#adsense

أنا طوني المشّاط بعدني هون… ما تبكي ريما

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في المسيرة العدد1621

يتسلّق طوني حائطا عاليا جدا، يقف خلف المتراس يشهر بندقيته، ينام ببدلة القتال الزيتية في الثكنة، استراحة محارب ورفاقه فوق عشب الحروب و… وفجأة صورة له وورود متناثرة فوق بلاطة وقبر!

ليش فلّيت يا شب وإنتَ بعد بعز عز الصبا والشموخ؟! أنا خلقت حتى استشهد، وبالمناسبة أنا اسمي طوني يوسف بجاني وخبري أهلي والقضية أني لم أمت بعد، ما زلت أعيش في حنايا البيت وفي انتصارات المقاومة، وكرامة المناضلين الأحياء، وشهادة رفاقي الذين هم معي، بس أمانة قولي لأختي ريما تضل تحكي عني بس ما بقا تبكي فأنا فخور جدا بما فعلت. طيب ببقى بشوف وجّك بخير بين السطور القليلة غير الكافية التي تحكي عنك…

عندما تذهب الى الكحالة إسأل عن «أبو طوني»، سيجيب الأهالي فورا «هيدا الزلمي
لـ حمل البارودة بوج الفلسطينيين سنة 1969 وقت افتعلوا مشكل بالضيعة لترويع الناس؟» نعم هذا هو الرجل ما غيره، الذي وقف عند كوع الكحالة الشهير، وأشهر بندقيته بوجه المسلحين الغرباء، هو نفسه من علّم أبناءه الأربعة أن «أوعا يا ولاد لبنان، أوعا أرض لبنان، أوعا الكحالة».

كانوا أربعة في البيت، شابان طوني هو البكر، وصبيتان، وكانت البلاد بدأت تعيش أجواء حرب ملبّدة بالكثير من الحروب المتحفزة على انطلاقة أول الشرارات، وعلى نهر الشهادة والاحتلالات والسجون. خافت الأم على ابنها البكر فقررت مع الوالد أن تبعده نهائيا عن أجواء الكحالة المتاخمة لخطوط التماس، وكان العام 1975 فأدُخل طوني الى دير مشموشة في منطقة جزين ظنا من أهله انه بذلك سينسى ما يجري في شوارع الضيعة، في شوارع لبنان وسينسى مشهد الشباب ببدلاتهم الزيتية وهم يتحضّرون للمواجهة العسكرية مع الغرباء، وهم يجتاحون مشهد العز في وطن كان أصبح «العز» فيه للمسلحين الفلسطينيين والاحتلال السوري، الذي كان بدأ يقضم هيبة لبنان وشبابه.

العام 1976 وعند اقتحام السوريين للبلدة، كان الوالد بين المدافعين عنها، فدهموا المنزل بحثا عنه وعن سلاحه، واقتيد الى التحقيق وبقي قيد الاحتجاز لساعات عجز في خلالها السوريون انتزاع اي اعتراف منه عن مراكز الشباب المقاتلين أو حتى عن مكان بندقيته، ولما يئسوا منه أطلقوه، فذهب الى البيت وكانت ابنته لا تزال رضيعة، وسحب البندقية من تحت فراشها وعاد الى الشارع يقاتلهم. هذه واحدة من حكايات الأب المناضل، أب استوحى منه الابن كل تلك الشجاعة وذاك الاندفاع الى تراب الوطن، ليس فقط الى تراب الكحالة، إنما من الكحالة الى كل لبنان، شأنه شأن كل المقاومين.

إذن ذهب طوني مرغما الى دير مشموشة ليرضي والديه، وليُسكت صوت الخوف فيهما، لكن ثمة صوت أعلى بكثير وأكثر الحاحا وعنادا كان يطنطن في وجدانه، صوت ما عاد قادرا على إسكاته إلا بالانصياع له، صوت وطنه، قرقعة البنادق، رائحة البارود، قصة وطن كانت بدأت تُغزل من حوله مشاريع البلع والضم والانتهاك الكامل من جهة، ومشروع ضوء صنع شعاعه شباب مقاومون شجعان من جهة ثانية، واصطدمت الحكايتان ليصبح العنوان واحدًا، احتلال ومقاومة، وعاد طوني ليكون في صفوفها، من ضمن رأس حربتها، من بين أول شبابها قبل أن يصبح من شهدائها.

فجأة ومن دون علم والديه عاد من دير مشموشة، والتحق بأحد المعاهد للتعليم التقني، لا، ليست هنا كل الحكاية، كان المعهد في النهار والتمرينات والمتراس والمقاومة سرا في المساء وباقي الأوقات، ثم أصرّ لاحقا على مسؤوليه العسكريين أن يكون مركزه الرئيسي في الكحالة، ثم التحق بالقوى النظامية قبل أن ينضم نهائيا الى الشيخ بشير وقواته اللبنانية العام 1982.

بيت العائلة في الكحالة تحوّل الى خطوط تماس مباشرة، تفاقم الخطر على العائلة فقررت الانتقال الى بيروت، أصبح طوني المعيل الوحيد، يعمل نهارا بالمكيّفات ويعود الى بيت قلبه المتراس والثكنات، وينزل المدينة مرة في الاسبوع لتفقّد أهله، صار نزيل المتاريس يتنقل من جبهة الى اخرى، لكنه يصر في نهاية كل جولة ان يعود ليرتاح في ثكنة الكحالة تحديدا، كانت بيته وملاذه منها انطلق الى ساحات نضاله وكان يحب أن يعود دائما اليها، فهنا الرفاق وهنا الطفولة والشباب الذي كان لا يزال في أوله، وهنا بيت العائلة وهنا الأهم من كل ذلك بعد، هنا الأرض التي صارت في مرمى عيون الغرباء والاحتلال، ومن هنا كان ليكون الدخول السهل لهؤلاء الى المناطق المحررة لولا تصدي اولئك الابطال واستبسالهم حفاظا على وجودنا ومقدساتنا.

صار لقب طوني بجاني «طوني المشّاط» اذ كانت مهمته تمشيط الأحراج أمام الشباب ليتمنكوا من الاختراق وشن الهجومات. عام 1985 خطفه جيش الاحتلال السوري من منطقة الضاحية، ماذا كان يفعل هناك؟ ومن يعرف؟ كيف كان ممكنا ملاحقة دعسات مقاوم جعل من القتال عشق كرامته؟ مستحيل، لكن يد الغريب امتدت اليه، اعتقل وتعرّض للتعذيب ليعترف بهويته وانتمائه، لكنه كان مزّق بطاقته وابتلعها كي لا يعرف السوريون مكان ثكنته فيكشف سر رفاقه ويعرضهم للموت، فعُلق على البلانكو علّه يعترف وما فعلها، تكرر مشهد الاب بالابن بعد سنوات، فما كان من والده الا أن انتحل صفة ضابط سوري وذهب الى مركز اعتقاله وأطلقه وعادا معا الى المناطق المحررة.

… وجاء ذاك المساء في ايلول 1985، كانت حال الجبهات سيئة، قصف متقطع ومناوشات تندلع من حين لآخر، كان طوني في عطلة قسرية من الجبهة بسبب ألم حاد في أسنانه، وبناء على إلحاح طبيبه بضرورة عدم الالتحاق كي لا يتعرّض للمزيد من الالتهابات، فرفض البقاء في البيت وذهب الى الثكنة، الرابعة من بعد الظهر وصل فوج الهندسة متوجها من المجلس الحربي في بيروت للإشراف على إنجاز أحد المتاريس في رجوم الكحالة، بلغة ناس المكان، اي في أحد الأحراج الداخلية العميقة الموغلة في اتجاه المنطقة الغربية، بلغة حرب ذاك الزمن، احتاجوا من يرشدهم في المنطقة ولم يكن أحدا متوافرا من رفاقه، إذ كانوا جميعا الى متاريسهم، فتولى مهمة إرشادهم على رغم الألم الشديد، وصلوا المكان المنشود وتوجّه طوني الى رأس المتراس ليجلب لهم الماء، وإذ برصاصة قناص تخترق ربيع ابن الثانية والعشرين، لتحوّل ذاك الأيلول الى نهر شهادة، أنهار حب ودمع وفراق على من اخترقوا بحبهم منظومة الحياة ليجعلوا منها نبع مياه يروي الأرض من دمائهم. مشّط طوني المساحة بهامته الحلوة، واشتعلت لأجله الجبهة، أشعل الشباب جحيما على من دنّسوا الأرض بأقدامهم القذرة لينتقموا لطوني وكل الرفاق، وليتمكنوا من سحب جثته كي لا تدنّس أياديهم الآثمة جسده الطري، عمره الذي راح لنبقى.

«كان عمري تسع سنين وكنت متعلقة فيه كتير وضل ناطرتو بالبيت تـ يجي ويخبّرني حكاياتو وياخدني مشاوير، هو لـ علمني حب الموسيقى والهدوء وحب كل اغاني التمانينات، كان ممنوع على حدن انو يقص شعري ويدللني وينفذ كل طلباتي وطلباتي عندو كانت أوامر، كان حنون ورجّال مسؤول بكل معنى الكلمة» تقول أخته ريما، رفيقتنا المناضلة الملتزمة رئيسة مركز «القوات» – الكحالة «كان ينزل ع البيت بالبدلة مع أصحابو بس حتى ياخدني كزدورة، ومرة وكان نهار الشعنينة شلحت فستاني الجديد بس شفتو جايي ورحت معو ع البحر، كان العمر معو غني ومليان ضحك وغناج وفرح…» وتغرق ريما في دمعها «رح ضل إحكي عنو حتى موت».

عندما استشهد طوني لم يستوعب الأخ الأصغر الأمر، وأراد أن يعود طوني بأسرع ما يمكن الى البيت، الى العائلة الصغيرة المتماسكة الكبيرة بنضالها، فقرر الزواج وهو بعد بعمر العشرين وأنجب طوني، «كان لازم يرجع الاسم ع البيت هو لـ رفض يتزوج قبل ما يتحرر لبنان» تقول ريما، وعلى مدى سنين نضاله حاولت أمه مرارا إقناعه بالزواج «بدي إفرح فيك وشوفك عريس وبي لأحفادي» وكان دائما يرفض الفكرة ويبعدها عنه «ما بتزوج قبل ما تخلص الحرب بلبنان»، وكانت هناك صبية حلوة تنتظره على جمر القلب كلما علمت انه «يمشّط» أرضه من الاحتلال، كانت تحبه وكان يكرر على مسامعها «ما فيي أوعدك بشي ولا علقك فيي حتى تخلص الحرب» جعلته الحرب أسيرها، سجنته القضية في قفصها الذهب لتذهب به لاحقا الى رابط أبدي سرمدي، الاستشهاد، غلبها حب الأرض، غلبته الصورة في الإطار المذهّب. «بعدو طوني عايش فينا ومعنا وكل سنة بتاريخ ميلادو منتشارك معو بالقداس»، بينما ذهبت أم طوني الى قداديسها الخاصة المتواصلة، هي التي لبست الأسود عشرة أعوام متواصلة بعد استشهاده، علما أنها وفي جناز الأربعين أصرت على الذهاب الى الثكنة في الكحالة، حيث كان مركز خدمته، وطلبت من الشباب أن تتولى مهمة الطبخ لهم والبقاء معهم «بدي حسّ إني عايشة مع ابني» كانت تقول لهم، بينما التحق «أبو طوني» بفوج الهندسة في «القوات اللبنانية» ليعيش هو أيضا حياة ابنه قبل ان يلتقيه منذ نحو السنتين، هو المناضل العتيق الذي زرع مناضلا على صورته في قلب العنفوان والكرامة لأجل لبنان. مات الأب وها هي أم الشهيد، وككل الأمهات اللواتي يشبهنها بالحب والتضحية، تشارك سنويا في قداس الشهداء وتسأل ريما دائما «أيمتى بدك تاخديني عند الحكيم؟».

أنا المشّاط طوني يوسف بجاني، ولدت في نوّار، شهر العذراء مريم، واستشهدت في أيلول شهر شهداء المقاومة اللبنانية، هذه ليست تواريخ من عبث، ولا هي مجرد صدفة، هي محطات شاءها الرب يسوع لي أن تكون كما هي عليه، شاء أن أكون عريسا في الشهادة لأكتب قصتي على صفحات، لا تذهب هدرا ان انتم كتبتم سطورها بحبر القلب والالم السعيد والاعتزاز الهادر بالكرامة قبل القلم، لتكون حكايتي وحكاية رفاقي انشودة في تاريخ وطن مقاوم، أنا طوني المشّاط، قولوا لامي اني اسمع صلواتها المبللة من عيوني، وقولوا لريما إني ما زلت أحب شعرها الطويل، ولتحكي عني دائما للرفاق لكن لا تبكي أرجوكِ فسنكون يوما في اللقاء وستزهر أرض لبنان المزيد من الأخضر والسنابل، فنحن بخور من بخور هذه الأرض، نحن الكثير من عبق لبنان أختي…

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل