعدتهم الى الماضي، الى القصص النظيفة التي تتكلم عن الحب والغرام والشغف من دون الغوص بالعلاقة الجنسية، بالمقارنة مع القصص الحالية التي تتكلم فقط عن العلاقة الجسدية والجنسية وليس على العاطفة والإحساس. أحبوا كيف وصفت الإيمان والعلاقة بالله والعجائب التي تحدث. والبعد الاجتماعي والإنساني والديني العميق. حتى ان الكنديين أحبوا الكتاب لأنه يحتوي على عبارات وكلمات بالعربية كتبتها بأحرف فرنسية مثل :kifik ya helwe، hamdella al salameh،nechkor alla  habib albi . وقالوا لي لقد تعلمنا العربي من الكتاب.

أين تم توقيع الكتاب ومتى؟

وقعته أول مرة في مونتريال في أيار 2015. وبيع الكتاب في  مونتريال في مكتبة الشرق الأوسط ومكتبة بارشومان، ونفذت الكتب في المكتبتين. ثم طبعته مرة ثانية في بيروت في تشرين الثاني 2016 في دار أنطوان للنشر، ووقعته في دار الكتاب الفرنكوفون وفي معرض الكتاب الفرنسي في البيال ويباع في مكتبة أنطوان ويمكن قراءته في كل أنحاء العالم عبر الإنترنت.

متى يصدر الكتاب الثاني؟

الكتاب الثاني جاهز وأرسلت نسخة منه الى فرنسا الى دار «بيرسي» للنشر، وهذه الدار توزع في كل أنحاء العالم وأكيد التكلفة باهظة، لم أقرر بعد والمباحثات ما زالت قائمة، وممكن أن أطبعه في لبنان أو في كندا. وسوف أنشر أطروحتي للدكتوراه في كتاب أيضا.

هل نستطيع القول بأنك الآن متفرغة للكتابة؟

لم أتفرغ بعد للكتابة وما زلت أزاول مهنتي في مجال التكنولوجيا وأنا اختصاصي  أكاديمي أيضا، وما زلت أعطي المحاضرات في المدارس والجامعات. ولدي أيضا حساب خاص على الإنترنت للاستشارة والمعلومات وأضع عليه كل المستجدات في هذا الاختصاص.

ماذا يعني لك لبنان؟

لبنان بالنسبة إليّ هو جرح عميق. صحيح أننا تأقلمنا واندمجنا بالمجتمع الكندي ونشعر بالأمان والاستقرار والنظافة، ولكن لبنان يبقى بالفكر والقلب وهو الوطن الذي لا يمكن نسيانه والجرح الذي لا يندمل.عندما غادرت لبنان للهجرة تركته وكان قلبي يدمي على فقدان عزيز غالي على قلبي، غادرت وفي قلبي غصة لتركه وحده في لبنان. هذا لا يمنع بأنني أحب لبنان والمطارح والبيوت الحلوة والبحر والجبل وحريصا ومار شربل وبعلبك. هذه المطارح التي لا تجدينها في كندا.

 

  • للإشتراك في “المسيرة” Online:
  • http://www.almassira.com/subscription/signup/index

    from Australia: 0415311113 or:[email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل