
بعيداً عن هويتي القواتية التي افخر بها، بعيداً عن انتمائي لمجموعة آمنت بقضيتها فصرت وهي جزءاً لا يتجزأ.. أكتب اليوم كشابة تريد لبنان الدولة.. لبنان اولاً… لبنان الذي لا تنال منه الرياح العاتية ولا تلويه المصائب أو الويلات.
بالأمس كنت في معراب، هناك في تلك القاعة التي ضجت بالمئات في الذكرى الـ12 لخروج رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع من السجن، في حفل ضخم تم خلاله توقيع كتاب “القوات اللبنانية.. قصة النضال السري – 1994 – 2005” للكاتب نجم الهاشم.
توقعت ان يكون الحفل روتينياً، كلمات من هنا ومجاملات من هناك، كأغلب احتفالات تواقيع الكتب في لبنان، وبعدها نحصل جميعنا على الكتاب، اما قلة قليلة فتقرأه.
إنطلق الحفل بكلمة نارية للهاشم، كلمة نضالية، فيها عمق التضحية والفكر القواتي الصلب الذي انتصر من تحت آبار الجهل والقمع ومحاولات الإلغاء السياسية والعسكرية… “نقطة نقطة صرنا بحر وهني بقيوا نقطة ببحر”.. قالها بالفم الملآن فرنت في أذن معراب وضيوفها، وحكماً في أذن ذلك المحتل المنهزم الساقط بين شعبه وفي ارضه، وفي اذن ادواته التي نضالنا مستمر لسقوطها.
مع كلمة رئيس الحكومة سعد الحريري ممثلاً بالوزير جان اوغاسبيان، وبعدها كلمة رئيس اللقاء الديمقراطي ممثلاً بالنائب اكرم شهيب، لمعت امامي لثواني مشهدية “14 آذار”، شعرت ان تلك القاعة البعيدة عن المدينة بثت من جدرانها من جديد روحية، يوم تنتهي، ينتهي لبناننا يغرق ويقع.. ما كان يحصل في معراب كان حكماً استثنائياً. كان تأكيداً جديداً ان خروج “الحكيم” من السجن موثق ومرتبط ارتباطاً لا يمكن فكه عن “14 آذار” الفكر، “14 آذار” الوجود الذي لولاه لكان المحتل لا يزال “ضيف الشرف” في شمالنا، جنوبنا وبقاعنا، متننا، بيروتنا، واينما كان في أرضنا.
اعتلى المنبر النائب ايلي كيروز، قليل الكلام، الهادئ دائماً.. فجر آبار الفكر النضالي، ليؤكد انه رجل استثنائي بفكره في “القوات اللبنانية”، مثقل بالتجربة والثقافة واليقين. كلمة كيروز لم تفسر كتاب الهاشم فحسب بل اضاءت على صاحبها، اضاءت على فكره القاطن في صلب “القوات” وما هو الا منها وهي منه.
“الصبية بقيت بيسوع الملك، وفات حي يسوع الملك التاريخ”.. القصة التي تلاها الحكيم كانت رائعة واقعية.. توقعت ان تكون كلمته عاطفية في ذكرى تمسه لهذا الحد، وكعادته فاجأني وفاجأ الحضور.
توجه جعجع للأجيال الشابة بإعتراف شعرت انني ارتجف وهو يتحمل مسؤوليته امامنا: “بوصيكن قبل ما توقعو ع أي اتفاق تأكدو من الطريقة يللي بدو يطبق فيها، إتفاق الطائف منو عاطل بالمضمون، ولكن ما سمحو بأي يوم انو يِترجم متل ما لازم”..
حسناً، صدمت عندها، مَن مِن القادة الذي يملك حزبه هذا الحجم الوطني ولوزرائه سيرة حكومية شفافة معترف بها من الخصوم قبل الحلفاء، ان يقول ما قاله “الحكيم”.. اجزم ان احداً لا يفعلها!.
اكمل جعجع كلمته، ليؤكد على فكر “14 آذار”، قائلاً: “البعض يعتبر أن قصة النضال السري بدأت عام 1994 وانتهت عام 2005، ولكن في الواقع النضال السري مستمر ولن ينتهي قبل أن تحقق “14 آذار” انتصاراً نهائياً”.. توقع الكثيرون يا “حكيم” انك نسيت او تناسيت “14 آذار”، اتهموك طويلاً بالتنكر لمبادئك منذ لحظة التحالف المسيحي المسيحي الذي ارعب كثيرين، وها انت مرة جديدة تؤكد ان القافلة تستمر، تؤكد ان “14 آذار” حية فينا، نحن الذين ناضلنا قبل ان يناضلوا، وقاومنا يوم كانت المقاومة خطيئة كبرى.
اضاء جعجع ايضاً على اختلافه والشهيد رفيق الحريري عن طريقة المقاومة، حيث كان يقول له: “شو بنعمل يا حكيم، الجيش السوري مليان لبنان”.. وقال الحكيم بالأمس” الايد يللي ما فينا عليا بحياتنا ما رح نبوسا وندعي عليها بالكسر”، ودعا الجميع ليعتمدوا طريقة “القوات” امام اي محتل..
اخطأت التقدير.. لا لم يكن توقيع كتاب روتيني، لأنه كتاب لتاريخ شعب، تاريخ مقاومة وحياة، تاريخ حفر في التاريخ واصبح أمثولة للمبادىء والنضال والصمود.
