وزارة الشؤون الاجتماعية أوقفت الهدر وأمسكت بملف المساعدات

كتبت فيرا بو منصف في المسيرة – العدد 1619

تنفلش خيم النازحين السوريين فوق المساحات اللبنانية المتوافرة، هذا بلد صغير، هذه بلاد بقلب أوسع بكثير من مساحاته الجغرافية، هذا بلد صغير، هذه بلاد لم تتعلم حتى اللحظة أن تحب حالها أكثر من الآخرين، هذا بلد صغير وهذه أرض فوقها يعيش نحو أربعة ملايين ونصف المليون لبناني يتقاسمون اللقمة بالنصف، ما لم يكن أكثر تذهب لنحو مليونين ونصف المليون سوري، هذا بلد صغير لكن الصفقات فيه أكبر من أن يتخايلها عقل مواطن عادي، والصفقات اياها كانت تغرف ذهبا من معجن مخيمات النازحين، في ظل غياب استراتيجية وموقف واضح للدولة اللبنانية في الأعوام الماضية، الى ان تشكّلت الحكومة الحالية واتخذ الموقف الموحد فيها من هذا الملف الدقيق، وتولت من خلالها وزارة الشؤون الاجتماعية الامساك وبمسؤولية وطنية عالية بالغة الدقة في مقاربة انسانية اجتماعية لأخطر ملف فوق الأراضي اللبنانية، قبل أن تنفجر مخيمات النزوح في لبنان بمن فيها علينا وفوق رؤوس الجميع، صدّقوا!!

قدرنا دائما يفوق قدراتنا، وقدرنا الصعب أن نكون والدولة السورية جيرانا، وأن نتحمّل عبر السنين، عبء هذه الجيرة المحكومة بنظام لا يقبل الا منطق الاحتلال معنا وبأي طريقة ممكنة. لا نقول أن اللاجئين هم احتلال مقنع أو خفي، لكن نقول أن ملف النازحين هو من أخطر الملفات على الاطلاق التي اجتاحت لبنان منذ نحو ست سنوات، وكادت أن تحوّله الى قنبلة موقوتة لو لم يُضبط توقيتها منذ تأليف حكومة الحريري الأخيرة، وتولي بيار بو عاصي مهامه كوزير للشؤون الاجتماعية.

يعرف اللبنانيون أن هذه ليست مجرد مخيمات لنازحين سوريين، إنما بالحجم الذي وصلت إليه باتت تهدد لبنان الدولة والوجود، وأكثر بعد وما لا يمكن أن يتصوره اللبنانيون، ان هذه المخيمات في وجهها الخفي، انما هي مناجم ذهب لأن الصفقات كانت أكبر من أن يتخيلها عقل مواطن عادي، وهذه الصفقات كانت تغرف ذهبًا من معجن هذه المخيمات في ظل غياب استراتيجية وموقف واضح للدولة اللبنانية خلال الأعوام الماضية.

لنتفّق أولا على التوصيف، في مدوّنة الأمم المتحدة وفي التعريف الدولي، لبنان ليس بلد لجوء ولم يوقّع يوما على اتفاقيات دولية بهذا الشأن، فلبنان بقدراته الاقتصادية المتواضعة لا يمكن أن يتحمّل عبئا يفوق قدراته أضعافا مضاعفة كما يحصل اليوم، وما يحصل اليوم ومنذ ست سنوات تحديدا، أن لبنان تحول الى مخيم كبير!!

هنا سهل البقاع، وهنا سهل عكار، وهنا وهناك تنهمر الشمس بسخاء فوق تلك المساحات المدروزة خيما ولاجئين، وفي الشتاء ينهمر البرد بسخاء أكبر من زخات المطر، وتنهمر فوق خوابي الوطن الصغير الكبير، الغنائم المتدفقة من ذاك الملف جهات استفادت منها. عندما تسلّم بو عاصي وزارة الشؤون الاجتماعية، كان وصل الملف الى أخطر مراحله، وسط فوضى عارمة كانت تجتاح المخيمات، لم يتوقّع أي طرف سياسي أو حزبي، أن الوزير الجديد الوافد حديثا الى العمل الحكومي، سيتمكّن وبمرحلة زمنية قياسية لم تتجاوز الشهرين، من قلب المقاييس رأسا على عقب، لناحية الامساك وبيد من حديد بملف النازحين، بحيث قطع الطريق نهائيا على اي امكانية لهدر او فساد او تلكؤ عبر وضع خطة واقعية محكمة بالتنسيق مع الهيئات الدولية وتفعيل التعاطي المباشر مع الوزارة وعبر الحكومة.

تسلّم بو عاصي الملف وكان الهدف الرئيس، أولا إمساك الأرض تماما عبر عدد كبير من الموظفين انتشروا على المخيمات كافة، ما اضطر المنظمات الدولية لحصر التعاطي المباشر مع الوزارة كطرف حكومي هو الوحيد الرسمي فوق الأراضي اللبنانية، «ووضع الوزير خطة عمل واضحة اولها ان ليس لدينا اي مقاربة عنصرية  تجاه النازحين، إنما التعاطي معهم من منطلق انهم ضحايا نظامهم السياسي، لأن اللبناني أيضًا كان ضحية لناحية استقباله هؤلاء النازحين في داخل بيته وتحمّله العبء أكثر بكثير من طاقته الاقتصادية ومزاحمة السوري على لقمة عيشه» يقول ماريو أبو زيد مستشار بو عاصي لشؤون اللاجئين.

في خطة بو عاصي شرط أساسي حرص على إيضاحه  للدول المانحة، بأن وقبل أن يسارعوا الى ارسال المساعدات عليهم أن يعلموا أولا بأن اللبنانيين هم المانح الأول والأكبر للنازحين، لذلك فان أي برنامج مساعدات يطبّق يجب أن يشمل السوريين النازحين واللبنانيين  المضيفين. “اللافت هنا أن المجتمع الدولي كان يقسّم المجتمعات اللبنانية مناطقيا، فتدخلت وزارة الشؤون الاجتماعية لتوضح لهم أن لبنان مجتمع مضيف واحد لا يتجزأ فوق الأراضي اللبنانية كافة وتأثير النزوح سلبي عليه في كل المطارح» يقول أبو زيد الذي أكد من جهة ثانية، أن الدول المانحة منحت لبنان ثقة كبيرة في الفترة الأخيرة بعدما راقبت الإدارة الدقيقة الشفافة للملف، الذي أصبح بقيادة الدولة اللبنانية. “نحنا عنا مبادئ واضحة وعلى أساسها مندير الملف وأي ملف آخر، وزرا “القوات اللبنانية” بالحكومة بيرتكزوا على منطق دولة المؤسسات والقانون ومحاربة اي هدر او فساد أو منفعة خاصة على حساب احتياجات الناس ومصالحهم، عانينا كتير من اللجوء الفلسطيني ولبنان دفع اغلى الاثمان كرمال هيك لازم ناخد العبرة حتى نحد من مخاطر النزوح السوري، هالقد هالملف خطير وهالقد الوزير بو عاصي وفريق عمله عم يشتغلوا عليه بدقة لامتناهية ومسؤولية وطنية عالية جدا”.

في مؤتمر بروكسيل الأخير للدول المانحة، كان موقف بو عاصي حازما، اذ أعلن للملأ أن اللبناني كما السوري ضحية، ولذلك طالب بتحصين البنية التحتية في لبنان وهو شرط رئيسي  للتنمية المستدامة واطلاق عجلة النمو وايجاد فرص عمل موقتة للسوري ومستدامة للبناني، وبحسب ما تفرضه سوق العمل في لبنان لناحية اليد العاملة الاجنبية، بحيث لا يضارب السوري على اللبناني في الوظائف وما شابه.

لكن وحتى الساعة يتعرّض اللبنانيون لقرصنة هائلة في فرص العمل من قبل السوريين، وفي القطاعات كافة حتى في قطاعي الطب والتمريض مثلا، وبحسب آخر الاحصائيات تبين أن أكثر من أربعين في المئة من خريجي الجامعات في لبنان عاطلون من العمل، وأن 82 في المئة من السوريين الذين وفدوا الى لبنان كنازحين، وهنا المفارقة، لا يسكنون الخيم انما في مبان مستأجرة أو  في مستوعبات أو في خيم ضمن حدائق يعملون فيها، ما يعني انهم متغلغلون بشكل لا يوصف وربما غير متوقّع، اي ما يسمّى بـ «الوجود الخفي» للسوريين، وهنا قد يكون الانفجار الذي لا نعرف متى يشتعل فتيلها في كل لبنان بعدما كثرت الاحتكاكات مع مجموعات لبنانية كثيرة، «لو كفّى الملف بالطريقة يللي كان ماشي فيها قبل ما نتسلّم الوزارة لكنا وصلنا الى انفجار كتير كبير لكن وجودنا اليومي والكثيف على الارض حدّ من هالخطر وتغيّرت المعادلة” يقول أبو زيد.

في المحصلة، وبحسب ما تبين، ما عادت تدخل مساعدات الى خيم اللاجئين السوريين ما لم يوقعها الوزير المختص، والوزارة تحولت من مجرد شؤون اجتماعية الى وزارة سيادية بامتياز، بسبب ملف قد يتحول في أي لحظة، أي لحظة الى انفجار كبير تداعياته ليست على فئة أو طائفة أو حزب، انما وطن بأكمله مهدد كيانه وهويته ووجهه وروحه ما لم يستدرك نفسه، ويبادر الى عودة النازحين وبأسرع وقت الى بلادهم، حيث ثمة الكثير من الأراضي الشاسعة الآمنة، وبعد التفاوض مع الامم المتحدة والمجتمع الدولي لتأمين عودة آمنة لهم، وليس مع حكومة النظام بطبيعة الحال كما دعت بعض الجهات اللبنانية، فلاجئ الوهلة ذاك، بحسب توصيف المجتمع الدولي، أو لاجئ الأمر الواقع الذي يكلف الدولة اللبنانية مليارات الدولارات، مئة مليون دولار منها فاتورة كهرباء لوحدها للمخيمات، في حين يرزح اللبناني تحت وطأة الضربات الاقتصادية المتتالية بسبب كلفة هذا النزوح. أما حان الوقت ليعودوا الى اراضيهم قبل أن تنفجر فينا وبهم البلاد؟!!

للإشتراك في “المسيرة” Online: 

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل