.jpg)
يستعيد لبنان شرعيّته الدّوليّة وحضوره الدّوليّ اليوم وذلك من خلال زيارة رئيس الحكومة دولة الرّئيس سعد الحريري للرّئيس الأميركي دونالد ترامب. وهذا إنجاز جديد يضاف إلى سلسلة إنجازات تحرير رئاسة الجمهوريّة أوّلا والدّولة والكيان ثانيًا. وفي هذه العمليّة ضرورة أساسيّة لوجوديّة لبنان ولشرعيّته الدوليّة والعربيّة. فهل تلاقي كلّ الأطراف اللبنانيّة خطوة العهد في استرجاع شرعيّة كان قد أفقدها بعضهم لهذه الدّولة؟
لا يستطيع أي مراقب أن يفصل أي خطوة سياسيّة تحدث في لبنان عن السّياق العام، فانطلاقًا من الدّور الذي يلعبه “حزب الله” في المعركة السوريّة على الحدود اللبنانيّة في إبعاد الإرهابيّين عن جرود عرسال، مرورًا بملف سلسلة الرّتب والرّواتب وتداعياته الإجتماعيّة- الإقتصاديّة، وصولاً الى الحراك الدّبلوماسي الذي انطلق مع جولة رّئيس الجمهورية الخليجيّة الى جولة رئيس الحكومة اليوم.
كلّ ذلك دار تحت رقابة قاسية لكلّ الخطوات التي قرّرت الحكومة اللبنانيّة اتّخاذها، وفق نهج للعمل المؤسّساتي ليس بغريب، لكنّه جديد على بعض عناصر الطّبقة السياسيّة. وقد ظهرت أولى تجليّاته في أداء وزراء “القوّات اللبنانيّة” الذين لم يتعاملوا باستثنائيّة أو كيديّة في أداء واجبهم الأخلاقي والمؤسّساتي في وزاراتهم. فأمام إصرار وزير الإعلام، ملحم رياشي، على إرسال أسماء لمجلس إدارة تلفيزيون لبنان وفق جدول من الشروط والمعايير، حتّى المساعدات الإجتماعيّة التي قدّمتها وزارة الشّؤون الإجتماعيّة على كامل مساحة الـ 10452كلم2 ترافقت مع زيارات لمعالي الوزير بيار بوعاصي إلى معظم المراكز، وصولًا إلى المساعدات التي قدّمتها وزارة الصحّة بتوجيهات دولة الرّئيس نائب رئيس مجلس الوزراء معالي الوزير غسّان حاصباني حيث لم يستطع أبناء الشّارع الطرابلسي إلا أن يعبّروا بعفويّة تامّة عن شكرهم وامتنانهم لمعاليه لما قدّمه عبر الوزارة من عونٍ لهم جميعًا ومن دون استثناء.
فضلاً عن الحفاظ على الثّوابت الوطنيّة التي ظهرت في المواقف السياسيّة من خلال دعم الجيش اللبناني بكلّ الاستراتيجيّات التي وضعها ويقوم بوضعها لإمساك الملف الأمني بقبضةٍ من حديد، كذلك من خلال تصويب الأداء الحكومي الذي تجلّى في عمليّة ردّ مشروع المناقصات للبواخر المنتجة للطاقة الكهربائيّة الذي اعترضت “القوّات” على الطريقة التي اتّبعتها الحكومة في مقاربة هذا الملف الذي احتوى على ثغرات تنعكس على النّظام المالي لمؤسسة كهرباء لبنان، وقانون ديوان المحاسبة وقانون المحاسبة العموميّة. فهي، أي “القوّات”، لن تألو جهدًا لتقديم أيّ مساعدة ولتصويب كلّ أداء خدمة للشأن العام ولخير كلّ المواطنين من دون استثناء، وليس على أسس طائفيّة – مذهبيّة.
لقد أرست “القوّات اللبنانيّة” بالتّزامن مع إطلاق العهد الجديد، نهجًا جديدًا في مقاربة الملفات الإقتصاديّة والسياسيّة، حتّى في الملفّات الإجتماعيّة الضّاغطة لا سيّما في ملف النّازحين السّوريّين حيث لم يجرؤ أيّ من السياسيّين على طرح حلّ منطقي وواقعي لمقاربة هذا الملف سوى رئيس حزب “القوات اللبنانيّة” الدّكتور سمير جعجع.
وفي موازاة كلّ هذه الملفّات، لا بل قل: هذه الإنجازات، لا زال “حزب الله” يُستخدَم من قبل النّظام السّوري كحطبٍ في حربه الدّائرة لتثبيت النّهج الإيراني في المنطقة من خلال إبقاء النّظام الذي يقتل شعبه. وفي ذلك مزيد ومزيد من نهشٍ للسيادة الوطنيّة من خلال توريط الدّولة بأزمات أكبر منها، بغضّ النّظر عن أنّ نتائج معركة عرسال ستفيد الدّولة اللبنانيّة من حيث التخلّص من الجماعات الإرهابيّة التي تقوّض جزءًا يسيرًا من الحدود الشّرقيّة. إلا أنّ هذا الهدف يبقى هدفًا استراتيجيًّا لبنانيًّا، لو أنّ الحزب يعمل لتحقيقه فلا بأس بذلك. لكنّه، أي “حزب الله”، لا يعمل وفق الأجندة اللبنانيّة ولا حتّى السّوريّة/ النّظام، بل يعمل ضمن أجندة وأولويّات إيرانيّة تقضي بفرض فكر الثورة الإسلاميّة التي انطلقت في العام 1979 وما زالت.
فعلى ما يبدو، الحزب الذي بات فوق الدّولة، لا يهتمّ بالشّرعيّة التي استعادتها هذه الدّولة. وهو لن يلاقيها في خطواتها السياديّة لأنّه ذو سيادة تامّة على مناطقه. فهل استمع الرّئيس الحريري إلى تهديدات جديدة أم تطمينات تثبّت أقدام الدّولة أكثر؟ وهل ستجرّ هذه السياسات الفرديّة لبنان إلى آتون الصراع الدّائر في المنطقة بعد أكثر من ستّ سنوات من الحياد الإيجابي؟