تقسيم سوريا بات أمراً واقعاً… مناطق خفض التصعيد ترسم سيناريو الحل

خاص “المسيرة” – واشنطن -العدد 1619

مع إقتراب تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من نهايته إن في العراق أو سوريا، وإستباقاً لولادة تنظيمات أخرى متطرفة ومتشددة، بدأ اللاعبون الدوليون والإقليميون المعنيون بأزمات المنطقة منذ فترة السعي لحلول موقتة على أرض الواقع قبل الدخول في زمن التسويات الكبرى التي ستنتج بالفعل منطقة جديدة وفق خرائط حديثة تعكس المتغيرات الحاصلة، وعلى هذا الأساس، ومع فشل المفاوضات السياسية في جنيف لتسوية الصراع السوري بفعل عوامل عدة، نجح اللاعب الروسي في خلق إطار المفاوضات الأمنية في أستانة التي أنتجب منظومة ترتيبات إتفق على تسميتها ب مناطق “خفض التصعيد” وفق معادلة “لا رابح، ولا خاسر” بين ما تبقى من نظام بشار الأسد وداعمه الأساسي على الأرض أي النظام الإيراني وميليشياته اللبنانية والعراقية، وبين الفصائل المعارضة المسلحة.

تزامن إنطلاق هذا النوع من المفاوضات مع إنشغال الولايات المتحدة بإنتخاباتها الرئاسية العام الماضي، فتدنى التمثيل والتأثير الأميركي في هذه المنظومة في وقت أكملت واشنطن خطتها العسكرية في محاربة تنظيم “داعش” ودعم الجماعات المسلحة الموالية لها في شمال سوريا ولا سيما قوات سوريا الديمقراطية، ولكن مع تطور مفاوضات أستانة ووصولها إلى عقد خمس جولات حتى الآن، بدا أن اللاعبين الإقليميين في سوريا يثبتون دورهم وخططهم في أرض المعركة ولا سيما نظام طهران مع إدراك الجميع أن تدخله في سوريا لم يكن بالدرجة الأولى لحماية نظام البعث المتهاوي وإنما بهدف تقوية وتعزيز دوره وحضوره الإقليمي، وهذا الأمر أقلق الإدارة الأميركية الحالية التي تتميّز بعدائها الواضح لإيران على عكس الإدارة السابقة، وبدا واضحاً أنه إلى جانب إلتزامها بخططها العسكرية على الأرض السورية عملت الولايات المتحدة عبر الخط الدبلوماسي لتحقيق خرق وحضور عملاني على صعيد الإشراف على ترتيبات أمنية تحفظ الستاتيكو القائم في سوريا. ومع إقرارها بأن مشاركتها في مفاوضات أستانة كانت وفق حضور مراقب فقط، فقد نجحت في بدء مفاوضات منفصلة مع الروس وبمشاركة الأردن هذه المرة وليس الأتراك وتوصلت إلى ترتيب وقف التصعيد في المنطقة الجنوبية الغربية، التي تأمل أن تؤدي في نهاية المطاف إلى إتفاق حول تفاصيل الترتيبات الأوسع لتخفيف حدة التصعيد.

الرواية الأميركية لتفاصيل الإتفاق

إنطلاقاً من ذلك كانت مفاجأة إعلان الولايات المتحدة رسمياً توصلها بالاتفاق مع روسيا والأردن إلى وقف لإطلاق النار و”اتفاق لعدم التصعيد” في جنوب غرب سوريا مع إستمرار بذلها محاولاتها الشاملة لتحقيق السلام في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ ست سنوات، وضمان هزيمة «داعش»، مما يساعد أيضاً إنهاء الصراع في سوريا، والحد من معاناة السوريين، وتمكين الناس من العودة إلى ديارهم.

ويعكس إهتمام الدبلوماسية الأميركية بأهمية التوصل إلى هذا الاتفاق في جنوب غرب سوريا تصويره بأنه إنجاز دبلوماسي لإدارة ترامب، وإعلانه رسيماً بعد الاجتماع الأول من نوعه الذي عُقد في مدينة هامبورغ الألمانية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين، حيث ناقشا أيضا القضية الشائكة المتعلقة بتدخل موسكو المزعوم في انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2016 والطموحات النووية لكوريا الشمالية.

وبعيد ساعات من إعلان الاتفاق عرض مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية للمراحل التي قطعتها الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار، فوصفه بداية بأنه «خطوة أولى» نحو ترتيب أكبر.

وقال المسؤول الذي شارك في المفاوضات وحصلت «المسيرة» على النص الرسمي لإيجازه العام حول الاتفاق “إن واشنطن تأمل الانتقال إلى ترتيب أكبر وأكثر تعقيدا لوقف إطلاق النار وترتيب لعدم التصعيد في جنوب غرب سوريا». ووصف ما تحقق بأنه بالتأكيد أكثر تعقيدا من إعلانات الهدنة التي سعت بلاده للتوصل إليها في الماضي”. وأضاف هذا المسؤول “إن المزيد من المناقشات ستحدد جوانب حاسمة في الهدنة ومنها من سيتولى مراقبتها والقواعد التي من شأنها أن تحكم منطقة جنوب غرب وقف التصعيد”. وتنطلق أهمية المنطقة التي يشملها وقف إطلاق النار من واقع إهتمام الجانب الأميركي بضمان خاصرة الأردن وعدم تعرضه لأي انتكاسات أمنية كبيرة لا سيما في ظل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة انطلاقاً من البوابة الأردنية حيث رأى المسؤولون الأميركيون في العسكر والسياسة ان الجبهة الغربية الجنوبية لسوريا تؤثر على أمن الأردن ووصفوها بأنها جزء معقد جدا من ساحة المعارك السورية.

وبحسب المعلومات فإن المحادثات التي أدّت إلى الاتفاق الأخير جاءت في سياق استكمال محادثات جرت في وقت سابق بين الولايات المتحدة وروسيا في شأن “منطقة عدم التصعيد” وهي شملت محافظة درعا على الحدود مع الأردن ومحافظة القنيطرة على الحدود مع مرتفعات الجولان.

أهداف الترتيبات

إنطلقت فكرة الترتيبات في جنوب غرب سوريا بحسب مصادر أميركية رسمية، من واقع إدراك المسؤولين الأميركيين لا سيما على الأرض في سوريا لضرورة تهيئة بيئة أفضل لإنشاء منطقة أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً لخفض التصعيد، لا سيما وأن التطورات منذ شهر شباط الماضي أثبتت تصاعد المواجهات بين النظام السوري والمعارضة على الرغم من أن هذه المنطقة شهدت عنفاً أقل ممّا كان يحدث في بقية المناطق السورية وهذا الأمر بات يهدد أي إمكانية للتقدّم هناك وتثبيت الأوضاع من دون التأثير على دول الجوار. وتكشف المصادر أن المناقشات حول هذه الترتيبات إنطلقت قبل أشهر ولكنها كانت سرية لأنها عملية متعددة الخطوات وتتضمن الكثير من العناصر وأبرزها ما جسّده الإعلان عن الهدنة حيث توافقت الدول الثلاث أي الولايات المتحدة وروسيا والأردن على خريطة خط للفصل بين عناصر النظام وقوات المعارضة في تلك المنطقة، وبمجرد إقرار هذه الخريطة من قبل عناصر القتال فلن يكون هناك أي سبب في هذه المرحلة لاستمرار أي من أعمال العنف، وبالتالي نجح الجهد الثلاثي المشترك بالإعلان عن مبادرة التهدئة في جنوب غرب سوريا نظرا لشعور الأطراف المعنية بحتمية وقف العنف في أقرب وقت ممكن.

آلية تنفيذ الاتفاق

أما تنفيذ الاتفاق فينطلق أساساً من التعهدات التي بذلها كل من الأميركيين والروس والأردنيين بإستخدام نفوذهم لدى جميع أطراف الصراع لوقف القتال، من أجل تجميد الصراع أساسا . ويتطلب ذلك نوعًا من معاينة الخطوات الإضافية بحيث تعتقد المصادر الأميركية بأن كل طرف سيشعر بالحاجة إلى اتخاذ مزيد من الخطوات العملية لتعزيز وتعزيز وقف إطلاق النار، وهذه الخطوات تشمل نشراً محتملاً لمراقبين في المنطقة وتشكيل خلية مراقبة فعالة، وهو ترتيب يمكن للأطراف أن تشارك فيه وتراقب تفاصيل وقف إطلاق النار والانتهاكات. ويراهن الأميركيون من خلال تعميم تجربة إتفاقات مماثلة في معظم المناطق السورية التي تشهد قتالاً مستمراً على النجاح في وقف العنف المستمر من قبل النظام السوري ولا سيما من إيران وتغطيتهم بما يدعونه محاربة الإرهاب بالسعي للقضاء على المعارضة السورية المعتدلة أو تلك التي تطالب بالتغيير الجذري في سوريا من أجل ضمان حق الشعب السوري، وبحسب المصادر الأميركية ذاتها فإن الهدنة التي ستنتقل من منطقة إلى أخرى ستمهد السبيل لبيئة مواتية ستقود في نهاية المطاف إلى عملية سياسية منتجة يمكن أن تؤدي إلى حل أكثر جوهرية ودائمة للصراع الكامن داخل سوريا.

وفي حين تصف المصادر الأميركية الأرض السورية بأنها مساحة معركة معقدة جداً وأن هناك الكثير من الأطراف على الأرض بإمكانها خربطة أي إتفاقات، لذلك فإن الإعتماد بشكل فعال هو على الأطراف الخارجية صاحبة النفوذ في الداخل السوري لضمان امتثال أولئك الذين لديهم نفوذ عليهم بوقف أي تصعيد. وهنا تكشف المصادر ذاتها عن حاجة الفصائل المسلحة والمعارضة في جنوب غرب سوريا على حد سواء إلى مثل هذا الاتفاق لأنهم تعبوا من شدة العنف وباتوا يبحثون عن فرصة يمكن فيها تنفيذ وقف دائم لإطلاق النار. وتكشف المصادر أيضاً أن لدى واشنطن والأردن علاقات جيدة مع الجبهة الجنوبية وهي من الفصائل المسلحة الرئيسية في جنوب غرب سوريا، وتحافظ الولايات المتحدة على اتصال مستمر إلى حد ما مع تلك الأطراف، وهذا سيقوي بالتأكيد دورها في ضمان إستمرار وقف إطلاق النار.

ووفق مسؤول أميركي رفيع فإن الولايات المتحدة صارحت في مناقشاتها الأخيرة مع الروس بخشيتها من الأهداف التي جرى من وارئها إطلاق آلية مفاوضات أستانة ولا سيما قلقها تجاه دور إيران كضامن لمناطق خفض التصعيد مع إدراكها أساساً بالدور المزعزع للإستقرار التي تقوم به طهران في سوريا بشكل عام وإنطلاقاً من ذلك فهذا يسقط دورها كضامن للإستقرار لأنها لا تريد أساساً تحقيق هذا الأمر وتنفيذ أجندتها الخاصة في هذا البلد. ويؤكد هذا المسؤول أن هناك مسؤولية كبرى لجهة الرهان على مدى نجاح ضغوطهم على النظام السوري وعلى إيران وميلشياتها التي تقاتل في سوريا من أجل أن يبقوا ملتزمين بوقف النار.

 تقسيم سوريا؟

في ضوء كل ما تقدّم يطرح عدد من الباحثين في واشنطن سلسلة من السيناريوهات حول مستقبل الأوضاع في سوريا والتي ستقود حكماً إلى إعتبار أن منظومة سوريا – الدولة أو دولة نظام البعث التي إستمرت لأكثر من خمسين عاماً قد سقطت إلى غير رجعة، وبالتالي فإن ما تخطط له القوى الدولية وفي طليعتها الولايات المتحدة هو السعي إلى القبول بترتيب التنازلات المتبادلة بين الأطراف المؤثرة في الصراع السوري وصولاً إلى وضع الألية الجيو السياسية التي ستنتج الحل في سوريا وهو الحل التي باتت تفرضه الوقائع على الأرض، حيث أن نظام الأسد الذي لم يلتفت يوماً لمحافظات الأرياف وتركها تعيش حالة اقتصادية وميعشية متردية طوال عقود فهو اليوم بات في مرحلة القبول الكلي عن التغاضي عن هذه المناطق، وبات يركز جهوده لكي يحتفظ بالمناطق الصافية التي يسيطر عليها، وبالتالي فإن ما تبقى من سلطة بشار الأسد ستكون ضمن هذه المناطق فقط، في حين أن المناطق التي ستشملها إتفاقات وفق التصعيد أو وقف إطلاق النار فهي ستخضع للفصائل المعارضة وفي مقدمتها «قوات سوريا الديمقراطية». ويرى هؤلاء الباحثون أنه في حين أن هذه النتيجة قد لا تظهر بشكل سريع إلا أن الستاتيكو القائم على الأرض في سوريا سيقود حكماً إلى مثل هذه النتائج في المدى المنظور.

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل