#adsense

نصري وفيلمون: سبحان الفن الباقي!

حجم الخط

كتب عماد موسى في “المسيرة” – العدد 1620

نصري وفيلمون من دون ألقاب.

نصري بصوته الشجي، النقي، الرخيم  بطربوشه وشاربيه وأدواره.

فيلمون بألحانه الكبيرة، بطرافته بحضوره الرحباني.

نصري وفيلمون، عادا بكل حنين الماضي، على سفينة رحبانية بقيادة ثلاثية. رست السفينة لساعتين في مرفأ جبيل ثم عاد الغائبان إلى غيابهما الجميل بعد حفل ناجح بكل المقاييس الجماهيرية والموسيقية.

من «موسم العز» في صيف العام 1960 إلى إعادة مسرحية الشخص، لم يتخلف نصري، ولم ينقطع عن أعمال الأخوين رحباني بالطربوش مراراً وبقبعة البويجي مرة، وكذلك فيلمون الذي غنت  فيروز من ألحانه ما معدّله لحنٌ في كل مسرحية: “من عز النوم”، “يا دارة دوري فينا”، “أنا خوفي من عتم الليل”، “يا مرسال المراسيل”، “يا كرم العلالي”، “طيري يا طيّارة”، وكلها من شعر الأخوين رحباني. شعر لا يتكرر. ومَن مِن شعراء الأغنية اليوم قادر ـ إن عصر كل دماغه، على صياغة جملة مثل “سألونا وين كنتو ليش ما كبرتو إنتو منقلن نسينا” أو مقطعاً بروعة “كنا تودعنا وصوتك غاب وناداني العمر الفاني ولما عا حالي سكرت الباب لاقيتك بيني وبين حالي مشلوحة على بحر النسيان فارقني النوم وكل شي كان وجك ما كان يفارقني وجرّب إسبح ويغرقني”، لا أحد. تشعر أن الأخوين رحباني أقفلا مملكة الشعر الغنائي وأخذا المفتاح.

كل من أتى بعدهما دونهما بما كتباه.
لحّن فيلمون لفيروز ولحن لرفيق الدرب الرحباني نصري شمس الدين وللشحرورة صباح مثل عالبساطة البساطة، يا إمي دولبني الهوا، وعالعصفورية، في كل مسرحية كانت له حصة.

وإحياء لقيمة القامتين، أعد الرحابنة الثلاثة، مروان وغدي وأسامة، سهرة أشعلت الحنين والتصفيق، مرة للطشة سياسية أو لمناجاة من  الممثل رفيق علي أحمد، ومرات لأغنيات ساكنة في قلب القلب، “طلّوا طلّوا الصيّادي” أو جبلية النسمة جبيلية، أغنيات أعدنا اكتشافها بصوت غسان صليبا الهادر والدافئ، الفنان المعاصر جيلي الرحابنة (والثالث لم لا؟)، والرائعة المتمكنة من اللون الفيروزي سمية بعلبكي وهي من أهم الأصوات العربية التي سبق وغنت لسيد درويش وأسمهان وعمالقة العصور الذهبية على مسارح كبرى، بالإضافة إلى باسمة التي بذلت مجهوداً لتكون على قدر المسؤولية أمام جمهور غفير و”غفور”.

حاكت سهرة عاصي ومنصور مشاعر الناس الطيبين، حاكت شوق المشتاقين إلى زمن جميل.

حاكت محبي طرافة فيلمون بأغنياته “سنفرلو ع السنفريان” و”بشتك بوم”.

حاكت إستعداد الناس للثورة والسخرية من السياسيين بلطشات شبه مستهلكة.

حاكت الذاكرة اللبنانية غير المتكلّفة، بتوليفة أخرجها مروان رحباني، وعزف فيها أسامة على البيانو وقاد الفرقة الموسيقية الرحباني الأوسط غدي، وكالعادة رقصت دانييلا رحباني ودرّبت راقصي الحفل فيما تولى تصميم الرقصات الفولكلورية سامي خوري.

أريد لسهرة “فيلمون ونصري في البال” أن تكون الإفتتاح الثاني بعد سهرة شون بول، فتقدم الحضور وزراء السياحة والثقافة وشؤون المرأة والإتصالات أواديس كيدانيان وغطاس الخوري، وجان أوغاسبيان وجمال الجراح، النائب وليد الخوري والدكتور سمير جعجع والنائب ستريدا جعجع والمرشح الجدي زياد حواط ونعمة فرام قبل أن ينوي…

وفي الإنتقال إلى مهرجانات بيت الدين، الحريصة منذ ولادتها الثانية، على تقديم عروض عالمية في كل موسم قدمت فرقة باليه لوزان بعد عشرة أعوام على غياب موريس بيجار عرضا باهرا بإشراف جيل رومان: باليه من أجل الحياة.

في بداية العرض تحرك الراقصون تحت أغطية بيض وكشفوا عن وجوههم تباعا الواحد تلو الآخر ليستحضروا بأجسادهم فنانين رحلوا في عمر الشباب. قدّم  الراقصون تحية إلى المغني فريدي ميركوري المتوفي عام 1991 بمرض الإيدز وإلى الراقص خورخي دون المتوفي أيضا نتيجة إصابته بـ”مرض العصر”. وتمكن الراقصون من تلوين الموت على إيقاع خاص مصحوب بتصاميم فيرساتشي، وأصرت الراقصات على الانتصار للحياة لينتهي العرض برقصة على أغنية كوين “العرض يجب أن يستمر”. وعلى مشهد عودة الراقصين للإختفاء تحت الملاءات البيض.

عرض قوي. أكسسوارات بسيطة. مساحات بيض. وأجساد تنتمي إلى عصر الروبوتات والتقدم العلمي. حب وموت على خشبة واحدة ولوحات لا تُنتسى.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل