الجيش والخطوط الحمر

كتب نجم الهاشم  في المسيرة – العدد 1619

عندما ذهب الجيش اللبناني إلى مخيم نهر البارد في العام 2007 لإنهاء وضع تنظيم فتح الإسلام لم تكن أمامه خطوط حمر. وعندما حسم الوضع في عبرا ضد ظاهرة الشيخ أحمد الأسير لم تكن أمامه خطوط حمر. وعندما ينفذ أي عملية أمنية لا تكون أمامه خطوط حمر ولا يتحرك إلا بناء على إشارة ما يتوفر له من معلومات حول عمليات تخريب يتم التحضير لها. هذا ما حصل عندما نفذ عملية الدهم في مخيمي القارية والنوَر للنازحين السوريين في جرود عرسال وعندما تجاوز تداعياتها ليكمل تنفيذ عمليات أخرى في عرسال نفسها ويقضي على عدد من الإرهابيين ويعتقل غيرهم. هذه العمليات ضمن إطار الدور الذي يقوم به الجيش لا تتداخل مع ما يُحكى عن حسم الوضع العسكري في القلمون وتهديدات الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله المتكررة حول هذا الموضوع.

ليست المرة الأولى التي يهدد فيها “حزب الله” بالحسم العسكري في جرود القلمون. لقد سبق له أن هدد أكثر من مرة بالحسم وقد غامر أكثر من مرة بدخول المواجهة ولكن عملية الحسم كانت تتوقف من دون أن يعلن عن الأسباب الموجبة لذلك وإن كانت هذه الأسباب تتعلق بالكلفة الكبيرة التي سيتكبدها في المواجهة.

منذ حصلت أحداث عرسال في آب 2014 تكررت أكثر من مرة محاولات التشكيك بدور الجيش وبدور السلطة السياسية وحُكي أكثر من مرة عن تخاذل أو عن تواطؤ سهّل لـ”جبهة النصرة” وتنظيم “داعش” اختراق عرسال وخطف عدد من العسكريين وطيلة ثلاثة أعوام كانت هناك محاولات كثيرة للإيحاء بأن الجيش اللبناني سيقوم بالمشاركة في معركة تحرير الجرود من مسلحي التنظيمات الإرهابية بحيث يلاقي جيش النظام السوري و”حزب الله” في عمليات عسكرية تتعلق بالهدف نفسه ولكن ولا مرة انساق الجيش في سيناريوهات مماثلة وبقي يفصل بين واجباته العسكرية على الحدود الشرقية وبين من يتمناه البعض.

اليوم تعود الحكاية إلى البداية. ولكن مع فوارق كثيرة. عندما حصلت معركة عرسال قبل ثلاثة أعوام كانت التنظيمات الأصولية التي تقاتل جيش النظام السوري وحلفاءه في قمة صعودها وانتشارها وتمددها في اتجاه الموصل وما بعدها نحو بغداد في العراق وفي اتجاه تدمر والرقة وحمص داخل سوريا مع إعطاء احتمالات بوصل مناطق سيطرتها داخل سوريا مع القلمون ومنطقة وادي خالد في عكار وأحيانا كان الخطر يقترب من هذا الهدف. أما اليوم فالمسألة معكوسة. تنظيم “داعش” يقترب من نهايته. سقطت دولة الخلافة التي أعلنها في الموصل وستسقط  الدولة التي أعلنها في الرقة في سوريا وهو اتخذ اسمه “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المختصرة “داعش” بعدما أمن السيطرة عليها على الأرض. وبالتالي باتت كل مناطق سيطرته داخل سوريا مهددة ومنها حتما منطقة جرود القلمون.

منذ سيطر “حزب الله” على بلدة القصير وعدد من البلدات السورية المحيطة بها أعلن أكثر من مرة أنه سيحرر جرود القلمون ليبعد الخطر الإرهابي عن لبنان ولكن من دون أن يتمكن من التنفيذ، ولأنه كان يركز أكثر على معارك إبعاد الخطر عن دمشق والنظام ومعارك السيطرة على حلب. هذه المرة يراهن الحزب على انهيار “داعش” تلقائيا لكي يعلن انتصارا في معركة لم يشارك فيها. وربما من هذه الخلفية تأتي التهديدات المتكررة التي يطلقها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله على أساس أنه التهديد الأخير و”هذه المرة الأخيرة التي سأتكلم فيها عن هذا الموضوع”.

صحيح أن الحزب يشارك في العمليات العسكرية داخل سوريا ولكن الجيش اللبناني هو الذي يتولى عمليا مسؤولية حماية الحدود من الجهة اللبنانية وربما استفاد الحزب من دور الجيش ليتفرغ أكثر إلى مواجهاته. ولكن على صعيد العمليات الأمنية فإن الجيش هو الذي يضطلع بالدور الأكبر. هو الذي يكتشف العمليات التي يتم تحضيرها وهو الذي يقوم بالمداهمات والتوقيفات ويعتقل المتهمين والمنفذين والمخططين وقد ساهم في شكل كبير في حماية الداخل اللبناني من العمليات الإنتحارية التي كانت في أكثرها رد فعل على تدخل “حزب الله” في سوريا. وضمن هذه الحدود يستمر الجيش في تطبيق استراتيجيته المستقلة: حماية الحدود من أي عمليات يحضر لها المسلحون في الجرود والقيام بعمليات استباقية لشل تحركاتهم ولذلك أقام خط دفاع متين من دون أن تكون عنده النية للتقدم والمواجهة المباشرة طالما أن لا خطر فعليًا على غرار ما حصل في عرسال في آب 2014. ولذلك يركز الجيش على الدور الأمني الذي يقوم به لشل قدرة المسلحين في الجرود على النفاذ إلى الداخل اللبناني وتنفيذ عمليات انتحارية على غرار ما حصل في القاع في حزيران الماضي وما كاد يحصل في رأس بعلبك. وعلى هذه الخلفية كانت العملية التي نفذها في مخيمي القارية والنوَر.

في مفهوم العمليات الأمنية يمكن اعتبار أن هذه العملية كانت نظيفة وقد حققت أهدافها بأقل قدر ممكن من الخسائر. وقد حاول البعض استغلال مسألة وفاة أربعة موقوفين من النازحين السوريين لكي يتجاوزوا الخطوط الحمر ويهاجموا المؤسسة العسكرية بينما كان يجب الفصل بين المسألتين: مسألة دور الجيش ومسألة الوفاة التي كانت موضع تحقيق مستقل من القيادة العسكرية لوضعها ضمن إطارها الضيق من دون التأثير على دور الجيش ومعنويات عناصره وقيادته.

ربما من هذا المنطلق كان الموقف الذي أعلنه الرئيس سعد الحريري بعد استقباله قائد الجيش العماد جوزف عون ووزير الدفاع يعقوب الصراف يوم الإثنين 10 تموز الحالي وأيد فيه ما تقوم به المؤسسة العسكرية بعدما كان البعض حاول أن يضع اللقاء في إطاره غير الصحيح وبعدما كانت برزت انتقادات للجيش على خلفية حادثة الوفاة لتصيبه في دوره ومهمته. ولذلك لم يتوقف الجيش عند هذه المواقف واستكمل عملية المخيمين بعملية عرسال وهو يدرك حساسية هذا الدور ودقته لأنه لا يريد أن يكون طرفا مع أي جهة في الحرب ضد الإرهاب ولأنه يعتبر أن ما يقوم به يأتي في سياق الدفاع عن الدولة اللبنانية واللبنانيين. وهو لذلك لم يتخذ موقفا مباشرا من دعوته إلى المشاركة في قيام “حزب الله” بتسهيل إعادة عدد من النازحين السوريين إلى بعض بلدات القلمون ولا أعلن أنه سيتسلم المواقع التي أخلاها الحزب في السلسلة الشرقية. ولذلك فإن الجيش اللبناني سيكون حاضرا عندما ينسحب المسلحون من الجرود إلى توسيع دائرة انتشاره ومواقعه لتشمل المناطق اللبنانية التي يتم الإنسحاب منها وهذه العملية بحد ذاتها تحتاج إلى ترسيم واضح للحدود بين لبنان وسوريا الأمر الذي رفضه دائما النظام السوري وتحتاج أيضا إلى ضبط الممرات الحدودية بين لبنان وسوريا. ولذلك يبقى السؤال ليس عما سيفعله الجيش بل عما سيفعله “حزب الله”.

وإذا كان مصير المسلحين في القلمون ستحدده التطورات الحاصلة في سوريا فإن دور “حزب الله” في سوريا خاضع أيضا للمعادلة نفسها. فالحزب الذي تورط بقرار قيادي كبير في الحرب السورية يقف اليوم متفرجا على الحلول التي يتم تطبيقها على الأرض بين روسيا وأميركا بالدرجة الأولى والتي ستصل في النهاية إلى اعتماد دستور جديد لسوريا يكون أساسه ما سمي “الدستور الروسي لسوريا” الذي يؤكد على إنهاء وضع نظام البعث والسلطة المركزية وقيام سلطات محلية ومجالس منتخبة وحكومات مصغرة في المناطق. وفي كل هذه الصورة يبقى دور الجيش في لبنان هو الثابت على قاعدة انتهاء عهد الدويلة وأن الدولة هي التي يجب أن تكون القاعدة.

للإشتراك في “المسيرة” Online: 

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل