#adsense

حسين يوسف: أنتظر عودة إبني واللي كاتبو ربنا رح يصير

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في مجلة المسيرة – العدد 1621:

العسكريون المخطوفون لدى «داعش»… وبعدهم ما رجعوا بعد

حسين يوسف: أنتظر عودة إبني واللي كاتبو ربنا رح يصير

طريق السراي تمر من أمام خيمة أهالي العسكريين المخطوفين. حسين يوسف يقف هناك. هو هناك منذ 3 أعوم منذ تاريخ اختطاف ابنه محمد مع رفاقه العسكريين في 2 آب 2014. سيجارته لا تفارق أنامله، حفرت أثلاما على شفتيه ولم يبق من معالم الوجه سوى العينين الغارقتين في أفق الإنتظار والفراغ. 3 أعوام هدّته المصيبة، لكن «الجبّار» لم يستسلم لليأس، لم يرفع الراية البيضاء على الخيمة. حسين وعد إبنه محمد أنه سيبقى الصوت الصادح ولو في وطن تجاهل مسؤولوه مصير أبنائهم العسكريين ولم يسمع منهم الأهالي على مدى الأعوام الثلاثة سوى عبارة «لحد هلق ما عرفنا شي». الأب الجبار وعد إبنه وتأمل أن يراه عائدا في يوم عيد ميلاده في 20 تموز . لكن في ذاك اليوم انطلقت معركة جرود عرسال بين «حزب الله» وما تبقى من تنظيمات تكفيرية. ماذا بقي من الأمل؟ ماذا سيقول لوالدة محمد وزوجته وطفله الذي لم يتعرف إلى والده البطل إلا في الصورة وفي الحلم؟

ثمة الكثير من الكلام والكثير الكثير من الخيبة والوجع والإنتظار الذي قد يطول «بس اللي كاتبو ربنا رح يصير» يقول حسين قبل أن يعود إلى كرسيه في تلك الخيمة ويردد «عار، عار، عار على دولة لا تتحمل مسؤولية أبنائها العسكريين الذين خطفوا وهم يدافعون عن أرض هذا الوطن ووجودهم فيه».

خالد حسن، علي الحاج حسن، سيف ذبيان، علي المصري، حسين عمار، محمد يوسف، مصطفى وهبه، إبراهيم مغيط، عبد الرحيم دياب. تسعة عسكريين ، أسماء اقترنت بملف اختطاف العسكرين على يد تنظيم الدولة الإسلامية في 2 آب عام 2014، وحفرت بحبر الوجع في سجلات الشرف. وليسوا وحدهم. ذاك اليوم كانت ساعة الصفر في بلدة عرسال الحدودية.  معارك عنيفة دارت بين الجيش اللبناني ومسلحين من تنظيم «داعش « و»جبهة النصرة» أسفرت بعد أيام عن إخراج المسلحين من البلدة. لكن الثمن كان موجعا ونازفا حتى الساعة، إذ تم خطف 13 عسكريا من الجيش اللبناني و16 من عناصر قوى الأمن الداخلي على يد تنظيم «داعش» و»جبهة النصرة». العسكريون ال13 صاروا 9 بعد إعدام أربعة جنود على يد الخاطفين هم: علي السيد ومحمد حمية وعلي البزال وعباس مدلج.

وساطات كثيرة دخلت على الخط أبرزها الوساطة القطرية. وبعد مفاوضات مع «جبهة النصرة» استمرت نحو العام توصل الطرفان إلى اتفاق أسفر في 1 كانون الأول 2015 عن إطلاق سراح 16 عسكريًا في قوى الأمن الداخلي مقابل 13 سجينا تم الإفراج عنهم من السجون اللبنانية من بينهم 5 نساء. وبقي مصير العسكريين التسعة مجهولا.

ومرت 3 أعوام… حسين يوسف والد العسكري محمد لم ييأس، ولم ولن يستسلم ولن يغادر الخيمة «قبل ما الله يفك أسر العسكريين». إلى تلك الخيمة يدخل مع كل طلعة شمس، مع كل يوم جديد، لكن لا الأيام ولا الساعات باتت محسوبة في سجلات عمره: «كل يوم عم بيزيد الوجع وعم تكبر المأساة والخوف وخيبة الأمل والكذبة… ولادنا المخطوفين صاروا ورقة عم بيفاوضوا عليا. قبلنا بالذل، طلعنا ع الجرود شحدنا الوقت تا نشوف ولادنا… بس لهلق بعدنا ناطرين… الصخر كان تفتت ع الوجع والقهر بس الله واقف حدنا».

هو الإيمان بالله الذي يضخ في قلب وجسد حسين هذه القدرة على تحمل كل هذا الوجع، على الصمود والمواجهة خصوصا انه والأهالي لم يسمعوا من المسؤولين في الدولة اللبنانية كلمة أو موقفا. ويقول: «عار عار عار على كل السياسيين في هذا الوطن. ثلاثة أعوام ولم نسمع منهم سوى عبارة: «ما عرفنا شي لهلق». أولادنا كانوا يرتدون بزة الجيش اللبناني عندما خطفوا فهل يتم التعامل مع هذا الملف بهذا الإستخفاف والخزي والعار؟ إذا صح أنهم عاجزون فليستقيلوا من مناصبهم وليتركوا المسؤولية لمن هم أهل لها. لا أحد يقنعنا بأن دولة بأجهزتها الديبلوماسية والأمنية عاجزة عن فتح ثغرة في ملف عسكريين خطفوا خلال معركة على الحدود على يد تنظيم الدولة الإسلامية. نحن لا نملك المفتاح. المفتاح في يد رئيس الجمهورية ورئيسي مجلسي النواب والوزراء. هؤلاء أبناؤهم، أبناؤنا. اليوم أقولها بغصة بحرقة بغضب بثورة… أبناؤنا كانوا يلبسون بزة الشرف والتضحية والوفاء عندما خطفوا وأنا على يقين أنهم لو كانوا يرتدون بزة تابعة لحزب ما لكانت اشتغلت الوساطات على أعلى المستويات وأطلق سراحهم. عار عار عار على هذه الدولة»…

حسين يوسف كما نظام مغيط شقيق العسكري المخطوف ابراهيم مغيط وأم خالد وأم سيف وأم علي… كلهم قطعوا عهدا بأن لا يتخلوا عن قضية أولادهم. ثمة من هدّته المصيبة، ثمة من طحنه وجع خطف فلذة كبده. حسين يوسف لا يزال متماسكا، صلبا جبارا، لكن وراء «جبروته» حزن دفين وغصة وصمت… وحدها تهمة انشقاق ولده مع العسكريين التي تناهت إليه أخرجته عن طوعه،عن صمته. ثار بغضب، وصرخ في وجه الطفيليين: «ولادنا ما لبسوا بزة الشرف والتضحية تا يخونوا وطنهم ويخونوا القسم. ولادنا أشرف الشرفاء. ولادنا  كانوا وبعدن بالجيش اللبناني. وإذا  في نية عند أصحاب النفوس الضعيفة إنو يسكروا الملف على هالتهمة الباطلة فنحنا منقلن عار عليكن إنو نسمع هالكلام من مواطنين لبنانيين كانوا قاعدين عم يعيشوا حياتن بهدوء ورخاء بالوقت اللي ولادنا العسكر كانوا عم بيقاتلوا بالجرود دفاعا عنن وعن الوطن وانخطفوا ولهلق ما منعرف شو مصيرن».

حسين يوسف كما كل أهالي العسكريين المخطوفين هزته الشائعة، طحنتهم كلمات سمعوها على لسان ذوي النفوس الضعيفة،  لكن كلام قائد الجيش العماد جوزف عون برّد قلوبهم حيث أثنى على مناقبية العسكرين المخطوفين وأكد أن كل عسكري مخطوف يمثل 70 ألف عسكري في الجيش اللبناني. ونفى العماد عون أن يكون أي من العسكريين المخطوفين قد خرج أو انشق عن مناقبيته العسكرية.

عندما اندلعت معركة تحرير جرود عرسال في 20 تموز كان حسين يحتفل في سره بعيد ميلاد محمد. تأمّل أن يراه ذاك اليوم يدخل الخيمة التي عاش تحت فياتها 3 أعوام. وذاك الأمل لم يكن من العدم. «كنا حاسين إنو في خيط أمل من خلال أحد الوسطاء وكنا متأملين إنو نتوصل لنتيجة بس لسوء الحظ تزامنت الخطوة مع اندلاع المعركة بجرود عرسال وصادف التاريخ بنهار عيد ميلاد محمد. كنت عم بحلم إنو إطلع ع عرسال ولاقيه فوق وإحملو ع كتافي وإنزل مشي… بس لهلق بعدو أملي بألله كبير. وبقللو يا رب تجبر بخاطر إمو ومرتو وطفلو اللي بيوعا وبيخبرني كيف كان عم بيحكي مع محمد. الطفل شاف بيّو بالحلم، ودولتنا لا سامعا ولا شايفي ولادنا لا بل ولادا لا بالحلم ولا بالواقع…عار عار عار».

تزامن اندلاع معركة الجرود مع مرحلة المفاوضات التي كان يقوم بها عدد من أهالي العسكريين المخطوفين مع أحد الوسطاء، شكل صدمة «بس بنفس الوقت نحنا مش بوارد نوقف بوج معركة»، يقول حسين، ويضيف: «كل إنسان لازم يلعب دورو ولأول مرة  بتجرأ قول إنو المعركة كانت حتمية. صار لازم نحط حد للإرهاب علما إنو خوفنا اليوم على ولادنا صار أكبر بس ما بقا نقبل نكون ورقة مساومة بإيد الإرهابيين. تحملنا كتير ويمكن هالمعركة يكون إلها ردود فعل سلبية على ولادنا لا سمح الله، بس بيضل عندي إيمان إنو لا يصيبكم إلا ما كتبه الله لكم وإذا خلص عمرو….».

كل عنفوان وصلابة ذاك الجبار تختفي أمام ذاك الإستحقاق. حتى الوعود والكلام الذي سمعه عن رصد مكان العسكريين المخطوفين في جرود عرسال لم يهزه. صار يتقن لعبة الحياة واستراتيجية الأرض: «لا العقل ولا المنطق بيخلونا نصدق هالكلام. المعركة بالجرود مع «جبهة النصرة» وولادنا مع تنظيم «داعش».»

وقبل أن يعود إلى مقعده الخشبي في تلك الخيمة يصّر حسين على توجيه نداء هو بمثابة رجاء وأمنية: «بتمنى على الخاطفين يكون عندن ذرة إنسانية ويطلقوا سراح ولادنا. كفانا وجع. كفانا ذل. ولدولتنا والمسؤولين فيا بقلّن عار، عار، عار، تبقوا واقفين وعاجزين وعم تتفرجوا على وجعنا. هودي ولادكن متل ما هني ولادنا لأنن ولاد المؤسسة العسكرية». نسأله عن الكلمات التي يقولها لإبنه محمد في عيد ميلاده، يجيب بعد صمت مدقع وبصوت يمزق إنسانيتك: «أنا ما بقللو شي. هوي بدو يقللي بس شوفو وأحضنو».

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل