
خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1621
اختلف الخط السياسي الداخلي والخارجي في البيت الأبيض بين إدارة الرئيس السابق باراك أوباما وبين إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، تماماً كما كان الأمر مع رئيس الحكومة سعد الحريري، فبين الثاني عشر من كانون الثاني من العام 2011 والخامس والعشرين من تموز من العام 2017 فرق شاسع في المشهد السياسي الذي يرافق الحريري في حكومته الحالية، مع الأخذ في الحسبان ما يمكن أن تتعرض له الحكومة من انتكاسات أو أزمات داخلية بعد انقشاع الرؤية واتضاح كواليس الاجتماع المطول بينه وبين الرئيس ترامب.
ما زاد من التساؤل عن انعكاسات المحادثات الأميركية اللبنانية في واشنطن، أنها تزامنت مع التطورات الميدانية ودور “حزب الله” المتصاعد عسكرياً إن في سوريا أو على الحدود مع لبنان، ومع رفع وتيرة الموقف والإجراءات الأميركية ضدّ هذا الحزب، ما يؤشر عملياً إلى سلسلة من الخلاصات على المستويين الأميركي واللبناني:
أولاً: بدا واضحاً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تختلف كلياً عن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في تعاطيها مع دور إيران في المنطقة، فالرئيس السابق قاد عبر وزير خارجيته جهود التوصل إلى الاتفاق النووي و”ترييح” إيران عبر الإفراج عن حجم لا بأس به من الأموال المجمدة بفعل العقوبات المفروضة عليها، في حين أن الزمن السياسي الحالي في واشنطن، يقف عن نقطة تلاقٍ مهمة بين البيت الأبيض والكونغرس في استهداف ومواجهة دور إيران ووكلائها في زعزعة استقرار المنطقة، وهذه المواجهة تتمثل في تجديد العقوبات على إيران، وفي النسخة الثانية من قانون منع تمويل “حزب الله” وتوسيعه ليشمل كيانات وحلفاء هذا الحزب، فضلاً عن إعطاء الرئيس مباشرة إضافة إلى دور الوزارات المعنية، صلاحية تنفيذ القانون وتسمية من تفرض تسميته أو ملاحقته متعاوناً أو ممولاً للحزب.
ولم يتوقف تصعيد الرئيس ترامب عند حدود غرفة الاجتماع في البيت الأبيض بل أطلق مواقف تصعيدية نارية في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الحريري بحيث أعلن صراحة وهو يقف إلى جوار الحريري في حديقة الورود بالبيت الأبيض أن جماعة حزب الله تهديد للبنان من الداخل، مشيراً إلى أن حزب الله يشكل خطرا على الدولة اللبنانية والشعب اللبناني والمنطقة بأسرها. حيث تواصل المجموعة زيادة ترسانتها العسكرية، التي تهدد ببدء نزاع آخر مع إسرائيل.وركز ترامب على دور “حزب الله” في سوريا حيث لفت إلى أنه بدعم من إيران، يعمل الحزب ايضاً على تأجيج الكارثة الإنسانية في سوريا. وفي نفيه لبعض الإيحاءات بأن الولايات المتحدة تغض الطرف عن ممارسات هذا الحزب، قال ترامب إن حزب الله يصور نفسه مدافعا عن المصالح اللبنانية، ولكنه أضاف أنه من الواضح جدا أن مصالحه الحقيقية هي نفسها مصالح راعيه الأساسي أي إيران.
ثانياً: ظهر واضحاً أن الإدارة الحالية لا تهادن في محاربة الإرهاب ولا في مواجهة إيران ولكن على المستوى اللبناني، بدا جلياً أن التسوية الكبرى التي أفرجت عن انتخابات رئاسة الجمهورية وجاءت بسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة مجدّداً، قد عطلت فعالية ما كان يعرف بقوى الثامن من آذار في التأثير سلباً على السياسة أو الجولات الخارجية لرئيس الحكومة وخصوصاً إذا كانت وجهتها الولايات المتحدة، فوزير الخارجية الذي أعلن بيان تطيير الحكومة في العام 2011 مباشرة فور دخول الحريري البيت الأبيض للقاء الرئيس جورج بوش، ها هو اليوم عضو في الوفد الرسمي المرافق لرئيس الحكومة ودخل معه إلى البيت الأبيض. مع الإشارة إلى أن الحفاوة التي لقيها رئيس الحكومة واجتماعه المطول مع الرئيس الأميركي عكست دوراً متميزاً للرئيس الحريري لدى المجتمع الدولي، وهو راعى في مواقفه في داخل البيت الأبيض كما في خارجه حدود التسوية اللبنانية بشقها الداخلي لكي لا ترتد الزيارة الأميركية سلباً عليه بعد عودته إلى لبنان.
ثالثاً: وعليه فإن الحماسة الأميركية لمواجهة إيران و”حزب الله”، وإن لم يلاقها الرئيس الحريري وفق الوتيرة ذاتها، فإنه ركز في المقابل على ضرورة الاستمرار في دعم لبنان اقتصادياً وعسكرياً عبر مواصلة مد الجيش اللبناني بالمساعدات، إَضافة إلى مساعدة لبنان في تعامله مع قضية النازحين السوريين، وفي هذا السياق كان لافتاً إشادة الرئيس الأميركي بجهود لبنان لحماية حدوده لمنع تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات المتشددة من كسب موطئ قدم لها داخل البلد واعداً باستمرار المساعدة الأميركية، وفي إشارته إلى أهمية حصر كل المهام العسكرية بالقوى الشرعية اللبنانية ولا سيما الجيش قال ترامب إن مساعدة أميركا يمكن أن تساهم في ضمان أن يكون الجيش اللبناني هو المدافع الوحيد الذي يحتاجه لبنان، حيث شدّد المراقبون في واشنطن على ان موقف ترامب تعبير واضح عن رفض أي دور لحزب الله على صعيد حماية لبنان، وخصوصاً في ضوء عمليته في جرود عرسال، وتأكيد للسلطة اللبنانية والحكومة بالتحرّك الفعلي وحصر الإمرة العسكرية بالحكومة ومؤسساتها العسكرية والأمنية.
ووفق المعلومات فإنه بعدما كان مقرّراً أن يرافق قائد الجيش العماد جوزف عون الرئيس الحريري في زيارته الأميركية الحالية، فإن الدعوة الرسمية الثانية لقائد الجيش من قبل الأميركيين في شهر آب المقبل، فرضت عدم مجيئه مع رئيس الحكومة، وبالتالي مواصلة البحث بالتعاون العسكري مع لبنان من خلال زيارة قائد الجيش كونه صاحب الاختصاص في إطلاع الجانب الأميركي على حاجة الجيش اللبناني من المساعدات العسكرية.
رابعاً: كشفت المعلومات أن رئيس الحكومة قارب ملف العقوبات على “حزب الله”، من زاوية أن توسيع هذه العقوبات على الحزب قد تضر بالقطاع المصرفي في البلاد ومن هذه الزاوية لعب وجود حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة في عداد الوفد الرسمي المرافق للحريري دوراً مزدوجاً في تطمين الجانب الأميركي بالتزام المصارف اللبنانية بالإجراءات التي تفرضها القوانين الأميركية من منطلق ضمان سلامة عمليات المصارف اللبنانية على المستوى الدولي، إضافة إلى شرح مفصل لكيفية تلافي التأثيرات السلبية على المصارف جرّاء تطبيق قانون العقوبات، ورسم الحريري بدقة خلال مؤتمره الصحفي مع ترامب حدود القلق اللبناني من العقوبات فأعلن حرفياً بأنه ليس من الضروري طرح مسودات قوانين إضافية ولكنه استطرد قائلاً إنهم، أي الأميركيون، إذا كانوا يرغبون في إصدار مثل هذه المسودات فنحن بحاجة لحماية لبنان من أي صياغة خاطئة في مشروع القانون.
خامساً: في محصلة هذه المرحلة الجديدة في العلاقة الأميركية اللبنانية، رسم المراقبون في واشنطن، حدود هذه العلاقة التي تقف عند توازن دقيق.
فالإدارة الأميركية الحالية، تسلك سياسة متشددة ضدّ إيران و”حزب الله”، وستواصل دعم لبنان لتعزيز مؤسساته الشرعية، وفي الوقت ذاته تدرك الوقائع المستحكمة بالدولة والمؤسسات اللبنانية، ومع تشديدها على ضمان الاستقرار اللبناني وإبعاد تأثيرات النار المشتعلة عنه فإنها في الوقت نفسه ترى أن على الدولة بمؤسساتها كافة مسؤولية تثبيت سلطة الدولة على كافة الأراضي وعلى المستويات كافة، إضافة إلى الالتزام ببنود القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية اللبنانية، وبالتالي فإن صبر الولايات المتحدة والمجتمع الدولي قد يكون له حدود ما لم تحسم الدولة أمرها في هذا الإطار.
وفي المقابل، يدرك رئيس الحكومة في قرارة نفسه أن تجربة إسقاط حكومته لن تتكرّر اليوم كما حصل قبل ستة أعوام، نظراً للخطوط المتداخلة التي فرضتها تسوية الانتخابات الرئاسية، ولكنه لن يسقط في الحسبان هواجس “حزب الله” من أي تحرك خارجي نحو لبنان، أو أي زيارات رسمية لبنانية للخارج، وعليه لا يستبعد المراقبون بعضاً من الترددات للزيارة إلى البيت الأبيض بسبب المواقف والسياسات التي عبرت عنها الإدارة الجديدة، ولكنها ستبقى ضمن سقف معين في انتظار ما ستؤول إليه مجريات كل المعارك على الأرض من سوريا إلى اليمن، والمواجهات السياسية عبر رفع المواجهة مع إيران، لأن نتائجها ستعيد بالتأكيد رسم خارطة المنطقة وفق توزيع “جيو – سياسي” يراعي ويحاكي موازين القوى التي ستفرزها الوقائع على الأرض.
- للإشتراك في “المسيرة” Online:
- http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]