#adsense

الحرب الإفتراضية: في ملف النازحين… ولعت!

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1620

الحرب الإفتراضية: في ملف النازحين… ولعت!

ليس في كل مرة تسلم الجرة والعودة هي الحل

تحت شعار “دعمًا للنازحين السوريين” وعلى خلفية مداهمة الجيش مخيمي النَّوَر والقارية وتوقيف عدد من الإرهابيين والمشتبه فيهم ووفاة أربعة منهم، كانت الدعوة الإفتراضية على مواقع التواصل الإجتماعيَ من خلال ما سُمَي بموقع “إتحاد الشعب السوري” للتجمع والتظاهر في ساحة سمير قصير في وسط بيروت. انتشر الخبر و… “ولعت” على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي.

ثمة من قال إن الكلام التحريضي والتحقيري في حق الشعب اللبناني والمؤسسة العسكرية لا يعبّر إلا عن مطلقيه، أو على الأقل لا يعكس وجهة نظر شريحة النازحين من نظام الأسد وبراميله الكيميائية. صحيح. لكن الصحيح أيضا أنه لولا تماسك اللبنانيين وتضامنهم الكامل مع الجيش اللبناني ولولا حكمة القيمين على المؤسسة العسكرية لانتقلت شرارات الفتنة والحرب من عالم الإفتراض إلى الواقع.

أُقُفل الموقع. أوقف المحرّض. وأُنطفأت صفحات المحرضين. لكن ماذا على أرض الواقع؟ هل كانت أحداث عرسال الأخيرة وراء تفجير هذا الكم من الحقد والتحريض والكلام المعبأ بالعنصرية والغضب على الشعب اللبناني وجيشه، أم أن خيوطا أخرى بدأت تتكشف مع الكلام الرسمي عن ضرورة عودة النازحين السوريين إلى بلادهم؟ ما هي الخطوات الواجب اتخاذها لتفادي نشوب حرب مماثلة وهذه المرة على أرض الواقع؟ وماذا لو استيقظ مارد محرّض جديد و”ولّعها” هذه المرة على أرض الواقع؟

قيل إن لبنان نجا من قطوع أزمة ذاك الثلاثاء 18 تموز كادت أن تتسبب بتوترات أمنية وربما بثلاثاء أسود نتيجة تحول دعوة التظاهر للتضامن مع النازحين السوريين على خلفية أحداث عرسال الأخيرة ووفاة أربعة موقوفين سوريين قبل بدء التحقيق معهم إلى دعوات للتحريض على المؤسسة العسكرية، ما دفع بأهالي شهداء الجيش اللبناني إلى رفع كتاب علم وخبر إلى محافظ بيروت زياد شبيب للتظاهر دعما للجيش اللبناني في نفس المكان وفي الموعد نفسه الذي حدده موقع “إتحاد الشعب السوري في لبنان». فكان الرد الرسمي من وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي أعلن عن عدم منح أي تراخيص للتظاهر. وقبل أن تشرق شمس ذاك الثلاثاء ويتحول إلى يوم أسود كانت القوى الأمنية ألقت القبض على المحرض بعد اقتحام مكان إقامته في حي التعمير في مخيم عين الحلوة. وفي التحقيق معه اعترف بأنه أسس موقع «إتحاد الشعب السوري في لبنان” وهي ليست المرة الأولى التي يفتح فيها حسابا تحريضيا مماثلا، إذ سبق وأنشأ موقعا مماثلا لكن التحريض كان يهدف إلى إثارة النعرات بين اللاجئين الفلسطينيين والشعب اللبناني.

المحّرض بات في أيدي القوى الأمنية والحرب الإفتراضية انطفأت على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي. وفتح الباب على جملة أسئلة: من هي  الجهة التي تقف وراء هذا المحرّض الذي كاد بين ليلة وضحاها أن يشعل حربا وينقل الشحن الطائفي والعنصري من الإفتراض إلى ارض الواقع؟ لماذا ارتفعت حدة العنصرية بشكل غير مسبوق ولماذا الهجوم الشرس على المؤسسة العسكرية والتعرض للجيش اللبناني بأبشع العبارات المسيئة للمؤسسة وشهدائها وكرامتها؟ ربما غاب عن بال المحرّض ومن وراءه أن الجيش خط أحمر بالنسبة إلى كل كل اللبنانيين، وأن رهانه ورهانهم على الأصوات المحرّضة على الجيش بإسم حقوق الإنسان والإنسانية هي مجرد تفاصيل ولا تتجاوز الطفيليات التي تنبت في كل مجتمع.

الحملة المضادة التي شنها اللبنانيون من كافة الأطياف والمكونات الإجتماعية على المحرضين على الجيش اللبناني رسمت مشهدا أقل ما يقال فيه إنه غير إفتراضي.  منها ما تجاوز حدود اللياقات الإجتماعية وهي حتما لا تعبر لا عن أخلاقيات المؤسسة العسكرية ولا عن ثقافة البيوتات اللبنانية. لكنها أثبتت أن ثمة احتقاناً ما داخل المجتمع اللبناني وقد وصل إلى حد الإنفجار فكانت الدعوة إلى التظاهر والردّ على الدعوات المحرضة على الجيش اللبناني التي ساهمت في تنفيس هذا الإحتقان. وجيد أنها انحسرت في العالم الإفتراضي.

لكن من يراهن على عدم تكرار هذا السيناريو؟ ومن قال إن هذا السيناريو ليس إلا مقدمة لما يمكن أن يحصل على أرض الواقع فيما لو تكررت الدعوات المحرضة على اللبنانيين بدءا من موقع رئاسة الجمهورية وصولا إلى آخر لبناني يعيش في المناطق الجردية؟ من قال إن هذا السيناريو لا يعكس أيضا حجم الإحتقان لدى شريحة واسعة من النازحين وبينهم عدد كبير من الموالين للنظام؟ وهل تنسحب مشهدية اندلاع شرارة حرب العام 1975 وأحداث العام 1967  على مشهدية الحرب الإفتراضية التي اندلعت على مواقع لتواصل الإجتماعي بين المغردين اللبنانيين الداعمين للجيش اللبناني والمغردين المحرضين على المؤسسة العسكرية ؟

صاحب موقع ليبانون فايلز ربيع الهبر استبعد هذه المقاربة “لا المشهد يشبه نفسه في العام 1975 ولا حتى السيناريو. اليوم هناك وحدة والتفاف حول المؤسسة العسكرية والجيش أكثر تماسكا ويشكل رزمة واحدة. قيادته موحدة وكذلك قرارها”. وهل يتكرر سيناريو ذاك الثلاثاء الذي نفضت عنه وحدة اللبنانيين والتفافهم حول المؤسسة العسكرية سوداويته؟ يجيب: “يمكن الرهان على ذلك إذا ما بقي اللبنانيون موحدين حول الجيش اللبناني. وفي الموازاة على النازحين السوريين أن يتصرفوا كرعايا أجانب ضمن دولة ذات سيادة والباقي تضمنه القوى الأمنية ووعي اللبناني المهم أن لا يكون هناك سلاح منظم ضمن مجموعات النازحين السوريين”.

مما لا شك فيه أن حكمة المسؤولين في الدولة اللبنانية رفعت من سقف الضمانات على أرض الواقع وساهمت في ضبط الشارع من التفلت الذي كان ممكن أن يحصل “وهذا ما كان مفروضا بالإضافة إلى الجرأة والتضامن السياسي والشعبي مع مؤسسة الجيش اللبناني”، يقول النائب السابق صلاح حنين، ويضيف: “المرحلة لا تحتاج إلا إلى هذه الهرمية. علينا ان نضع مصلحة الوطن في الأولويات وأن يكون التعاطي مع هذه المسألة مكللا بالحكمة لا سيما داخل المؤسسة العسكرية التي تشكل الذراع الأيمن للسلطة السياسية والتماسك حول خطة سياسية واضحة”.

يجزم حنين أن ملف النازحين السوريين شائك ومهم جدا وبعد سبعة اعوام تكشفت أمور كان يمكن تفاديها واتخاذ قرارات استباقية لعدم الوصول إليها. وفي هذا السياق يقول حنين: “المخيمات وجدت لإيواء النازحين وليس لأن تتحول إلى أوكار لإيواء الإرهابيين والخارجين عن القانون”. ولفت إلى أن المشروع الذي قدمه الرئيس ميشال عون قبل وصوله إلى سدة رئاسة الجمهورية لجهة إيجاد مواقع محمية للنازحين السوريين داخل الأراضي السورية مما يحميهم من مخاطر الحرب وويلاتها والمشروع الذي أعده حزب “القوات اللبنانية” ورفعه إلى الكتل النيابية ويتضمن خارطة عودة النازحين السوريين إلى المناطق الآمنة، وموافقة رئيس الحكومة سعد الحريري على المشروع، هذا التكتل حول هذا المشروع من شأنه إيجاد الأرضية السليمة لعودة النازحين تحت رعاية دولية وإلا المسألة ما عادت تتحمل الإنتظار. ولفت إلى ضرورة التحرك والعمل لضبط الوضع خارج مخيمات النازحين السوريين وداخلها على ان تتزامن مع خطة إنسانية وسياسية واضحة لتفادي أي ضرر ممكن أن يطال النازحين السوريين وضمان وحدة النسيج اللبناني. “وإذا ما مشينا بالموضوع بجدية منكون عم نشرّع البواب على مشاكل كبيرة نحنا بغنى عنها”. وختم حنين: “نحن أمام فرصة ذهبية هناك خطة واضحة لعودة النازحين السوريين وإرادة وطنية واضحة وتضامن سياسي حول هذه المسالة وعلينا ان لا نفوت هذه الفرصة وكل كلام عن عودة سيناريو ال75 ليس دقيقا. لأنه لكل مرحلة حيثياتها وظروفها. ولكل حالة مخارجها في ما لو سعينا إلى إيجاد مخارج لها”.

على صفحات ورقة العمل التي أعدها حزب “القوات اللبنانية” ورفعها إلى الكتل النيابية ما يشبه خارطة الطريق لمساعدة النازحين السوريين للعودة إلى سوريا، وتحديدا إلى المناطق الآمنة لا سيما إلى الجنوب السوري حيث هناك تواجد روسي اميركي وإلى المنطقة الشمالية الشرقية. وكل منطقة تفوق مساحتها مساحة لبنان بأضعاف وتتمتع ببنى تحتية كافية لاستيعاب النازحين العائدين. هذا على مستوى النازحين المعارضين لنظام بشار الأسد. أما الموالون وقد ظهروا في ما سمي بالإنتخابات السورية فعودتهم يحب أن تكون أسرع وحتمية خصوصا انهم يتنقلون بين لبنان وسوريا بشكل دوري فلماذا يصرون على العيش في خيم النازحين؟

ربما يفترض ان تبدأ خطة عودة النازحين إلى سوريا من هنا. من هذه الشريحة من النازحين الموالين لنظام بشار الأسد. سمير جعجع قال هذا الكلام في لقاء مع الإعلاميين في معراب وردده أمام مسؤولين ومستشارين دوليين ووزراء ونواب خلال المؤتمر الذي نظمه حزب “القوات” بالتعاون مع مؤسسة «كونراد اديناور” في معراب بعنوان: “أين لبنان من التحديات الإرهابية والأمنية في المنطقة؟” وقال “هؤلاء الناس لا مشكلة لديهم مع النظام فلماذا لا نبدأ بهم ونعيدهم إلى بلادهم؟ فليتوجهوا إلى أماكن سيطرة النظام وهكذا سيخف العبء عن لبنان وهذا القرار يحتاج إلى كلمة من الحكومة اللبنانية. والأهم عدم تسييس الموضوع لكي لا يتم اتخاذ قرار سياسي نحن في غنى عنه لأن أي تسييس للموضوع واي طرح لفتح علاقات من جديد مع النظام السوري من شأنه ان يعرقل عودة النازحين… حان الوقت لأن تعمل الحكومة اللبنانية بالتعاون مع المؤسسات الدولية على إعادة النازحين”.

الثلثاء 18 تموز. مرّ القطوع. والحرب الإفتراضية التي اندلعت على مواقع التواصل الإجتماعي انطفأت شرارتها. لكن فتيل القنبلة الموقوتة داخل مخيمات النازحين لا يزال قائما. فهل تسلم الجرة في ما لو استفاق مارد محرّض جديد؟

ليل الثلاثاء فيديو جديد مسرَب يجتاح مواقع التواصل الإجتماعي. أشخاص مجهولون يتعرضون لسوريين بالضرب والركل والشتائم. اشتعلت الحرب من جديد على جبهات الفايسبوك لكن هذه المرة بلمسات إنسانية مطعمة بنفحات العنصرية.

مين مع مين؟ ومين ضد مين؟ كلمة الفصل في يد اللبنانيين والقيادات الأمنية والمؤسسة العسكرية وموقف الحكومة من مسألة عودة النازحين إلى سوريا برعاية دولية. وإلا ليس في كل مرة…

للإشتراك في “المسيرة” Online: 

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل