
يقف الجندي عند تلة بلاده، يحمل منظاره ويراقب المساحات البعيدة الموغلة في الخطر. ثمة خطر اقرب بكثير بعد، ثمة خطر هو الخطر بعينه يتربّص به، ثمة من يريد ان يتركه هناك معلّقًا على صخرة العيون ليكون تمثال جماد ويتولى هو عنه بندقية الشرف، لكن المشكلة ان الجندي عنيد يتمسّك ببندقيته ولا يرخيها من بين ايمانه، كيف تحارب مؤمنًا اعتنق ارضه حتى الشهادة؟ يقف الآخر القريب حائرًا، لم تنته محاولاته بعد، منذ أعوام واعوام وهو يفعلها، يقرر حربًا طائشة هناك وهنالك، ينهمر الشهداء في كل مكان، يدخل سلمًا آنيًا مقنعًا مفترضًا على عيون الجندي، على عيون ارضه وبدلته، والجندي لا يستسلم، لا يثق بأي آخر يحمل عنه بندقيته، يركض في كل الاتجاهات، يبحث عن خطر يداهم الناس ليرفعه عنهم، يقف في موقدة النار التي اشعلها ذاك الآخر ليحترق عن بلاده وارضه وناسها، ويهرول مجنونًا ليعود الى التلة ويقف حارسًا على التراب. لا يتسنّى للجندي أن يغيّر بدلته، لا يريد ان يغيّر موقعه كي لا يحتله احد آخر، اي آخر من قلب البلاد او من خارجها، لا يترك جندي موقعه، تلّته، الا حين يرتفع فوقها شهيدًا…
يقف الجندي عند تلّة بلاده يتلو صلواته، يرفع رأسه الى فوق فوق لـ مطرح لـ بيوقف الزمان ولا يسكر من مجد بلاده، لا يسمح له بالسكر حتى في عز الانتصار، فالجبهة مفتوحة، دائمًا مفتوحة وعيونه لا يجب أن تغمض لحظة، فقلب الوطن كما تلاله دائمًا مشروع احتلال وهيمنة، قلب البلاد وتلالها حصرمة الاعداء واعداء الداخل اخطر بكثير من اي غريب عند تلك الحدود، يتلو الجندي صلاته الموحدة العابرة لطائفة ومذهب ورئيس وزعيم، يصرخ بأعلى صوته “اقسم بالله العظيم ان اصون بلادي، اقسم بالله العظيم ان تكون بلادي كتابي المقدس اتلو فيه معتقداتي وايماني الخالص لهذه الارض، اقسم بالله العظيم ان اقطع اليد، اي يد تمتد اليه لتغرف من شرفه وترميه في نار الذل والاستسلام”، سمعت البراري صوت الجندي، لم تخف منه بل خافت عليه، تعرف ان الذئاب تتربّص به في كل تلك الجرود والقمم والانهار والجبال والمساحات الخضراء والجرداء، تعرف انه مشروع شهيد في كل لحظة، تعرف ان الارض حلم احتلال في كل ثانية، تحاول ان تنبّهه، ان تلفته الى ما يحدق به، لا يسمع الجندي ولا حتى يلتفت، يحمل منظاره ويكمل مهمته…
جاءه مرسال، ثمة من جعل ذات زمن أسود عيد جيشه تزامنًا مع عيد جيش احتلال غريب عن الارض، لم يبالِ، لم ينفعل، غيّر من اتجاه وقوفه عند التلة، وجهه المشع وبندقيته المحشوة عنفوانًا صوب أرض الغرباء “هيدي ارضي وهيدا وجّي الحلو، بارودتي صوب اي عدو، عيني على الغريب وع الاحتلال مهما كانت جنسيته، هويتي لبنان وانا باقي هون واقف ع التلة عم صلّي وصلواتي هي البارود لـ بيزلغط بوج عدو وقت يمد ايدو على لبنان” وهرول باتجاه الريح يجلس الى تلة لبنان، كل شيء تحت التلة يبدو صغيرًا صغيرًا، كلهم صغار عندما يتحولون الى ادوات الغرباء على ارض الوطن، يعرف انهم يحاولون ان يبدوا عمالقة حين يتجبّرون بالسلاح والعتاد، لكن الوطن اكبر بكثير من كل شيء، من اي أحد، من اي مشروع، من كل هؤلاء ومن سبقهم ومن يحاول ان يأتي معهم او بعدهم، الوطن اكبر من اي ولاية، من اي حلم بالبلع والضم والاحتلال، الوطن كبير كبير بحجم السماء والارض ولو كان لا يتسّع احيانًا لاحلامنا وطموحاتنا، الوطن هو نحن، هو من نحب، هو تلك القيمة الانسانية السماوية الكبيرة، الوطن هو القلب وحيث يكون القلب تكون الارض التي نزرع ونحرث ونحصد ونبني، الوطن هو هناك عند تلال الخطر حيث يقف ذاك الجندي الاخضر من بلادي، يصرخ في وجه الكل ” شيل ايدك عن لبنان”…وينتشل بندقية من ذراع محتل ويسرع الى وقفته وقفة العز عند التلة، ولا يعرف ان كان سيعود الى بيته او ثكنته يسلّم الموقع لرفيقه ليذهب الى تلة اخرى او… يرتفع شهيدًا فوقها، هؤلاء هم الكبار في بلادي في عيدهم وغير عيدهم، اتسمح ان تنزل وترتاح قليلاً ونستلم عنك المهمة لبعض الوقت؟ ينظر بعبسة ويشيح بوجهه الى الشمس “هيدي مهمتي وحدي روحوا عيشوا الوطن بباقي التفاصيل”…
