المشكلة أو المعضلة التي نعيشها ان في لبنان مدرستين: مدرسة الولاء الأعمى، ومدرسة الشيطنة والتخوين، فيما “القوات” لا تنتمي إلى اي من هاتين المدرستين، بل تنتمي إلى مدرسة “نعم نعم، ولا لا”، حيث تذهب باستمرار باتجاه محاكاة العقل والمنطق لا الغرائز، ولم تكن يوما في موقع مسايرة هذا الطرف أو ذاك، ولا في موقع إخضاع مواقفها للمنطق الشعبوي، وهذا ما حصل عندما غطت اتفاق الطائف ومهدت لانتفاضة الاستقلال وكانت من أبرز أركانها.
ويجب الإقرار ان المزاج المسيحي لم يكن مع اتفاق الطائف لحظة إقراره، فيما الخيار الذي ذهبت إليه “القوات” أظهر مدى استشرافيتها وصوابية خياراتها الوطنية، حيث ان تمسكها بهذا الاتفاق أدى إلى تحوله من اتفاق يفتقد إلى المشروعية الشعبية إلى اتفاق يحظى بإجماع وطني.
وطالما الشيء بالشيء يذكر، فإن التحالف الرباعي في العام 2005 أظهر ان الأغلبية المسيحية كانت ضد خيار 14 آذار، ولكن “القوات” لم تسلم بهذا الواقع، بل ناضلت لتعيد الأغلبية المسيحية إلى خيار 14 آذار الذي يتجاوز بطبيعة الحال 14 آذار الإدارية إلى الفكرة السياسية المتمثلة بالدولة.
فـ”القوات” حريصة باستمرار على اتخاذ المواقف التي تنسجم مع ثوابتها وتاريخها ومشروعها في بناء دولة قادرة وسيدة على أرضها، وقد تتبدل وسائل تحقيق هذا المشروع إنما جوهره غير قابل للتبدل، لأنه لا يمكن لوطن أن يستقر ويزدهر من دون وجود وقيام دولة فعلية.
فالهدف كان وسيبقى الوصول إلى الدولة، وقد خاضت المواجهات العسكرية إبان الحرب دفاعا عن هذا العنوان، وتصدت للاحتلال السوري في سبيل هذا الهدف، وواجهت وتواجه “حزب الله” من أجل العبور إلى الدولة.
وما يحصل منذ انتخاب الرئيس ميشال عون إلى اليوم ساهم في تعزيز مشروع الدولة الذي كان يتجه إلى الفراغ الشامل، فيما الانتظام الذي تشهده المؤسسات والإنجازات التي تحققت وفي طليعتها قانون الانتخاب أعاد الاعتبار لهذا المشروع، ويخطئ كل من يعتبر ان معركة جرود عرسال ستعزز دور سلاح “حزب الله” كون هذا الموضوع من المواضيع الخلافية الأساسية، والتبريد السياسي القائم لا يعني إطلاقا ان الحزب سينجح بتشريع سلاحه، لأن تشريعه يعني انتهاء الدولة، الأمر الذي يستحيل تحقيقه بفعل موازين القوى القائمة، وبالتالي استثمار ما حصل في الجرود عن طريق ترجمته سياسيا غير قابل للتحقق.
