
لوهلة، للحظة هاربة في الخوف، تظن أن البلد انتهى، اُعلنَ رسميًا استسلامه للولاية الغريبة الهجينة البعيدة عن عبق أرض الأرز والمواسم والخير…الخير؟ أيحق لنا ان نسأل هل ثمة خير بعد في هذه البلاد؟! نعم يحق لنا أن نسأل ويحق لنا أن نخاف. أنا خائفة أعترف! لوهلة شعرت ان الأرض تتفسّخ من تحت أقدامي، بدت المشهدية الهمروجة في عرسال وكأنها فيلم خُصصت مشاهده لفئة معينة من اللبنانيين، اللبنانيون من غير “الابطال” في تلك المشهدية، اللبنانيون المعترِضون عليها، اللبنانيون الوحيدون الذين استنكروا واستهجنوا وكتبوا على صفحاتهم صدق مشاعرهم، وأعلنوا سخطهم وسخريتهم، والواقع انهم كانوا يعلنون خوفهم، الا يحق لهم بذلك، أم لعلهم جبناء عملاء، التعبير الاهم الدارج “عملاء”، مستسلمون؟!!
ثمة الكثير من الفوضى، ثمة من يفاوض عن الدولة اللبنانية، ويشن الحروب عنها، وينتصر حين يشاء عنها، ويقنع العالم انه “منتصر” بحرب اعلامية ضروس يخوّن فيها من يشاء، ويزرع “الابطال” كالطحين أينما يشاء وساعة يشاء، ويفرض على الدولة خروج ارهابيين من سجونها تنفيذًا لشروط ارهابيين آخرين مقابل الافراج عن كم اسير له لديهم، ولبنان الاسير في حرب عبثية خارج أرضه، لا يزال لا يتحرك لاجل مئات مئات الأسرى اللبنانيين في اقبية ذاك النظام القاتل في الشام، ولا من يسأل عنهم ولعله ممنوع السؤال، الا يحق لنا ان نخاف على كيان تلك الدولة من تلك الدويلة؟!
ليس السخط من خروج ارهابيين من ارض الوطن، مكانهم اساسًا ليس هنا، وليست الدولة التي ادخلتهم “سواحًا” الى ربوعها، انما السخط من أن يتولى طرف مسلّح هو بالاساس من أدخلهم عنوة عنا وعن الارض والناس، الى لبنان، بسبب تدخّله العسكري بأرض هؤلاء، ودخول الطرفين في صراع عسكري دموي دفع لبنان ثمنه اغلى من الغالي، شهداء وهيبة ارض وجيش ووطن، وهذا الطرف يفعل المستحيل ليبدو انه هو صاحب الارض والقرار!!
راقبت قوافل الارهابيين تغادر جرود عرسال، عظيم، وباللبناني نقول “درب تسد وما ترد” اكيد، لكن في المقابل، راقبت على مدار نحو عشرة ايام الاعلام اللبناني المتماهي مع إعلام “حزب الله”، لماذا؟ لماذا لم يجرؤ مراسل “حر” على قول الحقيقة كما هي؟ لماذا تحوّل الاعلام في لبنان الى حفل تكاذب وتشويه للحقائق وشاهد زور بكل المقاييس؟! الحزب واعلامه يفعلان ما يناسبهما وهذا طبيعي، لكن لماذا لم يقل الاعلام اللبناني الاخر ان ما جرى مثلا لم يكن سوى تصفية حسابات بين تنظيمين متقاتلين في سوريا، واحد ضد النظام وآخر معه، انجزا صفقة على ارض لبنان على عين هيبة الدولة وصورة الوطن صاحب السيادة والسطوة بالاساس؟! لماذا لم يذكر الاعلام “الحر” ان طلبات ذاك الارهابي ابو مالك التلي تحولت الى اوامر، والذي ربما لو طلب تملّك التلال في الجرود لكان لبي طلبه مقابل انجاز عملية التسلم والتسليم تلك؟!! لماذا لم يذكر الاعلام “الحر” ان ليس صحيحًا على الاطلاق ان في لبنان منظومة ذهبية موافق عليها اسمها “جيش شعب مقاومة” لا، في لبنان معادلة ذهبية واحدة يصرخ لاجلها غالبية الشعب اللبناني، باستناء جمهور “حزب الله” طبعًا، واسمها “جيش شعب وطن”، لماذا لم تذكروا غضب اللبنانيين مما يجري لناحية استباحة هيبة الجيش اللبناني، ودعكم من عبارات التملق تلك واهداء “النصر” المفترض للجيش ولنا نحن الشعب؟!
لماذا نستمر في الكذب في لبنان؟ مما نخاف بعد؟ ستي في قبرها صارت تعرف كيف تحلل في السياسة لان الاشخاص والاحداث اصبحت مفلوشة، مفضوحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا شيء مخفي على الناس، لا الصفقات ولا الاسرار، صرنا زاروبًا صغيرًا في هذا الكون الضيق المفلوش، وكل تفاصيلنا صارت مباحة، صرنا أسرى الاعلام في كل الاتجاهات، فكونوا على الاقل أحرارًا برأيكم لتبقى لنا هذه القيمة الانسانية لاجل وطننا، قولوا الحقيقة وتحرروا، والحقيقة اننا خائفون وخائفون جدًا على وطن الارز لان من الواضح جدًا ان الخطر صار اكبر بكثير مما نتوقع، اكبر بكثير من مجرد صفقات وانتصارات واهية، ثمة من يعربش على الارزة، من خارج الحدود، وبدأ بقطع شلوحها يا عالم، الن نتحرّك لقطع الطريق عليه؟!…
