
كتبت ليا ساسين في “المسيرة” – العدد 1621
وهب الأعضاء: حياتهم بين يديك
سارة، شوقي ومحمد، يوسف وإليان، رواد ووالده: روايات محبة وعطاء
عظيم أن تهب أخاك الإنسان بعض ما يحتاجه من مأكل وملبس ومال. عظيم أن تزور مريضًا يعاني من داء معين. ولكن الأعظم أن تهب بعض أعضائك لأشخاص حرموا من نعمة الصحة لتكتب لهم حياة جديدة من خلال وهب الأعضاء، وهي من أسمى أشكال العطاء.
الفكرة تصدم. لكن هل فكرت يوما بقساوة ما يلتمسه المرضى بسبب فقدان وظيفة أحد أعضائهم أو حواسهم؟ وأيهما أصعب أن تفارق الحياة وتترك أعضاءك تموت؟ أم أن تبقيها على قيد الحياة في جسد أناس لطالما بحثوا عن المعنى الحقيقي للحياة فما وجدوه؟
لا يوازي خبر وفاة الشابة سارة سليمان التي أصيبت بإطلاق نار في أحد الملاهي الليلية في زحلة، خبر تبرع أهلها بكامل أعضائها، بحسب ما ورد في وصيتها. سارة لم تمت، فقلبها ينبض في جسد شخص آخر، وكبدها أنقذ حياة إنسان مريض، ناهيك عن كليتيها اللتين غيّرتا حياة شخصين وقرنيتيها اللتين أعطتا النور لمن افتقده.
وفي سياق متّصل، خطفت قصة الدكتور شوقي يونس قلوب الكثيرين، إذ إن هذا الطبيب دخل غرفة العمليات لا لإجراء عملية جراحية فحسب، بل لوهب كليته لشاب مريض لطالما فقد الأمل في حياة مستقرة بعيدا عن العناء.
وفي التفاصيل، أراد الطبيب شوقي أن ينهي معاناة الشاب محمد ابن الـ 16 عاما، الذي يعاني من مرض في الكلى منذ عمر الخمس سنوات. هذا الشاب كان يخضع لعمليات غسل الكلى ثلاث مرات في الاسبوع لمدة سنتين متتاليتين الى ان علم د. شوقي بقصّته وقرّر انقاذ حياته لأنه رأى فيه صورة ابنه.
وبعد نجاح العملية أراد الطبيب شوقي أن يتشارك أحاسيسه ومشاعره مع محبيه على فايسبوك، فكتب: «… بالنسبة إليّ هذا اليوم هو يوم انتصار، انتصار «النحن» على «الأنا» انتصار نحن الحياة على انا الموت، نحن القيم، قيم الحق والخير والجمال والعطاء والتكافل والتعاضد الاجتماعيَيْن على أنا الفرد، أنا، القبح والشر والباطل، الانتصار على الأنانية الفردية. على مدى يومين تجلت محبتكم بأبهى صورها، معلنةً أن الجميع متضامن على الخير وعلى قِيم الخير… وإذا كنّا قد نجحنا سوياً في هذا الاختبار فإن الآتي من الأيام سيحمل لنا الكثير من الاختبارات التي تدعونا لان نكون متوحدين خلف مثلنا العليا وقيمنا الاجتماعية.»
الدكتور شوقي عبّر في صفحته على فايسبوك عن نظرته لوهب الأعضاء والحاجة الملحة إليها، وقال: “لماذا نقول لا لوهب الأعضاء، ألسنا على يقين أن وهب كلية مثلاً سيعيد طفلاً الى حضن أمه، وأباً الى كنف عائلته، وشاباً الى ربيع عمر أنهكته الآلام المبرحة؟ ماذا ننتظر؟ تجمع الشرائع الدينية على ان الإنسان هو المسؤول الأول عن حياته أمام نفسه وأمام الله الذي أودعه الحياة.”
قصص كثيرة مؤثرة تروى عن وهب الأعضاء عن تجارب من تبرّعوا ومن كانت لهم حياة جديدة بعد معاناة طويلة.
*يوسف رجل في الأربعين من العمر، وأب لأربع بنات. تبرّع بالنخاع الشوكي للشابة إليان التي لطالما عانت على مدى ثلاثة أعوام من سرطان في الدّم. ويقول يوسف بأن العملية كانت خطيرة نظرا لصلة القرابة التي تجمعه بالمريضة. ولكن اتكاله على الله، ونيته الحسنة في انقاذ حياة شابة كانت على حافة الموت، كانا السببين الرئيسيين لإنجاح هذه العملية.
وعن تجربته المميّزة التي خاضها يقول: “«كنت خايف يصرلي شي وأترك عيلتي ورايي، بس اتكلت ع الله تتنجح العملية”. مضيفا أنه بعد إجراء العملية فهم تماما معنى العطاء، خصوصا وأنه أنقذ حياة شابة عشرينية من عمر بناته كانت ستفارق الحياة في عزّ شبابها. ويتابع: “كل ما التقيت بهذه الفتاة أفرح جدا من كل قلبي لأنني أتذكر أنها تعيش وبداخلها قطعة مني”. وقد أشار الى أنه بعد نجاح العملية وشفائها التام، عادت إليان الى حياتها الطبيعية وعادت إليها ضحكتها المميّزة وعيناها البراقتان اللتان لطالما امتلأتا بالدموع لفترة طويلة.
وعندما سئل عما أذا كان سيندم على عطائه في حال فشل العملية، قال: «أبداً. كنت أفكر بهذا الاحتمال وأصلي للرب لكي لا يكسر قلب الشابة التي لم تتمكن من تحقيق أحلامها. حتى في حال كانت إرادة الله معاكسة لإرادتنا، كنت أيضًا فرحت لأنني سعيت قدر المستطاع لإنقاذ حياتها، ولم أكن السبب في وفاتها.»
وبالنسبة الى الشابة إليان، فهي تقول أنّ العمّ يوسف سبب فرحها وهي “مديونة” له كثيرا. فلولاه ما كانت وهبت نعمة الحياة، وما تمكنت من اختبار مشاعر الحب مع خطيبها الذي قَبِلها على رغم المرض الخبيث الذي عانت منه الكثير. وتشير أنها كانت تتلقى العلاج لمدة ثلاثة أعوام متتالية منعزلة تماما عن أهلها وأصدقائها لأن وضعها الصحي كان حرجاً ومناعتها كانت ضعيفة للغاية. وفي هذا الوقت، كانت أمها ترتدي قناع التنفس أو ما يعرف بالكمامة، بالإضافة إلى رداء طبي وقفازات معقّمة ليتسنى لها تقديم الطعام لابنتها. وكان الأصدقاء والأقرباء يزورونها من خلف الزجاج للاطمئنان إليها أو من خلال الاتصال بها عبر الهاتف.
وبعد أن بدأ مرض السرطان بالانتشار في جسم الشابة وبإحداث اضطرابات في وظائف عديدة من أعضاء الجسم، رأى الطبيب ضرورة زرع أنسجة من النخاع الشوكي لإنقاذ حياتها. لكن ما يجهله البعض هو أنّ ما بعد عملية زرع النخاع الشوكي يشبه تماما معاناة ما قبل العملية. فبعد إجراء العملية تعرضت الشابة لبعض المضاعفات واضطرت للانعزال عن محيطها الى حين التأكد من نجاح العملية والبدء بلمس النتائج الإيجابية. فحالتها كانت دقيقة الى أن أجريت لها العملية وبدأت تتحسن تدريجيا.
وتقول إليان: “العم يوسف غيّر حياتي، وعلى رغم الألم الذي رافقني طيلة ثلاثة أعوام، إلا أنني فخورة وسعيدة جدا لأنني بفضله أعيش حياة جميلة وصحية”. وقد دعت كلّ الخيرين للتبرع بأبسط ما يملكونه لأنّ الحياة نعمة غالية يفتقدها الكثير من الناس.
أمّا بالنّسبة الى رواد، ابن الـ 15 عاما، فقصته تختلف. رواد عانى من القصور الكلوي لمدة سنة تقريبا وصفها بالكابوس. ويقول أنّ غسل الكلى ما هو سوى معاناة لأنه حل موقت للتخلص من الألم. كان يغسل الكلى ثلاث مرّات في الأسبوع الى حين أبلغه الطبيب أن كليته تعمل بنسبة 10 في المئة فقط ما يشكل خطرا كبيرا على صحته ويستلزم اللجوء الى عملية زرع كلية. ويضيف: «نصحني الأطباء بالإسراع بإجراء العملية لأن الاستمرار في الغسل الكلوي سيضرني أكثر.» ولا شكّ أن التوتر والألم رافقا رواد خلال فترة العلاج ولا سيما في فترة التفتيش عن متبرع.
وعلى رغم وفرة جمعيات وهب الأعضاء إلا أن المتبرعين قليلون. وهنا يؤكد والد رواد أنّه لم يجد متبرعًا تتناسب أنسجته مع أنسجة إبنه. فما كان بوسعه إلّا ان خضع للفحوص الطبية اللازمة التي تخوله التبرع بكليته لابنه. ويقول: «لو بدي موت كنت رح أعطي كليتي. دموعو أغلى من حياتي.» لكن لحسن الحظ كانت النتائج مطابقة.
ويضيف الأب أن حال رواد أثّرت على وضعه الدّراسي فبسبب سوء الوضع الصحي كان عليه زيارة المستشفى بشكل دوري ليمضي فيها أيامًا كل أسبوع. وهذا ما كان يميّزه عن غيره من التلاميذ ويشكل عبءًا نفسيًا عليه. وقد اضطر لترك المدرسة في الفترة الأخيرة من تلقيه العلاج عندما بدأ الأمل بالشفاء يتراجع. وبعد إجراء العملية تغيّرت حياة رواد كليا.
أب يمنح ابنه الحياة مرة ثانية. لكن هذه المرة كان قد سبقها المر والعذاب والألم. شاب في ربيع عمره عايش الموت بينما كان الأطفال في عمره يلعبون ويفرحون ويمرحون. صحيح أنه أضاع الكثير من عمره متنقلا بين غرفة نومه والمستشفى. لكنه تعلم معنى آخر للحياة وشكلاً أسمى للعطاء.
وعليه يقول رواد: “كنت انقهر كتير ع وضعي وإزعل لأن مش قادر إلعب مع رفقاتي. بس صليت كتير والله ساعدني وشفاني”. ويكمل حديثه شاكرا والده على وهبه كليته لأنه خلصه من العذاب الذي لا يعرف قيمته سوى من عانى منه سابقا.
ومن جهته أراد الشاب الشغوف الممتلئ بالأحلام أن يشجع الجميع على وهب الأعضاء، مؤكدا أن ذلك لن يؤثر على صحتهم فحسب، بل سيكون الحل المنتظر للمرضى الذين يبحثون عن السعادة. ومن جهته، أفاد الأب أنّه لم يرَ في حياته شعورًا أجمل من اللحظة التي تبرع فيها بكليته لإنقاذ حياة ابنه. هذا الأب عاش مع ابنه لحظات الألم والسعادة ولم يقبل بكسر قلب ابنه الذي لم يعرف معنى الطفولة.
هو العطاء بكلّ ما للكلمة من معنى. عطاء بلا حدود ومن دون مقابل. أمّا المقابل فيتّسم بابتسامة الآخرين وزرع الأمل وكتابة حياة جديدة وسعيدة لمن افتقدها. فالعطاء لا يكون دائما ماديًا، بل يكون أسمى إن ارتبط بوهب الأعضاء للمرضى الذين تطول فترة معاناتهم بانتظار من سيقدِم ويساعدهم في العودة من جحيم المرض الى نعيم الحياة.

- للإشتراك في “المسيرة” Online:
- http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]