بطاطا عكار الى الاتحاد الأوروبي… المزاحمة السورية قوية ومزارعون صاروا تجارًا

كتبت أغنس الحلو زعرور في “المسيرة” – العدد 1619

بين تسويق المنتوجات الزراعية اللبنانية ومضاربة المحاصيل المستوردة للمنتوجات المحلية يقع المزارع اللبناني في المأزق وحده. ووضع المزارع العكاري ليس أفضل بل إنه يعاني من مضاربة المنتوجات السورية التي تعبر الحدود إما بطريقة شرعية أو عبر المعابر غير الشرعية وتباع بأسعار متدنية جدًا. ومشكلة المزارع العكاري تكمن في التاجر الذي يستورد المحاصيل الزراعية السورية ويبيعها بأسعار أدنى من سعر المنتجات اللبنانية بأضعاف وأضعاف. ومع كل هذا يربح. فكيف سيستطيع اللبناني الذي يريد التمسّك بأرضه وجذوره أن يعيل عائلته ضمن هذا السوق الذي تأتيه المضاربة من الداخل والخارج دون رقيب أو حسيب؟

تغنت كتب الجغرافيا التي تدرّس في المدارس اللبنانية بسهل عكار ومنتوجاته وتنوّعها. لكن هذه الكتب لم تلحظ واقع السهل المرّ وواقع مالكي الأراضي فيه الأمرّ. فالمزروعات في سهل عكار من الحمضيات، والتفاحيات والزيتون والورقيات والبطاطا والخضار كلها منتوجات ذات جودة عالية تحتاج فقط إلى أسواق تصريف. وتكمن مشاكل البيع في سوء التسويق والتكاليف الباهظة التي يتكبدها المزارع اللبناني مما يجعل منتجاته أعلى سعرا من تلك المستوردة. وتربة سهل عكار خصبة ومتنوّعة وتصلح لكل أنواع الزراعات. وهنا يجب التنويه بأن عكار هي المنطقة الوحيدة في لبنان التي أعلنت خالية من الأمراض الحجرية ولكنها لا تزال تعاني من تلف المحاصيل الزراعية.

مميّزات تربة عكار والمحاصيل الفضلى التي تتناسب مع طبيعة الأرض، والمشاكل التي يعاني منها الإنتاج اللبناني، تحدث عنها ميشال عيسى الخوري مدير مركز الأبحاث العلمية الزراعية في عكار التابعة لوصاية وزير الزراعة وتتمتع باستقلالية مادية ومعنوية. قال الخوري: “يتضمن مركز أبحاث الزراعية في عكار مختبرات وأبحاثاً تطبيقية، ولكننا في عكار نقوم أيضا بدور إنمائي. فنحن نقدّم مشروعا يتضمن المشكلة والحل لجمعيات المجتمع المدني. لدينا مختبر لفحص التربة، مختبر لفحص المياه (الجرثومي والكيميائي)، مختبر لفحص زيت الزيتون، ومختبر لفحص الأمراض النباتية. وقمنا بنقلة نوعية في المركز، ففي 2011 كان لدينا 40 نوعًا لفحص التربة أما اليوم فتخطى العدد الألف. وهذا دليل التقدّم في ثقافة المزارع”.

يضيف الخوري “مهمتنا هي فحص التربة وفحص المياه والأخذ بالإعتبار حاجات المزروعات، فالبطاطا تحتاج لمواد غذائية تختلف عن البندورة على سبيل المثال، ونضع برنامج تسميد Fertilization Plan ونحن نفتخر أننا الوحيدون في لبنان الذين يقدمون هذه الخدمة. وبالتالي نخفّض الكلفة على المزارع ونعطي نتائج فعالة ونحافظ على البيئة والمياه الجوفية.  أما في ما يختص بالأبحاث التطبيقية، فنحن في المركز نختبر البذور والبذار للشركات وتحديدا للشركات التجارية التي تدخل أصنافا جديدة إلى السوق المحلي. والنتائج تأتي على شكل الإنتاجية والمقاومة للأمراض على عدة سنوات. وأيضا نختبر أنواع النايلون للبيوت المحمية. فالنايلون هو مجموعة خلطات وكل خلطة تسمح بمرور جزء محدد من الضوء للوصول إلى النباتات. وهو يؤثر على سرعة النمو ومقاومة الأمراض. كما نختبر الأدوية الحديثة التي تستقدم إلى لبنان. ونزرع في المصلحة أصنافا كثيرة من الزيتون والحمضيات. كما أن مركز الأبحاث الزراعية في عكار هو أول من أدخل معصرة الزيتون التي تعمل بدون ماء وتعطي زيتاً بجودة عالية يحتوي على المواد الغذائية الصحيحة”.

عن سهل عكار قال الخوري إنه يتضمن كل أنواع التربة: “بعد الدورات التدريبية التي نجريها للمزارعين وصلوا إلى مستوى ثقافة زراعية مرتفع يسمح لكل منهم معرفة ما تحتاجه أرضه. وعكار مشهورة بعدد كبير من الزراعات أهمها:

الحمضيات في الساحل، الزيتون في الوسط والساحل والتفاحيات في الجرد. محاصيل الحمضيات اليوم تتعرّض للمضاربة من كل الدول المجاورة منها سوريا وتركيا التي تنتج الحمضيات بكلفة أقل بكثير من لبنان. في لبنان الأراضي الزراعية ذات كلفة عالية تتوجه إلى العمران فقد ارتفع سعر متر الأرض الزراعية في سهل عكار من نصف دولار في 2003 إلى 100-200 دولار بحسب الموقع، وهذا ما يزيد الكلفة على المزارع. أما بالنسبة إلى الليمون فهناك مضاربة عالية جدا عليه حتى من مصر. عمر شجرة الليمون الإنتاجي هو 25 سنة فقط. ولكن في سهل عكار عمر الشجر تخطى الخمسين سنة أي ضعف عمرها الإنتاجي. وبالتالي باتت كلفتها أكثر من إنتاجيتها”.

وأضاف الخوري: “تم استبدال الحمضيات في سهل عكار بالبطاطا، السريع إنتاجها نسبيا (4 أشهر) والتي يسهل تصديرها إلى الخارج. ونتوقّع أن يتم التصدير عام 2018 إلى دول الإتحاد الأوروبي.

عام 2005 وقع لبنان على إتفاقية يسمح بموجبها بتصدير 50 ألف طن من البطاطا إلى الإتحاد الأوروبي. ومن 2005 إلى 2015 أي خلال عشر سنوات عند انتهاء مدة هذه الإتفاقية لم يتم تصدير أي حبة بطاطا لبنانية إلى أوروبا. والسبب يكمن في أن البطاطا اللبنانية لم تكن مطابقة لمواصفات الإتحاد الأوروبي، ولا توضّب بالشكل الذي يتلاءم مع متطلباته. بعد الأبحاث تم إعلان عكار منطقة خالية من الأمراض الحجرية، وهذه خطوة إلى الأمام نحو التصدير. وجرى العمل على اختيار النوع الأمثل من البطاطا التي تلائم المستهلك الأوروبي والتي تسهل زراعتها في سهل عكار مع الأخذ بالإعتبار أن هذه البطاطا يجب أن تتناسب أيضا مع المستهلك اللبناني كي لا تتلف هذه المنتوجات  في حال توقف التصدير لسبب أو لآخر. كما تم إنشاء السجل الحقلي للبطاطا  بالإضافة إلى كافة الفحوصات من فحوصات الأمراض الحجرية الى فحص التربة والماء وفحص رواسب الأدوية. وتعمل المصلحة اليوم على حل الإشكاليات المتعلقة بالتوضيب بما يتناسب مع المواصفات المطلوبة من الإتحاد الأوروبي”.

أنتجت عكار في أشهر نيسان وأيار وحزيران من سنة 2017 بين 75000 و80000 طن بطاطا. اما الإستهلاك اللبناني من البطاطا فيبلغ 50000 طن. وبالتالي إمكانية التصدير تتخطى ال20000 طن. ونتوقع أن ترتفع هذه الكمية إلى  50000 طن إذا ارتفع الطلب على البطاطا اللبنانية.

عن الآفات التي تعاني منها المنتوجات الزراعية العكارية قال الخوري: “كثر في الآونة الأخيرة الكلام عن تلوّث المياه خصوصًا مياه الري وتأثر جودة المحاصيل الزراعية بهذا التلوّث. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مصادر المياه هي مصادر نظيفة ولكنها تتلوّث بسبب دخول مياه الصرف الصحي من البلديات إلى مجاريها. ويجب التمييز بين التلوّث الجرثومي والتلوّث الكيميائي. فالتلوّث الجرثومي هو نتيجة المياه المبتذلة أما التلوّث الكيميائي فهو نتيجة الإستخدام غير الرشيد للأسمدة ومبيدات الحشرات. ولكن يبقى السؤال للذين يخافون على صحتهم فيستوردون المنتجات الزراعية من سوريا: هل المحاصيل الزراعية السورية المزروعة بأرض تضرب يوميًا بكل أنواع القنابل والمواد الكيميائية هي محاصيل لا نخاف أن نطعمها لأولادنا؟”.

وبالإضافة إلى غياب الرقابة الكافية على تطبيق الرزنامة الزراعية وفتح باب استيراد المنتوجات الزراعية على مصراعيه، نرى التاجر اللبناني يشتري المحاصيل الزراعية السورية ويبيعها بأسعار متدنية جدا. كما استبدلت أشجار الحمضيات بالبيوت المحمية التي تزرع فيها الورقيات والبندورة والخيار… ولكن في ظل النزوح السوري هناك ما يفوق المليون ونصف المليون نازح يحتاجون للطعام وهم إما يعملون في البيوت المحمية أو يستأجرون الأراضي ويزرعون ضمن البيوت البلاستيكية. وهذا ما أدى إلى انتشار واسع للبيوت البلاستيكية في سهل عكار. ولكن الخوف هو عند انتهاء الأزمة السورية. سيكون هناك كم هائل من إنتاج المزروعات ضمن البيوت البلاستيكية، فماذا سيحصل للإنتاج؟ والمفهوم الخاطئ والرائج لدى المزارع هو أنه يستطيع بيع البلاستيك والحديد ولكن سيتم تلف المحصول واستنزاف الأراضي. حتى أن بعض المزارعين تحولوا الى تجار وصاروا يستوردون من سوريا سعيًا وراء الربح السريع.

في ظل هذا الوضع، ما هو الحل لأزمة تصريف الإنتاج الزراعي في سهل عكار؟

يبدأ الحل بتثقيف المزارع اللبناني لتحسين إنتاجيته، وهذا ما بدأت تطبقه مراكز الأبحاث الزراعية، وتثقيف المزارع أيضا حول الطرق المثلى لعرض منتجاته بما يتلاءم مع السوق المحلية والخارجية. كما من واجبات الدولة دعم المنتجات الزراعية اللبنانية، ورصد الشاحنات المحملة منتجات زراعية من الجوار ومنعها من دخول السوق المحلية. وفي حال تعذّرت إمكانية تصريف كافة المحاصيل الزراعية يمكن اللجوء إلى مؤسسات الصناعات التحويلية التي تقوم بتجفيف الخضار والفاكهة وبتصنيع دبس الرمان والزعتر المعد للطعام، بحيث أن الفائض من المنتجات الزراعية يتحول إلى منتجات أخرى تبقى صالحة لفترة أطول.

وبالإضافة إلى ذلك يجب التكامل بين الدولة والمواطن لإيجاد أسواق لتصدير المنتوجات الزراعية المحلية ولتطوير زراعتها وتوضيبها بما يلائم الدول المراد التصدير إليها. وطبعا يبقى العمل على الفكرة الرائدة لابتكار أسس لخطة Delivery مباشر بين المزارع والمستهلك والتي تخفف من إحتكار التجار لأسعار السوق والتي تؤمن بيع منتوجات المزارع إلى مستهلك يعرف ماذا سيأكل.

“القوات اللبنانية” تدعم المزارع العكاري قولا وفعلا

كان لـ”القوات اللبنانية” يد في دعم وجود المزارع اللبناني في عكار. منسّق منطقة عكار في “القوات اللبنانية” الدكتور نبيل سركيس أضاء على دور “القوات” في تمسّك العكاري بأرضه وقال: “القضية التي تناضل القوات اللبنانية من أجلها هي بقاء اللبنانيين في أرضهم خصوصًا في عكار لأنها معروفة بالحرمان المزمن على كافة الأصعدة. ونحث كل أهالينا للعودة إلى أرضهم ونحاول مساعدتهم قدر الإمكان ببعض المشاريع الإنمائية وبخاصة التي تعنى بالمزارع. ومثال على ذلك بركة المياه التي سعت “القوات” للحصول على تمويل بقيمة 500 ألف دولار لتنفيذها في جرود القبيات ويستفيد منها عدد كبير من الأراضي الزراعية. وأيضا ساهمت “القوات” في ممنع بحفر بئر ماء لتستفيد منها الأراضي الزراعية المجاورة. وتعمل القوات اليوم على مشاريع أخرى لدعم المزارع”.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل