ماذا تريد “القوات” من الإنتخابات؟

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1620

منذ ذهبت “القوات اللبنانية” إلى اتفاق الطائف كانت تدرك أن أساس هذا الإتفاق تحقيق التوازن من خلال الإنتحابات النيابية وأن هذه الإنتخابات هي التي تحدد مسار تركيب السلطة السياسية من انتخاب رئيس الجمهورية إلى تسمية رئيس الحكومة وتشكيل الحكومة. ولذلك اعتبرت “القوات” أن هذه الإنتخابات هي التي ستنظم الحياة السياسية لأنها ستعكس التوازنات الداخلية وصحة التمثيل استنادا إلى قانون انتخاب يؤمن هذه الأهداف. وهذا ما تريده “القوات” من انتخابات 2018.

منذ جولة الإنتخابات الأولى التي جرت بعد الطائف في العام 1992 لم تكن “القوات اللبنانية” في موقع المؤثر لا في اختيار قانون الإنتخاب ولا في تشكيل اللوائح ولا في تحديد المسارات والتحالفات. كانت “القوات” تحضر أساسا لانتخابات تحصل في الموعد الذي حدده الطائف في العام 1994 بعد أن يكون تم تنفيذ المرحلة الأولى من انسحاب الجيش السوري في العام 1992 بموجب ما نص عليه الطائف، ولذلك بدأت عملية الإشتباك السياسي والأمني مع سلطات الوصاية السورية. في تلك المرحلة كانت “القوات” تنتقل من التنظيم العسكري إلى التنظيم السياسي وكانت تستعد لخوض المواجهة ولكن القرار السوري كان مباشرا بعد سقوط حكومة الرئيس عمر كرامي في الشارع في أيار 1992 فتقرر إجراء انتخابات مزورة بمن حضر وعلى هذا الأساس كان القرار الواسع بالمقاطعة الذي شاركت “القوات” في التحضير له بالتنسيق الكامل مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

هذه المواجهة كانت قاسية على “القوات” وأدت إلى الملاحقات والإعتقالات وصولا إلى تفجير كنيسة سيدة النجاة واعتقال الدكتور سمير جعجع في 21 نيسان 1994. لم تكن سلطة الوصاية السورية تريد بأي شكل من الأشكال بقاء أي صوت معارض خصوصا أن “القوات” كانت انتقلت من التحضير لانتخابات 1994 إلى التحضير لانتخابات 1996.

هذه الإنتخابات كانت تكرارا لتجربة انتخابات 1992 مع بعض التعديلات السورية. قانون الإنتخابات تقرر في عنجر. اللوائح شكلتها المخابرات السورية. فقط تم استبدال بعض الأسماء ليس لسبب إلا لأن المسألة تتعلق بعلاقة هذه الأسماء مع النظام السوري. وفي كل هذه العملية كانت “القوات اللبنانية” خارج اللعبة وممنوعة من العمل السياسي تحت التهديد. وكانت وظيفة ذلك المجلس انتخاب العماد إميل لحود رئيسا للجمهورية وإقصاء رئيس الحكومة رفيق الحريري خصوصا بعد النجاح الذي حققه في الإنتخابات البلدية في بيروت.

في العام 2000 كان هناك نفس آخر في موسم الإنتخابات. بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان ووفاة رئيس النظام السوري حافظ الأسد كان هناك ثمة أمل بأن يكون هناك تغيير بسيط ولكن من ضمن حدود اللعبة المسموح بها. القانون الذي نظم تلك الإنتخابات سمي قانون غازي كنعان والهدف المعلن الذي كان وراءه إسقاط الرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط أو منعهما من تشكيل كتلتين نيابيتن كبيرتين خصوصا بعدما تم رصد بدايات تنسيق في المواقف مع البطريرك صفير ومع “القوات اللبنانية” التي كانت ارتاحت من مرحلة المحاكمات وعادت تستجمع قواعدها على الأرض. صحيح أنه لم يكن هناك مرشحون من “القوات” ولا كان هناك لـ”القوات” دور مباشر ولكن الشعور بانقلاب الأدوار لم يكن بعيدا عن “القوات” بعد النتائج التي تحققت في تلك الإنتخابات وأسقطت هيبة عهد الوصاية.

على رغم عودة الرئيس رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة نتيجة انتخابات ال2000 إلا أن ذاك المجلس، بعدما تم تحديد ولايته بأربعة أعوام وثمانية أشهر، كان مطلوبا منه التمديد للرئيس إميل لحود في العام 2004. ومع اشتداد الصراع على مصيرالمنطقة بعد أحداث 11 أيلول واحتلال أفغانستان والعراق ووصول الجيش الأميركي إلى الحدود السورية اشتد الصراع على لبنان.

بالقوة تم التمديد للرئيس لحود على رغم تحذيرات المجتمع الدولي وصدور القرار 1559، وبالقوة تم إقصاء الرئيس رفيق الحريري الذي أجبر على الإعتذار عن عدم تشكيل الحكومة بعد محاولة اغتيال الوزير مروان حماده في أول تشرين الأول 2004. كان النظام السوري يريد أن يستعيد السيطرة على الأرض وعلى المؤسسات وكان مدركا أن تحالفا جديدا سيكون بين الرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط و”القوات اللبنانية” والبطريرك صفير ولقاء قرنة شهوان وأن هذا التحالف سيتمكن من خلال الإنتخابات وبطريقة ديمقراطية من انتزاع الأكثرية النيابية التي يمكنها أن تعيد الإعتبار إلى المجلس النيابي وتعترض على طريقة الإدارة السورية للبنان ولو في ظل عهد الوصاية. إن تغييرًا بسيطا كان يمكن قبوله في ظل مرحلة عادية ولكن تغييرا من هذا النوع وبهذا الحجم في ظل متغيّرات دولية تطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح “حزب الله” لا يمكن التساهل مع أسبابه ومع نتائجه ولذلك كان قرار اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل انتخابات العام 2005.

لم يكن باستطاعة “القوات اللبنانية” أن تشارك في اللعبة الإنتخابية في ظل عهد الوصاية. خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 بعد ثورة 14 آذار أتاح لـ”القوات” بأن تكون داخل اللعبة. كان الدكتور سمير جعجع لا يزال معتقلا وكانت ستريدا جعجع تتولى عمليتي التنسيق معه في تسمية مرشحي “القوات” والتفاوض في الوقت نفسه مع رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط من أجل رسم صورة واضحة للتحالفات وعلى هذا الأساس كانت لـ«القوات اللبنانية» كتلتها النيابية الأولى وكانت المهمة الأولى لمجلس نواب 2005 إخراج الدكتور سمير جعجع من السجن في جلسته الأولى التي يعقدها وهذا ما حصل في 18 تموز 2005.

ولكن تلك الإنتخابات حصلت تحت ضغط الأحداث وكانت التحالفات أكثر أهمية من القانون لأنه لم يكن هناك أي مجال للبحث عن قانون جديد. وعلى رغم ذلك عادت “القوات” بقوة إلى الحياة السياسية مع عودة الدكتور سمير جعجع إلى الحرية. وعلى رغم أن قوى 14 آذار حققت أكثرية موصوفة داخل البرلمان إلا أن هذه الأكثرية السياسية والنيابية لم تنجح في إنهاء ولاية الرئيس إميل لحود الممددة ولا في انتخاب الرئيس الذي سيخلفه وبقي قصر بعبدا فارغا حتى نفذ “حزب الله” عملية الإنقلاب في 7 أيار 2008 وتم تفاهم الدوحة الذي على أساسه تم الإتفاق على الإنتخابات النيابية في العام 2009 وعلى القانون الذي ستجرى على أساسه وعلى تسمية النائب سعد الحريري رئيسا للحكومة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا الجمهورية. على هذا الأساس كانت انتخابات 2009 ولذلك بقيت نتائجها محدودة وبقيت كتلة “القوات اللبنانية” على حجمها وبقي تمثيل “القوات” في الحكومة محدودا ولا يعكس حضورها التمثيلي والشعبي وتأثيرها على الأرض.

عندما تعذر انتخاب رئيس للجمهورية في أيار 2014 خلفا للرئيس ميشال سليمان كان لا بد من كسر قواعد اللعبة. أرادت “القوات” أن تكون هناك عودة فعلية إلى الحياة السياسية التي تنظمها آلية الإنتخابات النيابية ولذلك أعلن الدكتور سمير جعجع ترشحه إلى الرئاسة على أساس برنامج الجمهورية القوية. وعندما بقي هذا الترشيح من دون أفق انتقل الدكتور جعجع إلى الخطوة التالية وهي تبني ترشيح العماد ميشال عون من معراب. هذا التفاهم مع “التيار الوطني الحر” أسس لقاعدة أن يكون رئيس الجمهورية ممثلا لبيئته أولا بحيث تنتهي آلية “تعيينه” التي اتبعت منذ عهد الوصاية وأسس أيضا للمطالبة بقانون انتخابات يعكس صحة التمثيل ويعيد التوازن إلى الدولة ومكوّناتها.

بعدما تحقق هذا القانون تبقى الإنتخابات. للمرة الأولى منذ العام 1990 يجب أن تكون هذه الإنتخابات مقياسا للتمثيل السياسي الصحيح. ليست المسألة بسيطة. إنها تتعلق بحسابات دقيقة وبدراسة واقعية للتحالفات ولحجم الكتل التي ستتشكل ولوظيفة المجلس النيابي الجديد وللحكومة التي ستكون بعده ولانتظام الحياة السياسية واستعادة دور المؤسسات لأن المرحلة التي تمر فيها المنطقة اليوم لا بد من أن يكون لها تأثير على لبنان ليس من باب التغيير في التركيبة اللبنانية بل من خلال انعكاس التغيير الكبير في المنطقة على هذه التركيبة وجعلها أكثر حرية وديمقراطية. ولذلك تركز «القوات» اليوم على حشد أكبر جهد ممكن من أجل الإنتخابات وتبحث عن مروحة واسعة من التحالفات قبل الإنتخابات وبعدها لأن المنافسة في مرحلة الذهاب إلى الإنتخابات لا تعني حكما أن لا تفاهم بعدها ولذلك يبنى على النتائج التي ستتحقق لأنها ستكون الطريق نحو استعادة السلطة السياسية من دون تدخلات خارجية إلا تلك التي تشكل حماية للدولة وللعبة الديمقراطية فيها. ومن هنا يمكن فهم المسار الذي سلكته “القوات” من خلال طريقة مشاركتها في الحكومة. مشاركة بمسؤولية وبإدراك لكلفة تلك المسؤولية. وإذا كانت النظرة إلى “القوات” باتت تعكس تطلعها إلى الدولة القوية ومحاربة الفساد، فإن ما تطمح له “القوات” أن تكون انتخابات 2018  بداية جديدة لتوسيع هذا الدور ونقل التجربة إلى مستويات السلطة المختلفة.

 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل