انا انا انا تحررت حكيم!!!

نهضت باكرًا جدًا، غريب لون الشمس اليوم، مشرقة بطريقة غير اعتيادية!!! انه تموز يا صبية وكيف للون الشمس ان يكون بعز الصيف؟! لا لا ثمة تغيير، حتى السماء الزرقاء الصافية تلمع، تبدو وكأنها استحمت الان بغطسة في أزرق المحيط وخرجت من دون ان تلتقط الرذاذ العالق على وجهها وها هي تلمع تحت الشمس!! انتِ تهلوسين اليس كذلك؟! لا، أنا افرح، انا اعيش لحظتي العاشقة لهذه اللحظة بالذات وكل ما يحيط بي يلمع بالحرية، بريق الحرية اقوى من ضوء الشمس ونقاء السماء، الحرية فضاء الارض والسماء اللامحدودة، الحرية صلاة الحب وانا ذاهبة الى موعدي معها، بعد قليل سأرى وجهها من جديد، سأرى سمير جعجع…

لبست ثيابي الجديدة، تبرّجت واغدقت على نفسي بالزينة، اعجبتني صورتي في المرآة، للمرة الاولى تحصل، قبل الدوام بساعة كنت في عملي في “المؤسسة اللبنانية للارسال”، لن اذهب اليوم الى شوارع 14 آذار، لن اعتصم في خيم الحرية، اليوم عطلة، اليوم عيد، اليوم ستقرع أجراس القرى القريبة والبعيدة للآتي من غياب أحد عشرة عامًا وكم شهر، اليوم تنده الحرية على ناسها الاصيلين ليعودوا عصافير سماء في ارض الريح والالم والنضال والعنفوان، العنفوان قبل اي شيء واي تعبير واي كلمة تقال، اليوم يخرج الحكيم من السجن…اقصد اليوم يحررني الحكيم ويحرر الرفاق الاحياء والشهداء، اليوم يعتق الحكيم وطنًا من أسره، اليوم 26 تموز 2005.

لطالما كنت قليلة الايمان أعترف، ولطالما قلت لن يخرج الا ميتًا من قبر الحرية ذاك. كنت وعندما اُسأل عنه اقول “سمير جعجع عايش بقبر بس ان الله راد رح يطلع ويقبّركن كلكن يا وحوش”، لكن في خوفي المتخفّي باللعنات كنت أقول انه لن يخرج حيًا، لن يتحرر على ايامنا، ستبتلعه عتمات الاحتلال وعملائه، سيسرقون منا آخر أمل لنا بالحرية وبوطن لا ينحني لذل الخوف ولا لسيف جلاد. كنت قليلة الايمان تافهة خائفة اركض في كل الاتجاهات لاستريح الى ركن ما وما استطعت، كنت كما كل الرفاق نناضل، نصنع حروب التحرير الصغيرة على قدّ حالنا، كل من مكانه، من مدينته، من قريته، نحمل صوره سرًا واحيانًا علنًا ونحكي عنه، في الليل والنهار، في حكاياتنا الصغيرة ووشوشاتنا الحلوة والمرّة، يومًا نصرخ لاجل حريته واحيانًا نختبىء تحت الليل كي لا يبتلعنا غول الاحتلال في الاعتقالات، زمطت من الاعتقال لكن لم ازمط من طيفه، من وجهه صوته نبرته تلاحقني صباحًا مساء، في اوقات اليأس وفي اوقات القناعة القليلة الهاربة، كنت أيأس بالسر كي لا اعدي من هم حولي، كان يجب ان ابدو دائمًا قوية لأجله كي لا اخذله وهو في الاسر، وهو لم يكن يعرفني شخصيًا بعد، كان الالتزام يحرّضنا، يحرّكنا، يدفعنا الى ابعد من حدود الجغرافيا التي ضاقت علينا كثيرًا وخنقتنا، وحتى ابعد من حدود المنطق والمعقول، ولا ادعي اني فعلت ما فعله شباب مناضلين تحولت المعتقلات الى بيوتهم، لم انل ذاك الشرف، لكن كنا نتمثّل به فنخترع حريتنا من لا شيء، من لا مكان ولا فضاء فقط  ليعرف وهو تحت سابع ارض تلك، في معتقله الذي حوّله واحة حرية استثنائية، اننا معه لن نتركه، انه جعلنا جنود حرية ولو كُبّلت ايادينا باغلال العالم كله، ان “القوات اللبنانية” لا تزول بعتمة معتقل بل ستبقى حرية لاجل لبنان، ولنخبره عندما يخرج من ذاك الليل، اذا خرج، ما كنا نفعله ليعرف انه ترك رجالا رجال وراءه حتى لو كنا نساء.

…وتعرفون الحكاية وما فعله الاحرار في ساحة الحرية، في خيم العز وايام الصراخ “حرية حرية سمير جعجع حرية” وتلك الصرخة الأخرى من عمق اعماق القلب “اي ويلا سوريا طلعي برا”…وجاء ذاك الصباح، انا في بيروت لكن سمعت وللمرة الاولى صيحة ديك في حيّنا، سمعت زقزقة عصفور، حطت حمامة عند نافذة بيتي في الطبقة السادسة، ماذا يجري يا عالم؟! لا شيء فقط اليوم يخرج سمير جعجع الى الشمس…اقصد تخرج الشمس من معتقل الاسير لتعتقنا من سجننا، آه الان فهمت ما كان يجري معي، انا حرة، انا حرة يا عالم يا لبنان يا قوات يا شباب، البس أجنحتي للمرة الاولى منذ احد عشرة ليل واعود الى الحياة مدججة بالحرية، اكيد ليس الحكيم من تحرر، انا، انا، انا، وانا هي بعض كثير كبير من الشباب الرفاق المناضلين، انا هي “القوات اللبنانية”، انا هي وطني يا حكيم، ارضك جبالك دماء الشهداء، ارهقتنا يا رجل لكن صح الصحيح، يا الهي كم كنتَ على حق…شكرًا سمير جعجع، لبنان في الحرية والى ابد الابدين سيكون في الحرية فهذا لبنان وهذه هي الدنيا كلها…وها نحن بفضلك في الحرية رغم كل شيء…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل