كلمة حق تقال

نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبّور في مجلة “المسيرة” – العدد 1619:

لا يمكن الكلام عن وجود معارضة فعلية، والسبب غياب الوزن النيابي لما يسمى بالمعارضة، كما الوزن الشعبي، فضلا عن ان حكومات الوفاق الوطني حالت وتحول دون فرز الحياة السياسية بين أكثرية تحكم وأقلية تعارض وتنتهز الفرصة لتتحول إلى أكثرية وتدخل جنة السلطة.

وكلمة حق تقال ان الدكتور سمير جعجع كان دعا في أكثر من مناسبة ومحطة إلى قيام حكومات تكنوقراط او حكومات منسجمة على قاعدة أكثرية وأقلية، ومرد دعواته يعود إلى الخلافات التي كانت تعصف بالحكومات وتفضي إلى تجميد وتعليق عملها، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس وإدخال البلد في دوامة من الشلل والتعطيل.

فالهم الأساس لجعجع كان تحييد الملفات الخلافية غير القابلة للحل عن الملفات الحياتية من أجل تسيير شؤون الناس وتلبيتها، خصوصا بعد ان أثبتت التجربة تعذر انتصار وجهة نظر على أخرى، وبالتالي في ظل غياب الإرادة لتحييد الملفات الخلافية آنذاك رأى جعجع ان الحل الوحيد الممكن كان في تأليف حكومات تكنوقراط تحظى بغطاء كل القوى السياسية وتحصر اهتمامها بالشؤون الحياتية، فيما يستمر الصراع السياسي خارج الحكومة ومن دون ان تتأثر فيه حركة البلد ودورته الاقتصادية.

ولدى بروز معارضة لانتخاب العماد ميشال عون وجد رئيس “القوات” في هذه المعارضة مناسبة لتأليف حكومة من أكثرية مؤيدة للعهد الجديد وأخرى معارضة له، خصوصا ان الأكثرية كانت تستوفي الشروط الميثاقية في ظل وجود فريق شيعي وازن فيها، فيما الخلل الأساس في تكوين 8 و 14 آذار كان غياب فريق سني وازن في الأول وفريق شيعي وازن في الثاني، ولكن هذا الطرح لم يجد مجددا آذانا صاغية والفريق الذي قرار البقاء خارج الحكومة اتخذ هذا الخيار بسبب عدم تخصيصه بحقيبة وليس لأسباب مبدئية.

وفي مطلق الأحوال فإن جوهر طرح الدكتور جعجع كان الخروج من التعطيل والدخول في الإنتاجية، وكلمة حق تقال أيضا هنا ان الحكومة الحالية هي الحكومة الأولى من نوعها التي نجحت منذ أولى حكومات ما بعد الخروج السوري من لبنان في تحييد الملفات الخلافية وحصر اهتمامها بالقضايا التي يمكن الوصول فيها إلى مساحة مشتركة، وقد تكون المرة الأولى أيضا التي ينتظم فيها العمل المؤسساتي ويتم تجاوز المسائل الخلافية بعيدا عن سياسات تعطيل الحكومة وشل عملها، وهذه التجربة بحد ذاتها تستحق التوقف عندها.

وبمعزل عن الأسباب التي قادت إلى هذا التطور وهي متعددة وتبدأ من إرادة الجميع في ترييح البلد ولا تنتهي بوجود عهد جديد وإدارة جديدة، فإنه لا يجوز التقليل من أهمية هذا العامل الذي قاد للمرة الأولى منذ العام 1990 إلى إقرار قانون جديد للانتخابات صنع في لبنان، كما قاد إلى تفعيل العمل المؤسساتي وزيادة الإنتاجية وحال دون تحويل الملفات الخلافية إلى ملفات صراعية والدليل ملف الكهرباء وهو شائك أكثر مما يتصوره البعض وتم الاتفاق على آلية للوصول إلى النتائج المرجوة فيه.

فالهدف الأول للحكومة الأولى في العهد الجديد كان الوصول إلى قانون انتخاب جديد، وهذا الهدف تحقق وبامتياز، والهدف ثاني تكريس ممارسة حكومية جديدة بعيدة عن التعطيل، والهدف الأول والدائم توسيع مساحة الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي بدأ يتحقق تدريجا، فيما التركيز في الفترة الفاصلة عن الانتخابات سيكون على الملفات الحياتية بغية الخروج بالإنجازات التي تساهم في مزيد من ترييح البلد وتحصين الاستقرار المالي بعد السياسي.

ولا شك ان هناك عوامل عدة تحول دون الإنتاجية المطلوبة، ولكن هناك محاولة جدية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات في ظل المعطيات الحالية التي يستحيل على أي عهد او حكومة تجاوزها، بل ما تحقق هو الحد الأقصى الذي يمكن تحقيقه لناحية إبقاء الملفات الصراعية خارج الحكومة، فيما المطلوب بالتأكيد الخروج بإنجازات تهم الناس وتدخل في صميم أولوياتها.

وفي موازاة كل ذلك لا تتحمل “القوات” مسؤولية فشل او نجاح الحكومة، ولكن جل ما تحاول القيام به تعطيل ما تراه لا ينسجم مع المصلحة الوطنية العليا، وتسجيل ما يفترض تسجيله سياسيا لإبقاء لبنان بمنأى عن الصراعات الخارجية، وتقديم أداء مختلف في وزاراتها، وقد نجحت “القوات” في تجربتها لغاية اليوم، ودلت التجربة على وجود توازن سياسي حقيقي داخل الحكومة بمعزل عن كل المزايدات الشعبوية المضللة والسخيفة والدليل على ذلك ان الفريق المؤيد للتنسيق بين الحكومتين اللبنانية والسورية لم ينجح بتمرير وجهة نظره، فيما لو كان، كما يروج، بان هذا الفريق هو الآمر والناهي لكان نجح بفرض التنسيق مع النظام السوري، وهذا مثل من أمثلة عدة تثبت ان التوازن الوطني هو سيد الموقف، ولولا هذا التوازن لما دخل لبنان في هذه الحقبة من الاستقرار ولو الهش بفعل عدم استعادة الدولة مقوماتها السيادية، ولكن دون شك ان مشروع الدولة يتقدم ولو ببطء على مشروع الدويلة.

للإشتراك في “المسيرة” Online: 

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل