كي لا ينتصر السجان على السجين

لا أعرف لماذا كنت دائماً على موعد دائم في عملي الصحافي مع رحلة الدكتور سمير جعجع بدءاً من تفجير الكنيسة وصولاً الى السجن والحرية. كنت في غدراس يوم الاعتقال، شاهداً وحيداً (كصحافي) ورويت ما شاهدت، لا أزال احتفظ بصورة مع الدكتور جعجع والسيدة ستريدا في ذلك اليوم، وكان الشارب ما زال موضة العصر، كان عمري 22 سنة.

في أول تحقيق مع الدكتور جعجع في قصر العدل تسللت بين المحامين وسلمت عليه في مكتب المدعي العام، عرف الأمن بالتسلل، ولاحقوني الى غرفة الصحافيين في الطابق الاول، لكني نجوت مما لا لم اكن اتحسب له.

في تلك الفترة شكلت ثنائياً مع زميلتي ميريام عواد في الديار التي كلفتنا بمتابعة الملف. كانت ميريام “آخدة كسرة” على مدعي عام التمييز منيف عويدات، واجرت معه حديثاً اوحى فيه ان “القوات” بريئة من تفجير الكنيسة، فقرر رئيس تحرير الديار الاستاذ شارل ايوب أن يصدر بمانشيت “من فجر الكنيسة” وكاد ذلك يكلفه الكثير اذ هدده غازي كنعان، وسويت المسألة بعد تدخل على اعلى المستويات.

ما كتبته وما لا انساه أنني وميريام، التقينا القاضي عويدات في منزله بتلة الخياط. لا زلت أذكر فرش المنزل “ستيل”، واذكر ملامح الرجل وخدوده الوردية، وعيناه اللتين تشعان ذكاء، قال: “سمير جعجع بريء من تفجير الكنيسة”. أذكر هذا للتاريخ.

تابعت المحاكمات من الجلسة الاولى الى معظم الجلسات. شاهدت مرافعات الدكتور جعجع، التي اجهزت على ما تبقى من ضآلة الشكوك بالتورط في تفجير الكنيسة، لكن في المقابل، فتحت الستار على كيفية عمل النظام الأمني، وطرقه الترهيبية اللاحترافية.

عرض على سمير جعجع الخروج بتسوية او بصفقة من سجنه، عرضت عليه كتلة نيابية ووزارية ومناصب وحصص في الادارة: “خذ ما تشاء لكن لا تطلب خروج جيش النظام السوري من لبنان”. رفض.

لم يكن الرفض مضمون النتائج، لكن المكاسب السلطوية كانت مضمونة لو قبل، لكنه رفض، هذا الرفض له معنى كبير بعد 11 سنة سجن.

اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري فكانت لحظة تاريخية تأسيسية للبنان الحر السيد المستقل، وخرج من سجنه، زعيماً وطنياً، بعد ان ادخل اليه رئيساً لحزب وفئة.

موعدي مع قضيته كان ثابتاً: في يسوع الملك كنت يوم العفو. اما يوم الخروج فقد أخطأت بأن لا اكون في المطار، حيث حجزت انطوانيت جعجع مكاناً لي بين المستقبلين، لقد فضلت أن اعلق على خروجه مباشرة عبر احد التلفزيونات المحلية، وندمت، لكني زرته في الارز مراراً.

في الذكرى الـ 12 لخروجه الى الحرية، لا اجد اصدق من المصارحة، اتوجه بها الى “القوات اللبنانية”، التي تستمد شرعيتها الوطنية، من دفاعها عن سيادة لبنان واستقلاله.

المصارحة تقتضي التذكير بمرحلة ما قبل الخروج من السجن، أي التسوية التي رفضها الدكتور جعجع، والتي تقوم على التنازل عن سيادة لبنان، مقابل مكاسب زائلة.

اخشى اليوم، من اعتقاد بأنه لم يبق امام من خاضوا هذا النضال المكلف، الا ان يتعايشوا مع سلاح الوصاية الايرانية، وفق قاعدة “لا حول ولا”، بالذات كما كان يتم إغراؤهم بالتعايش مع الوصاية السورية، التي رفضوها ودفعوا ثمن رفضهم انتصاراً مجيداً في 14 آذار.

أخشى ان يعود الوطن الكبير الى السجن الكبير، فهذا لن يبقي في سجل النضال، سوى محطات مشرقة، لكن سيكتب النهايات، بقلم السجان وقد انتصر على السجين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل