
أوضح الكاتب والباحث جان م. صدقة، في المقدّمة، أنّ كتابه يندرج ضمن دراسة التاريخ الإجتماعيّ لضيعة لبنانيّة عريقة، مارونيّة – سنيّة، شهدت تحوّلات تاريخيّة كبيرة، ولعبت دورًا طليعيًّا في المتنين؛ والكتاب ينتمي إلى النوعِ التاريخيّ الذي يعتمد الَسرد الواقعيّ بطريقة منهجيّة، فيُعطي فكرة شاملة عن ترشيش، في الجغرافيا والتاريخ، ويُقدِّم لمحة وافية عن عائلات البلدة والحياة الإجتماعيّة فيها، بالإضافة إلى الحديث عن آثارها، وعرض معالمها الدينيّة، وإلقاء الضوء على أحزابها وأعلامها، والهدف معرفة الذات أوّلًا، والحفاظ على ما تبقّى من الذاكرة من الضياع، وإحياء التراث بقيمه وتقاليده والعادات. ويتمحور الكتاب حول تاريخ الحجر والبشر والمعابد وتاريخ العائلات وهجراتها. وقد نزح إليها المسيحيّون الموارنة من تنّورين أساسًا. أمّا المسلمون السنّة، فقد أتوا بمعظمهم من بلدة فيترون تحديدًا.
أصل الإسم
يُرجّح أنيس فريحة أنّ الإسم، إذا كان ساميًّا، فهو منtur shisha ، أي جبل الرخام، وإذا كان من أصل فارسيّ، فمعناه الحجر الكريم. لكنّ دائرة المعارف الكتابيّة المسيحيّة في قاموس الكتاب المقدّس ترى أنّ أرض تَرشيش اسم فينيقيّ معناه «معمل للتكرير». وجاء في «دائرة المعارف الكتابيّ» أنّ ترشيش لفظة عبريّة تعني «الزبرجد»؛ ولعلّ الإسم يعني الجبل الحصين.
في الجغرافيا
تقع ترشيش في نقطة استراتيجيّة بين قضاء المتن، (مجدل ترشيش وعينطورة وجبل صنّين)، وقضاء بعبدا (كفرسلوان وجبل الكنيسة) وقضاء زحلة البقاعيّة (التويتي وحزّرتا). هي آخر قرية في قضاء بعبدا قبل قمّة جبل الكنيسة المواجه لجبل صنّين والزعرور. تقع على خطّ عام ضهور الشوير – زحلة، وتربط المتن الجنوبيّ والمتن الشماليّ بالبقاع، وهي بالتالي من بين القرى، في قضائَي بعبدا والمتن، التي تقع بين ثلاثة أقضية (بعبدا – المتن – زحلة).
شكّلت هذه الضيعة القديمة، في الماضي، مركز حراسة للطريق الرومانيّة التي تصل شواطئ المتوسّط بسهل البقاع، ولا تزال آثار هذه الطريق موجودة في محلّة شير الحمام. ووُجد في خرائب البلدة قطع من العملة لبيريت إلهة الخصب وللعهود العربيّة والبيزنطيّة والتركيّة. كما كانت حصنًا قائمًا لصدّ الغزوات من جهة البقاع.
وفي التاريخ
بسبب موقع ترشيش على مفترق طرقات جبليّة، حلّ بها الدمار في العهد العبّاسيّ، في القرن الثامن، فهاجم العبّاسيّون الجبل اللبنانيّ ودولته المسيحيّة، وهجّروا الأهالي، فانكمشت رقعة التواجد المستقلّ للمسيحيّين في لبنان.
وفي العام 1305، هاجم المماليك كسروان، وترشيش على حدودها، فخرّبت الجيوش القرى، وهدمت المعابد والمنازل.
وفي العهد العثمانيّ، ورد في الدفاتر العثمانيّة أنّ ترشيش كانت مزرعة، لكن، في مرحلة لاحقة، زاد عدد السكّان في ترشيش، فتحوّلت من مزرعة إلى قرية. وحول عدد السكّان، ورد في إحصاء العام 1566، نقلًا عن الدفتر 543، أنّ عدد الرجال بلغ 28.
في 25/3/1976، دُمّرت البلدة تدميرًا جزئيًّا حين هاجمها جيش لبنان العربيّ، بقيادة الضابط الفارّ أحمد الخطيب، واستشهد عدد من أبناء البلدة، وتهجّر المسيحيّون إلى المتن الشماليّ، والمسلمون إلى البقاع. وفي مطلع الثمانينيّات، دُمّرت البلدة تدميرًا تامًّا بشكل مأسويّ، فنُسفت بيوتها بالديناميت. وفي العام 1989، بدأت المصالحة، وبعد سنوات، بدأ إعمار البلدة وإعادة بناء بيوتها.
الترشيشيّ… شخصيّة ومزايا
يحلّل الباحث طبيعة الترشيشيّ فيقول إنّها حصيلة تأثير عوامل البيئة الجغرافيّة، المؤلّفة من جبال شاهقة مفتوحة على الأفق، فجبل لبنان، كجميع جبال العالم، يولّد عند سكّانه روح الإستقلال والحريّة الفرديّة. لذلك، فالترشيشيّ إنسان مؤمن ملتزم بالربّ، الإله الواحد، والتعاليم السماويّة. هو ودود مسالم، يتّسم بالشجاعة في دفاعه عن الحقيقة. هو كريم مضياف يفتح بيته وقلبه للآخر. هو أصيل يلتزم الضوابط والقيم والمبادئ الأخلاقيّة الحسنة. كما إنّ التعلّق بالأرض هو عنصر أساسيّ من هويّة الترشيشيّ، فهي إرث من الآباء والأجداد.
يشتهر الترشيشيّ بعشقه للزجل، وحفظ القصائد لكبار الزجّالين، وتردادها في الحقول والساحات بصوت عال. ويعشق الترشيشيّ الأنشطة التراثيّة الإستعراضيّة أو التنافسيّة المرتبطة بالتراث مثل الدبكة، ورفع المخل، ورفع الجرن، وكسر الجوز، وشدّ الحبل، وتربيع الجرس، ورفع المحدلة، والكباش، وطاولة الزهر، وألعاب الورق، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
مقالات منوّعة
يتضمّن الكتاب في الملحق، مقالات منوّعة، منها مقال بعنوان “نحن متجذّرون في ترشيش “، بقلم البروفسور جريس (جورج) بطرس صدقة، عميد كليّة الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانيّة، وآخر بعنوان “ترشيش الذاكرة والمكان…لا حارة محدّدة للمسيحيّين أو المسلمين في ترشيش”، بقلم الأستاذ يوسف أسعد سعيفان، مجاز في الفلسفة وفي اللغة العربيّة وآدابها؛ وكذلك المقال الذي يحمل عنوان “ترشيش” بقلم المؤرّخ طوني بشارة مفرّج، في “موسوعة قرى ومدن لبنان، الجزء السابع”، في العام 1999.
ترشيش، جبل الرخام وحصن التاريخ، للباحث جان مخايل صدقة، في 256 صفحة من القطع الكبير، في طباعة فاخرة، أنيقة، بالألوان، الطبعة الأولى 2017.