
السّيادة هي ركن أساسٌ من أساسيّات قيام الدّولة. ولا تقوم دولة ما دامت غير سيّدة على كلّ حبّة تراب من أراضيها. تحقّق جزءٌ مهمّ جدًّا من السيادة الوطنيّة بعد تنفيذ القرار الأممي رقم 425 في 25 أيّار من العام 2000، وتحقّق القسم الأكبر بعد تنفيذ القرار الأممي رقم 1559، حيث أعلنت سوريا في 30 نيسان من العام 2005 إنسحاب قوّاتها العسكريّة من لبنان بالكامل. وها هي السيادة تكتمل بعد انسحاب الجيوب الإرهابيّة التي كانت في جرود عرسال، على أمل أن تتحقّق بالمطلق بانسحاب “داعش” وأخواتها من جرود بعلبك، وعلى أمل أن ترسّم الحدود بين لبنان وسوريا للتأكّد ممّا إذا كانت تلال كفرشوبا والعرقوب ومزارع شبعا التي يتذرّع “حزب الله” بلبنانيّتها حتّى السّاعة، هي فعلًا لبنانيّة وبالتّالي تقع تحت القرار 425 لتنسحب منها إسرائيل إستكمالا لتطبيق هذا القرار. لكن هل فعلا تتحقّق السيادة بالكامل لا سيّما مع إعلانات النّصر الإلهي التي لم تنتهِ منذ العام 2000 في ظلّ تواجد البؤر الأمنيّة داخل الحدود اللبنانيّة؟ وهل أخلاقيّات التّعاطي السياسي النّاجح تفرض إعلان الإنهزام الوطني؟
على أمل أن تتحقّق كلّ السيادة اللبنانيّة على الحدود الخارجيّة المتعارف عليها للدّولة اللبنانيّة في المجامع الدّوليّة، تبقى بعض المناطق العاصية بفعل وجود سلاح غير شرعي في أيدي أبنائها؛ وهذا ما يفرض وجود مشكلة أخلاقيّة وليس سياسيّة في التّعاطي الوطني، حيث يصبح الإختلاف بالرّأي حجّة لقمع الآخر وترهيبه بقوّة فائض السلاح غير الشّرعي. كذلك بالإضافة إلى طغيان المصالح الشّخصيّة لبعض القادة والنّافذين على المصلحة الوطنيّة، هذا إذا ما استثنينا غياب الضّوابط القانونيّة والمحاسبة اللتان تضبطان إيقاع العمل السياسي الأخلاقي.
وهذا بالتّالي ما ينتج انهزامًا وطنيًّا لمصلحة الفساد وكلّ ما هو غير شرعي، من سلاح وفائض قوّة ورصاص طائش ومتفلّت من جميع الجهات. وكان من الأجدى على “حزب الله” ومن ناصره الولاء الذّمّي والإنهزامي أن يتقدّم من الجيش اللبناني بتحيّة عرفان لثلاثة عقود من الزّمن، لا سيّما وأنّ دماء النّقيب سامر حنّا ما زالت نضارتها صارخة على تلّة موقع سجد. وعوض أن يزايد الحزب على الجيش بالتّفاوض والحروب خارج الحدود، خدمة للمشروع الفارسي الأممي، فليسلّم سلاحه للجيش اللبناني هديّة في عيده ولينخرط كليًّا في العمل السياسي. فوجود “حزب الله” السياسي والآخر العسكري لم يعد مشروعًا ولا يتزامن مع مشروع سيادة الدّولة ووجوديّة الوطن. وهذه المواجهة لن تتوقّف عند حدود استعادة السيادة المطلقة، بل هذ مواجهة مفتوحة مع كلّ من تسوّله نفسه عقد صفقات من جيوب المواطنين وعلى حساب كراماتهم. والهدف منها الوصول إلى دولة قادرة قويّة بجيشها، لا فساد فيها، لا صفقات ولا أسلحة متفلّتة ولا مطلوبين متوارين في بؤر ومخيّمات أمنيّة، يسلَّمون مع كلّ جولة مفاوضات يجريها أصحاب السلاح المتفلّت وغير الشّرعي خارج إطار الدّولة.
ولا بدّ هنا من الإشادة بالنّهج الذي أرسته “القوّات اللبنانيّة” في التّعاطي بالشّأن العام بعيدًا من الإنتصارات الإلهيّة ومن دون الزّحف عند أبواب السلاطين والفقهاء والملاليّين. هذا من دون إغفال عدم انخراط “القوّات” في بعض الصفقات المشبوهة.
وقيامة الدّولة الحقيقيّة لا تكون إلا باستعادة السيادة على الحدود وداخل الدّولة في كلّ المناطق من دون استثناء. وما كشفته مشاركة “القوّات” في الدّولة من اهتراء وانعدام في المسؤوليّة لن يتصحّح إلا من خلال النّهج الجديد في العمل السياسي الذي أرسته، وعندها فقط كلّ مفاعيل الإنتصارات الإلهيّة الزّائفة تزول وتسقط كلّ الإنهزامات الوطنيّة التي ترسي المزيد من الذميّة المرفوضة عبر التّاريخ. ومن لا يقرأ التّاريخ مشكلة. أمّا من يقرأ ولا يفهم فمشكلة أكبر بكثير.