
ما اعتدنا التّململ أو البكاء على الأطلال، نحن قوم نستنبط الحلول في لحظات يتعذّر وجودها. يعاني اليوم مجتمعنا اللبناني من خلل ديموغرافيّ يكاد يطيح بفئات مجتمعيّة على حساب أخرى. لذلك نستقرئ التّاريخ ونستنهض الهمم لإيجاد الحلول التي تحدّ من هذا التّقهقر. فهل سيستطيع المسيحيّون النّهوض بمجتمعهم في ظلّ الأزمات السياسيّة والإجتماعيّة المستشرية في لبنان والمنطقة؟
من البديهي أن نتحدّث عن كلّ لبنان عندما نريد الحديث عن مسيحيّيه. فلبنان اليوم كلّه في حالة تقهقرٍ نتج عن الفساد القاتل الذي أصاب تركيبته السياسيّة، حتّى بلغ الحدّ إلى أدنى المقوّمات الإجتماعيّة. ناهيك عن أزمات وجوديّة عاناها بلدنا منذ لحظة تأسيسه.
عندما نصح المفكّر والسياسيّ والفيلسوف جواد بولس، إميل إدّه بعدم القبول بالعرض الإنكليزيّ بالإستقلال عن فرنسا من دون معاهدة دوليّة تضمن وجوديّة الجمهوريّة اللبنانيّة الفتيّة، اتّهم بولس وقتها بالعمالة وصار عميل فرنسا وأقصي عن الحياة السياسيّة اللبنانيّة وكان ما كان، وصار ما صار بعد أقلّ من ثلاثين سنة من ذلك الإستقلال.
أمّا بعد مرور أكثر من سبعة عقود على ذلك الإستقلال، فانحدر المجتمع المسيحيّ تحديدًا، لا سيّما بعد أن تمّ سلخه عن قراه في جبّة بشرّي في العام 1976 والجبل في العام 1983 وفي شرقيّ صيدا في العام 1985. وشكّل المسيحيّون اكتظاظًا سكّانيًّا في شرقيّ بيروت، وفي المتن وكسروان وصولا إلى جبيل وبعض تخومها. يوم ترك المسيحيّ أرضه واعتزل الزّراعة، لينكفئ في هذه المناطق سجينَ شقق سكنيّة يدفع ثمنها من أرض آبائه وأجداده، وينصرف إلى وظيفة في شركة من هنا أو في عمل حرٍّ من هناك. وفي الحالتين، يعيش تحت وطأة متطلّبات أبناء المدن غنيًّا في الظّاهر فقيرًا في الباطن.
وبعد عودة الإستقرار الأمني يقصد المسيحيّ قراه في العطل وفي نهاية كلّ أسبوع تقريبًا للإستجمام، بعد أن أعاد إعمار ما دمّرته الأيادي السّوداء في الحرب واشترى بقطعة أرضٍ شقّة سكنيّة بالكاد تبلغ المئة متر مربّعًا. ويعيش في بيروت وضواحيها ويعلّم أولاده في المدارس الخاصّة هناك بعد أن أقفلت مدرسة “الضّيعة” الرّسميّة لعدم وجود أساتذة في القرية ولا حتّى تلاميذ.
للأسف هذا هو الواقع الذي يسود معظم القرى المسيحيّة التي باتت شبه خالية، قلاع رابضة لا حرّاس فيها. وما ميّز الفئات المجتمعيّة اللبنانيّة الأخرى، رسوخها في قراها وتمسّكها بالعيش فيها برغم الصّعوبة وقسوة المناخ والطّبيعة أحيانًا. وفي ظلّ هذا الواقع، ما المطلوب من اللبناني عمومًا ومن المسيحيّ خصوصًا؟
الملطلوب واحد فقط. التطوّر واللحاق برِكاب الحضارة في الغرب لا يعني أن نهجر الأرض كلّنا ونسكن المدن ونتحوّل إلى تجّار، أو نعمل من دون أن تتّسخ ايادينا. نستطيع أن نواكب الحضارة ونسكن في قرانا من دون أن ندفع فواتيرنا لمرّتين، أو أن نشتري باقة النّعناع والبقدونس بأكثر من ألف ليرة لبنانيّة، بينما نستطيع أن نزرعها في ضيعتنا وحول منازلنا بأقلّ كلفة. بالطّبع البقدونس والنّعناع مثال بسيط. على كلّ مسيحيّ مؤمن بوجوديّة هذا الوطن وبحريّته الكيانيّة أن يشتري قطعة أرض ويسكن بعيدًا عن أجواء المدن المكتظّة. وعليه أن يعمل في أرضه. وحدها الأرض تثبّت الوجود، وهي في أسوء الحالات تستطيع أن تطعم البيت وربّه وأبناءه على السّواء ومن دون أن تمنّنهم بشيء. الأرض وحدها ضمانتنا. والمؤسف كيف نرى جيل اليوم ممّن يرثون قطعة أرض يتهافتون لبيعها حتّى يشتروا شقّة سكنيّة في المدن، وأقصى طموحهم أن يعملوا ” دليفري أرغيلة”!!!
أمّا كنيستنا فمطلوب منها أيضًا العمل على تثبيت أبناء القرى أكثر من خلال تأمين أدنى المقوّمات لعيشهم الكريم، لو أنّ هذه من أبرز مهام الدّولة، فلا مجال للتّململ هنا، بالإضافة إلى إيجاد فرص عمل في مؤسّساتها من أديار ومدارس وأراض بمعظمها بور. فليتمّ استصلاحها ولتعود الأديرة غاصّة بالعائلات التي تعمل وتعيش في كنفها. وعندها الدّولة ترضخ للمواطن وتعود الحياة للأرياف والقرى من جديد، ويثبت المسيحيّون فيها ويتمسّكون أكثر بهويّتهم وبوطنهم، ولا يستبدلونها عند أوّل فرصة تتاح لهم، حتّى لو بجليد كندا أو بحرّ إفريقيا.
إزرعوا أرضكم فأرضكم لن تسمح بأن تجوعوا، أمّا إن كنتم في المدن وجعتم، فستبيعون شقّتكم كما بعتم أرضكم وستبحثون عمّن يشحّذكم لقمة العيش. المطلوب العودة إلى حياة الأرض وزراعة كلّ شبر منها، لأنّ أرضنا كلّها خير وبركة، يوم هجرناها هجرتنا البركة وسكننا الشرّ.
“لبنان وطننا وفيه باقون”، نحن من هذه المدرسة تعلّمنا ونعلّم ونربّي. ولتتوافق أقوالنا مع أفعالنا علينا العودة إلى الأرض، ماذا وإلّا سنفقد حتّى هذه الأرض، وعندها لن ينفع البكاء وصرير الأسنان. ومن له أذنان للسّماع فليسمع.