#adsense

التجميل يتفوّق على التعليم… القروض المصرفية مشكلة أم حل؟

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في المسيرة – العدد 1620:

 في عز الأزمات المتوالية على لبنان ثمّة من يؤكد أن أرقام الإنفاق ظلت مرتفعة لدى الأسر أو أصحاب المداخيل. وفي الأرقام ما يثبت ذلك. واللافت أنه في حين يتكدّر المواطنون من أي عبء إضافي على موازناتهم، لا يترددون في الإنفاق الزائد على أمور مصنّفة كمالية، كالتجميل والأناقة والترفيه وغيرها، ويصل الأمر بالبعض إلى الإقتراض من المصارف لتلبيتها. وقد لاحظ مطورو الخدمات والمنتجات المصرفية ذلك، فابتكروا قروضا تلبي هذا الطلب ومنها قرض التجميل أو قرض السفر أو قرض تبديل أثاث المنزل والتي لاقت إقبالا كبيرا، ما جعل مراكز الدراسات المصرفية نفسها تكب على دراسة هذه الظاهرة والبحث في دوافعها وتداعياتها سواء على الفرد أو على الإقتصاد ككل.

تنتشر القروض المصرفية لحاجات غريبة وغير ملحّة في عدد من دول العالم وليس في لبنان فقط، وإن كان لبنان تميّز بفئات من هذه القروض مثل قروض التجميل، تلك الصناعة التي راجت في شكل لافت خلال العقد الأخير نظرا للطلب عليها من جهة وللمردود المتأتي منها من جهة ثانية. فعرفت مصر مثلا قرض تعدد الزوجات، وأطلقت بعض الدول الغربية قرض اقتناء الحيوانات الأليفة وأبرزها الولايات المتحدة. فيما بادر بعض المصارف في إيطاليا إلى طلب جبنة «البارميزان» الثمينة كضمان مقابل قروض للمنتجين المحليين.

اللافت في لبنان بحسب المصرفيين، الإقبال على القروض المصرفية، حتى ما يقدّم منها لحاجات غير ملحّة وغير معيشية. وهو ما يشكّل نسبة عالية من صيرفة التجزئة، وكذلك تشكل أقساطها نسبة عالية من مداخيل اللبنانيين، حتى محدودي الدخل منهم. هذا الأمر دفع البنك المركزي إلى الطلب من المصارف التشدد حيال منح القروض والتأكد من ملاءة طالبيها تجنبا لتحوّلها إلى ديون هالكة.

أمثلة ودلالات

في العام 2007 انشغل الرأي العام اللبناني بالإعلان الذي أطلقه «فرست ناشونال بنك» عن تقديمه قرضا للتجميل. يقول مدير وحدة القروض في البنك يومها ماهر مزهر إن «فكرة القرض انطلقت من كون العديد من اللبنانيين تعرّضوا للإصابات خلال الحرب وباتت لديهم تشوهات، مع ما لذلك من أثر نفسي وليس جسدياً فقط. ومع ارتفاع تكلفة تلك العمليات وعدم تغطيتها من قبل الهيئات الضامنة، كان من الطبيعي ألا يتمكن الأشخاص غير الميسورين من تحمّل أعباء تكاليف تلك الجراحات. فقرر البنك أن يتمايز بهذا القرض وسط المنافسة المصرفية لاجتذاب أكبر شريحة ممكنة من الزبائن. لكن بعد إطلاق القرض، تبيّن أن النسبة الأكبر من المهتمين كانت من أشخاص سليمين يرغبون في إجراء عمليات تجميل وليس ممن لديهم تشوهات بنتيجة الحرب أو الحوادث». ويضيف مزهر أن «فتاة تقدمت يوما بطلب قرض تجميل علما أن حالتها الجمالية لم تكن تستدعي ذلك ومدخولها غير عالٍ. وهو وإن كان يسمح لها بالإقتراض بحسب قوانين المصرف، إلا أن عدم وجود ما يبرر الإقتراض جعلني أرفض الطلب».

يجسّد هذا المثال مدى ميل اللبناني للظهور بمظاهر الترف والأناقة والجمال، بغض النظر عن الطريقة التي يحقق من خلالها ذلك أو كلفة تحقيقه عليه. اليوم وبعد عشر سنوات على إطلاق القرض، أفاد مصدر مسؤول في «فرست ناشونال بنك» أن الإدارة ارتأت وقف العمل به منذ فترة كقرض مستقل مخصص للتجميل، لافتا إلى أن القرض الشخصي يمكن أن يتضمن اي وجهة إنفاق يريدها المقترض. ولا تتدخل المصارف في وجهة إنفاق القرض ما دامت شروط الإقتراض والضمانات المصرفية مؤمّنة. وأشار إلى أن بعض الذين يحصلون على قروض شخصية يستخدمونها لإجراء عمليات تجميل، لافتا إلى أنه لا يمكن إحصاؤهم لأن ذلك ليس موثقا في العقد.

هل كان قرار وقف القرض لأسباب حسابية مصرفية أم لأسباب أخرى؟ يجيب المصدر المذكور، «أن هناك أسبابا عدة متداخلة أدت إلى التقرير في هذا الشأن، لكن لا شك في أن الغاية الأساس منه كانت مساعدة من تعرضوا لتشوهات في زمن الحرب وغير قادرين على معالجتها، وليس للتشجيع على ممارسة الترف التجميلي الرائج حاليا في لبنان. واعتبر أن من ليس في حاجة لتجميل وليس لديه الفائض المادي من مداخيله، فليس على المصرف أن يوفر له هذه الخدمة إذا لم تتأمن الأهداف المصرفية من المنتج».

والقرض الذي كان الأول من نوعه في لبنان والشرق الأوسط لتمويل مصاريف عمليات التجميل على أنواعها، مع موافقة سريعة ومن دون ضمانات كبيرة، وصل لغاية 5 آلاف دولار أميركي ومدة التقسيط لغاية 24 شهراً، وبفائدة 6 في المئة. وكان المصرف يتلقى حوالى 200 زيارة وإتصال في اليوم الواحد بهدف الإستفسار للحصول على قرض تجميل. ووصلت نسبة الإناث بين الراغبين في الحصول على قرض 68 في المئة والذكور 32 في المئة. أما متوسط المداخيل الشهرية لطالبي قرض التجميل فبلغ 800 دولار أميركي.

مؤشرات لافتة

في السياق، يقول أصحاب مراكز وعيادات تجميل أنه قبل عشر سنوات تقريبا، لم تكن مثل هذه الجراحات بمقدور الجميع بل الأثرياء فقط. أما الآن فإنهم يستقبلون زبائن من مختلف طبقات المجتمع. ويتبين أيضا أن العديد من الفتيات اللاتي تراوح أعمارهن بين 18 و22 عاما ولا يتجاوز دخلهن الشهري الـ 600 دولار، يرغبن في إجراء جراحات تجميلية. وتشير بعض الأرقام المتداولة إلى أن نسبة 55 في المئة من اللبنانيات يجرين عمليات تجميل. وتشكل النساء 88 في المئة ممن أجروا مثل هذه العمليات والرجال 12 في المئة. وبذلك، تفيد الدراسات بأن المرأة اللبنانية تحل في المرتبة الثانية عالميا بإجراء عمليات تجميل، فيما تحل البرازيلية في المرتبة الأولى.

ففي السنوات الماضية اجتاحت ظاهرة عمليات التجميل المجتمع اللبناني، ولم تعد تقتصر على الإناث فقط، إذ بات عدد لا بأس به من الرجال يلجأ إليها أيضاً. لكن ارتفاع كلفة هذه العمليات، كان يشكل عائقاً أمام بعض الراغبين في إجرائها. غير أن هذه العقبة أزيلت إلى حد كبير بعدما بات متاحا الإقتراض المصرفي بوجوه مختلفة. الأمر الذي ساهم في ارتفاع نسبة من خضعوا لعمليات تجميل إلى 500 في المئة خلال سنوات قليلة.

لكن مسألة الإقبال العالي على الإقتراض وإن كانت ذات ميزة تسهيلية على المواطن ومردود ربحي للمصرف، إلا أنها في حال تخطيها النسب المعقولة وفي حال الأوضاع الإقتصادية غير المريحة كالوضع الذي يمر به لبنان اليوم، تصبح عبئا يبلغ مشارف الخطر، على المقترض والمصرف معا. وهذا ما يراقبه مصرف لبنان ويعمل على التحكم به وضبطه. فعدد المقترضين في لبنان بلغ عتبة المليون مقترض خلال العام 2016. فيما بلغ عدد القروض نحو المليوني قرض. في حين وصل حجم تسليفات القطاع المصرفي إلى حوالى الـ 50 مليار دولار.

وتطال القروض في لبنان كل تفاصيل الحياة من التجميل إلى السفر، فقرض السكن والأثاث، إلى قرض السيارة والقروض الجامعية، والقرض الشخصي. ونتيجة لهذا الواقع أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تعميماً طلب فيه رفع المؤونات الإجمالية المطلوب تكوينها من المصارف مقابل محفظة قروض التجزئة بنسبة 0.5 في المئة سنوياً، على مدى ست سنوات. وهدفَ هذا التعميم إلى حماية المصارف من مخاطر ارتفاع نسبة القروض. كذلك طلب زيادة الضمانات على المقترضين لحمايتهم من الوقوع تحت وطأة الديون المتزايدة التي تفوق قدرتهم على السداد. وقد لجأ المصرف المركزي إلى هذا الإجراء بعد ملاحظته ارتفاعا كبيرا في مديونية الأسر اللبنانية تخطى الـ 50 في المئة من مجمل مدخولها، وارتفاع مديونية القطاع الخاص من شركات وأفراد وأسر إلى 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. والسؤال اليوم، إلى أي مدى يؤثر هذا الواقع في نسب الإقراض وشروطه؟ وهل تؤثر صعوبة الوضع الاقتصادي والمعيشي على إمكانية السداد؟ وما موقف المصارف الخاصة والمصرف المركزي؟

المركزي يُطمئن

يُوصف الاقتصاد اللبناني بأنه اقتصاد التسليفات والقروض بامتياز. فقد تجاوزت قيمة القروض في لبنان الـ 55 مليار دولار ما عدا ديون الدولة. في حين يبلغ حجم الاقتصاد اللبناني نحو 50 مليار دولار. وفي الأرقام وحتى نهاية العام الماضي، بلغت قيمة القروض من المؤسسات المالية الى اللبنانيين حوالى 110 في المئة من الناتج القومي العام في لبنان أي من حجم الاقتصاد اللبناني، بزيادة 4 في المئة مقارنة مع العام الذي سبق.

من هذا المجموع، بلغت القروض الشخصية 17.11 مليار دولار، وهو مبلغ لافت مقارنة مع حجم الإقتصاد الوطني. فكيف يقرأ الإقتصاديون هذه الأرقام، علما أن قروض التعليم لا تشكل أكثر من واحد في المئة من مجموع القروض؟ وكم يبلغ حجم إنفاق اللبنانيين على التجميل؟ وما هي السياسات المتبعة على هذا الصعيد؟

يشدد مصدر في المصرف المركزي لـ«المسيرة» على أن لا أرقام محددة حول قيمة ما يُنفقه اللبنانيون على التجميل عموما وما يشكله هذا الإنفاق من القروض المصرفية. فالإنفاق عموماً لا يقتصر على القروض، بل يشمل أيضا الإنفاق الخاص. حتى بما يتعلق بالقروض، فهي شخصية ولا تشترط المصارف وجهة استعمالها، فقد يستخدمها المقترض للسفر أو للتجميل أو لإنفاقات أخرى. ما يهم في الأمر هو أن تبقى تحت السيطرة وأن يكون المقترض قادرا على تسديدها.

ويشير المصدر الى ان المصرف المركزي اتبع سياسة احترازية تلتزم التوجّهات الدولية. وهو إجراء لحماية المستهلك وحماية المصارف في آن معاً، تجنباً لأية أزمة مالية قد تحدث في المستقبل مثلما حدث في دول عدة كالولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، من أزمة إقتصادية في العام 2008 بعدما عجز قسم كبير من المقترضين عن تسديد ديونهم. فالاستدانة التي فاقت قدرة الأسر وطاقتها على السداد أدّت يومها الى نشوب تلك الازمة المالية.

وفي ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة الراهنة التي يجتازها لبنان والظروف التشغيليّة للمصارف اللبنانيّة في بيئة لانمطيّة تتّصف بنمو اقتصادي متواضع نسبيّاً، يبرز تحدٍّ رئيسي يتمحور حول مدى قدرة تلك المصارف على الحدّ من تضخّم محفظة التسليفات المشكوك بتحصيلها بعد توسّعها في منح القروض، ولا سيّما القروض الشخصيّة.

يؤكد المصدر أن نسبة صافي التسليفات المشكوك بتحصيلها إلى إجمالي التسليفات تبلغ حوالى 1.4 في المئة فقط. وتبلغ نسبة التسليفات إلى الودائع حوالى 36.7 في المئة وذلك أقل من المتوسط الإقليمي البالغ 80 في المئة ومتوسط الأسواق الناشئة البالغ 83 في المئة. أما نسبة التسليفات المشكوك بتحصيلها إلى إجمالي التسليفات فهي نسبة مقبولة مقارنة مع ما هي عليه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي الأسواق الناشئة على نحو عام. علماً أنّ هذه النسبة لم تتجاوز عتبة الـ 3.5 في المئة خلال أعوام التباطؤ الاقتصادي في البلاد. وبالتالي فمن الناحية المالية الحسابية نجد أن ليس هناك ما يدعو إلى القلق لناحية ارتفاع نسبة القروض بغض النظر عن وجهة إنفاقها، أما من ناحية الوعي والسلوك الإجتماعي لدى اللبنانيين عموما، فهناك العديد من الأسئلة ولْنقلْ أن أحدها: أي مجتمع هذا الذي يقترض للتجميل أكثر مما يقترض للتعليم؟!

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل