#dfp #adsense

كيروز – أخبِروا المحتل: “القوات” هنا… صارت وطناً لم تُحلّ

حجم الخط

 

رأى عضو كتلة حزب “القوات اللبنانية” النائب إيلي كيروز أن “القوات” استطاعت  أن تخرج من حربي الإلغاء في العامين 1989 و 1990 حيّة، ولكنها لم تَكن على تصالح مع جزءٍ من بيئتها وكنيستها، وكانت صورتُها مشوّهة ومشوّشة في الوجدانين المسيحي واللبناني.

وأضاف في كلمة ألقاها من معراب خلال حفل توقيع كتاب “النضال السري”  بمناسبة ذكرى خروج رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع من السجن:  “تسبب اعتقال سمير جعجع “بالضياع” للقواتيين والقواتيات، مع أن الحكيم كان لأيام يحضّر محاوريه “لهذه اللحظة الرهيبة”. لقد كانت الضربة على الرأس كما تقول العامة. في تلك الأيام كتب غسان التويني في إدانة صارخة للأجهزة الأمنية اللبنانية”.

وفي يلي نص الكلمة:

نحتفل اليوم بكتابٍ جديد، لمرحلة سابقة ما زالت حاضرة، للرفيق نجم الهاشم على مسافة أيام من الذكرى الثانية عشرة لخروج سمير جعجع من الزنزانة الى الحرية. لقد أردتُ، في هذه المناسبة، ومن موقع معايشتي للمرحلة، وفي سياق مناخ الكتاب وفيما يُعدّ استكمالاً لمضمونه، وبعد مرور اثنتي عشرة سنة على خروج الجيش السوري من لبنان، أن أقصّ عليكم وعلى اللبنانيين نبذةً عن قصة النضال السرّي، للجماعة القواتية، التي وبسبب موقفها المعارض للإحتلال السوري للبنان قرر النظام الأمني بكل بساطة أن يطيح بها وأن يشطبها من المعادلة السياسية اللبنانية.

 

– II سوريا والقوات وانتهاء الحرب.

انتهت الحرب في لبنان بسقوط المناطق المسيحية الحرّة في القبضة السورية وبهزيمة مدويّة للمسيحيين، وأحدثت الحرب المسيحية – المسيحية خللاً في تطبيق الطائف وفي الحضور المسيحي في الدولة.

استطاعت القوات اللبنانية أن تخرج من حربي الإلغاء في العامين 1989 و 1990 حيّة، ولكنها لم تَكن على تصالح مع جزءٍ من بيئتها وكنيستها، وكانت صورتُها مشوّهة ومشوّشة في الوجدانين المسيحي واللبناني. توقّع النظام السوري للمرّة الأولى أن تنهار القوات خلال سنة واحدة من بعد تسليم سلاحها وتوقّع على لسان أحد حلفائه أن يذهب سمير جعجع الى الولايات المتحدة ويفتتح مطعماً هناك. لقد رفضت القوات أن تُذعِن للمشيئة السورية واستمرت بسياسة المواجهة بعد سياسة المقاومة رغم الإنقلاب التام في موازين القوى الداخلية والإقليمية، ورغم ضيق الخَيارات أمام القادة اللبنانيين الإستقلاليين. وعندما انصرفت سوريا الى تطبيق خطتها للسيطرة التدريجية على لبنان، اصطدمت بموقف القوات المعارض لسياستها، وبدأ منذ خريف العام 1990 وحتى شباط 1994 مسار نزاعي بين سوريا والقوات وصولاً الى افتعال متفجرة كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994. لقد قررت سوريا الإقتصاص من القوات وسعت من خلال الإضطهاد والقمع والتنكيل الى تركيع المسيحيين السياديين ومحاكمة مقاومتهم التاريخية وخياراتهم في الحرية والسيادة والإستقلال وتلاحقت الضربات الأمنية والسياسية والإعلامية والقانونية. ومن ضمنها اغتيال المسؤولين القواتيين إيلي ضو وسامي أبو جودة وسليمان عقيقي ونديم عبد النور بالإضافة الى خطف بطرس خوند. وفي ظني أنه لم يتسنَ للبنانيين أن يواجهوا كفاية حقائق تلك المرحلة : من متفجرة كنيسة سيدة النجاة الى حل حزب القوات اللبنانية في 23 آذار 1994 الى اعتقال سمير جعجع في 21 نيسان 1994. لقد جاء موقف قائد القوات بُعَيد مجزرة سيّدة النجاة ليسمي الأشياء بأسمائها، فدعا الى تحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين وذكّر بوجود ثغر أمنية بأحجام كبيرة في مناطق عدة من لبنان. وقال : لن نخضع ولن نغيّر موقفنا.

 

III – كنيسة سيّدة النجاة واعتقال سمير جعجع.

وفي الكلمة التي ألقاها البطريرك صفير من على مذبح الكنيسة النازفة في 28 شباط، كشف أن الرسميين في الدولة أخبروه باحتمال وقوع الكارثة قبل أسبوعين، ولم تُتّخذ أي إجراءات لتجنبها كما قال غبطته. في هذه المرحلة، كانت مدينة بعلبك تحتفل بيوم القدس العالمي وسط عرض عسكري حاشد لحزب الله ظهر فيه مئات المسلحين. وفي الساعة التاسعة من مساء 21 نيسان 1994 تقدم سمير جعجع من باب الرانج الكُحلي وغادر الى الزنزانة رقم 6 في مديرية المخابرات في وزارة الدفاع. وفي هذا اليوم بالذات استُشهد فوزي الراسي تحت التعذيب في مديرية المخابرات.

تسبب اعتقال سمير جعجع “بالضياع” للقواتيين والقواتيات، مع أن الحكيم كان لأيام يحضّر محاوريه “لهذه اللحظة الرهيبة”. لقد كانت الضربة على الرأس كما تقول العامة. في تلك الأيام كتب غسان التويني في إدانة صارخة للأجهزة الأمنية اللبنانية، وفي وقفة تضامن مع الأبرياء: “نطلب رؤوساً كبيرة تتدحرج، ليس فقط رؤوس المنفذين بل رؤوس الذين لم يعرفوا كيف يحرِسوننا، ولا كيف يحمون وحدة الوطن والشعب من المقامرين، فمَضوا يضحكون منا وعلينا وعلى أنفسهم وعلى الدولة والقانون، كأنما الأمن هو زراعة الزلم والأنصار وتوزيع مغانم الحكم والأسلاب وبهرجة الأوسمة ومهرجنة الحواجز التي لم تعثر مرة على مجرم، والإستماع الى مخابرات الناس ومراقبة أنفاسِهم من غير أن تكشف مرة تآمراً، فتكتفي بدهم الأبرياء والتوقيفات الإعتباطية وانتهاك حقوق الإنسان”.

 

IV – الفريق القيادي في القوات ومنطق التنازلات.

عندما اعتُقِل سمير جعجع كنت أنا في بشري. لقد طرحتُ على نفسي كما طرحنا على أنفسنا، رفاقي وأنا، سؤالين :

– ما الذي أوصل القوات اللبنانية الى هذا المصير، وهل كان يمكن إنقاذ القوات دون أن تخسر نفسها؟

– كيف يمكن للقوات اللبنانية أن تحيا وتستمر مع سمير جعجع في الزنزانة ومن دون سمير جعجع حر؟  إن القوات بحاجة الى إدارة والى اتجاه سياسي.

لقد بدا واضحاً أن جزءاً من الفريق القيادي لا يثق ببعضه البعض وأن البعض لا يتجرّأ على التعبير عن رأيه أمام الآخرين. كما بدا أن الفريق عاجز عن قيادة القوات ومواجهة المرحلة. ولقد دعا من سمّيتهم يومها الإنتظاريون الى الجمود والإنتظار حتى تتغير الظروف فيخرج بتغيّرها سمير جعجع الى الحرية. ولقد سعى هؤلاء خلال المرحلة كلّها الى إثبات وجهة نظرهم. من هنا نشأت محاولات أربع لتحويل القوات اللبنانية من داخل القوات وبأيدٍ قواتية باتجاه سوريا والحكم اللبناني بحجة أن سوريا لن تخرج أبداً من لبنان. وكان العقل الأمني – اللبناني – السوري يراهن على سقوط مدوٍ للقوات اللبنانية بعد اعتقال قائدها. غير أن القوات تغلبت للمرّة الثانية على المنطق الأمني الذي وسمها بالكرتونية وبأنها رأس من دون جسد، إذ يكفي أن تقطع الرأس لتموت القوات اللبنانية.

V – موت القوات والعودة الى الحياة.

لقد خُيّل إلينا في ذلك الخميس الحزين, في 21 نيسان 1994، أن حياتنا قد انتهت. لقد استشعرنا في عظامنا وفي مفاصلنا طعم الموت. كان لهذا الحدث مفعول الزلزال في القوات اللبنانية وفي الوجدان القواتي. لم نكن نتصور أو نتوقع مثل هذا الأمر. لم نكن نتصور أن القوات يمكن ان تموت بكل بساطة وبكل هدوء. لقد ماتت القوات اللبنانية مع اعتقال سمير جعجع لأيام، لأسابيع ولأشهر فبدت كجثةٍ هامدة, كجسمٍ بلا نبض وكبيتٍ مهجور.

وكان لا بدّ من انتظار بعض الوقت لتعود القوات الى الحياة من خلال نضالها السرّي ولتواجه وحيدة مصيرها ولتعاود مسيرتها النضالية في مواجهة التحديات والأخطار.

وكان لا بدّ من انتظار بعض الوقت لتعاود القوات من خلال نضالها السرّي لملمة نفسها ولتكافح من أجل الشفاء من “البرص السياسي” الذي لاحقها منذ خروجها من الحرب وخلال أشهر في حقبة الإعتقال. لقد بدت القوات بعد اعتقال قائدها وطحن العشرات من كوادرها وشبابها وشاباتها، وفي مقدّمهم أنطوانيت شاهين، مكشوفة ومشرّعة على كل الإحتمالات السيئة. وكان لا بدّ من إعادة لملمة الوضع التنظيمي في مواجهة آلة الإحتلال والقمع ، وإيجاد “طريقة آمنة” لعمل الجسم القواتي في كل لبنان. وبدأت الإتصالات والإجتماعات مع الكوادر الأساسية انطلاقاً من ثلاثة قواعد : المناطق والطلاب والمهن الحرّة.

كانت ردّة الفعل إيجابية. لقد طرحنا السؤال : كيف نتجمّع من جديد بعد الضربات القاسية التي نزلت بنا والتي أصابتنا في العديد من الكوادر؟ كيف يمكن أن نبني شبكة اتصال وتواصل بين كل المناطق وفي ظروف أمنية صعبة؟ كيف يمكن أن نستعمل “السلاح الشعبي” في مواجهة السياسات الأمنية الصارمة؟ لقد أردنا أن نكون “جاهزين” مع انطلاقة المحاكمات في تشرين الثاني 1994.

وفي البدايات كان التعاطف مع القوات في البيئة المسيحية، السياسية والكنسية، مفقوداً بشكل شبه تام. وكانت المخابرات اللبنانية تعمل بلا كلل من أجل ترسيخ الصورة المشوّهة عن القوات. غير أن المجتمع السياسي اللبناني أصيب بالذهول عندما أيقن أن القوات، ومن خلال نضالها السرّي، وبالرغم من الإجراءات القمعيّة بحقها، تواصل الحياة والنضال.

لقد سعت القوات اللبنانية، في مرحلة أولى، الى كسر قانون الصمت المحدق بها وحملت الشعار “aidez – nous en parlant de nous” الى كل المحافل السياسية والحزبية والإنسانية والكنسية في الداخل والخارج. ولقد سبق الأب سليم عبو رئيس الجامعة اليسوعية السياسيين والمثقفين المسيحيين في موقفه المعارض في سلوكٍ جامعيٍّ مقاوم.

لقد كان إميل زولا، الأديب الفرنسي الكبير، مصيباً عندما دعا في ظروف الإحتلال الى التمسّك بفضيلة الإستنكار.

 

VI – الردّ القواتي.

ولم يتأخر الردّ القواتي في مواجهة الضربات وحملات الإعتقال.

ردّت القوات اللبنانية باستعادة الروح أولاً، باستعادة النبض، بالمنشور، بالبيان، بالكتابة على الحيطان، بالتحرك باتجاه الكنيسة المحلية والعالمية بقيادة البطريرك صفير والبابا يوحنا بولس الثاني، بالتحرك باتجاه المصالحة والتنسيق مع الأحزاب المسيحية المعارضة : حزب الكتائب اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار والتيار الوطني الحرّ. بالحراك الطلابي الكبير، بالحراك النقابي، بمخاطبة منظمات حقوق الإنسان اللبنانية والدولية، بمخاطبة كبار المسؤولين في العديد من الدول الأجنبية، بمخاطبة كلّ زائر مسؤول الى لبنان. بتقديم المذكرات والرسائل التي تتضمن شرحاً مفصّلاً عن الوضع اللاإنساني لقائد القوات اللبنانية وعن الممارسات التي تتعرض لها القوات اللبنانية، كما كانت تحثّ المسؤولين العالميين على العمل من أجل عدم ترك لبنان لسوريا.

وردّت القوات اللبنانية، بمرجعية مؤقتة على رأسها ستريدا جعجع ومعها مجموعة من الشباب بالثبات في الموقف السياسي، بتنظيم التظاهرات الى بكركي وساحة العبد وغيرهما، بإقامة القداديس في كنيسة القلب الأقدس في بدارو وفي إيليج وفي حريصا وكل المناطق، بإضاءة الشموع، وحتى بإرسال الأكاليل الى الجنازات باسم سمير جعجع، بتوزيع بطاقات المعايدة السنوية، بحركة كبيرة فاعلة للإغتراب القواتي وصمود شبابه بالرغم من كل ظروفهم الصعبة، بالمثابرة على حضور جلسات المحاكمة بحراسة بوليسية من فوج المكافحة يومها وسط حالة من الطوارئ داخل القاعة، بتصدّي المحامين للملفات المُفبركة رغم الضغوط الأمنية الكبيرة على المحامين وعلى الشهود، بالمشاركة القوية في الإنتخابات البلدية والإختيارية والتي شهدت في بيروت تحالفاً مسيحياً – سنياً مبّكراً، والتي أثبتت حضور القوات ودفعت اللواء غازي كنعان الى القول أن القوات اللبنانية هي جرثومة يجب استئصالها من المجتمع اللبناني، بصمود الشباب القواتي إزاء حملات الإعتقال الفردي والجَماعي وما رافقها من تعذيب ومحاولات إذلال ووحشية. ولقد تمّ استدعاء أكثر من 6000 شخص خلال حقبة الإضطهاد الى مديرية المخابرات في بيروت وفروعها في المناطق اللبنانية.

وردّت القوات اللبنانية بالمشاركة في استقبال الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي قام بزيارة الى لبنان في نيسان من العام 1996. وكانت الزيارة موضع جدل بين اللبنانيين. كان المسيحيون غير مرتاحين الى الزيارة لأنهم رؤوا فيها محاولة فرنسية للتستير على الواقع السوري في لبنان.

وردّت القوات اللبنانية بالمشاركة في استقبال البابا يوحنا بولس الثاني في أيار من العام 1997، في كل المحطات، وخاصة في محطة كنيسة سيّدة النجاة، ورفع شباب القوات اللبنانية صوراً لسمير جعجع ويافطات حتى بالبولونية تدعو الى تحرير لبنان وإطلاق سمير جعجع. بالمشاركة في لقاء قرنة شهوان الذي دعا الى انسحاب الجيش السوري من لبنان والى الحوار بين اللبنانيين. هكذا تبنى المسيحيون بشكل رسمي وعلني النضال الذي بدأت القوات اللبنانية بخوضه منفردةً منذ سنوات.

وردّت القوات اللبنانية بالمشاركة في مصالحة الجبل التاريخية بين الدروز والمسيحيين. لقد شكّل هذا التلاقي سابقة وخطراً على النظام الأمني المشترك. وجاء الردّ في 7 و 11 آب 2001. وكان وليد جنبلاط، ومنذ العام 2000، طالب بإعادة تموضع الجيش السوري في لبنان مخترقاً خطوط التماس المفروضة من نظام الإحتلال السوري على اللبنانيين مسيحيين ومسلمين ودروزاً.

أنا بصدد تحضير كتاب عن المرحلة الماضية.

 

VII – الخاتمة.

خلافاً لكلّ التوقعات الأمنية،

صمد سمير جعجع وصمدت القوات اللبنانية،

وأثمر النضال في أحلك الظروف.

في موازاة صمود سمير جعجع في المعتقل

عودته الى الحرية واستعادة القوات لمكانتها على الساحتين المسيحية واللبنانية.

وسأنهي بالمنشور الذي وزّعته القوات في الذكرى الخامسة لاعتقال سمير جعجع :

القوات هنا

أخبِروا المحتل

صارت وطناً لا، لم تُحلّ

في الدمع هي، في غضبة المقهور

في حقّ شعبٍ، في مسام النور

في العيون الشاخصة، في الصلبان

في إرادة النصر، في رجا الإيمان

في الأرض، في الصخر، في المعتقل

القوات هنا

أخبِروا المحتلّ.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل