
كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1622
تنتهي فصول معركة جرود عرسال وتتم الصفقة بين “جبهة النصرة” و”حزب الله” ولكن الأسئلة لن تنتهي. وقد يبدأ الجيش اللبناني بين لحظة وأخرى معركة تحرير جرود القاع وراس بعلبك من تنظيم “داعش” داخل الأراضي اللبنانية، ولكن هناك أيضا أسئلة ستظل مطروحة بانتظار أن تكون هناك أجوبة عليها. وإذا كان “حزب الله” حاول أن يربح المعركة من دون قتال عن طريق المفاوضات مع “النصرة” فهل يمكن للحكومة عبر الوسطاء الرسميين وغير الرسميين أن تفاوض “داعش” من أجل الإنسحاب من الأراضي اللبنانية التي يحتلها من دون قتال؟
بين معارك جرود عرسال المنتهية ومعارك جرود راس بعلبك والقاع المنتظرة هناك الكثير من النقاط التي يمكن التوقف عندها:
هل كان “حزب الله” يريد أن تكون معركته ضد “النصرة” وحدها أم كان يخطط لمتابعتها ضد “داعش”؟ بحسب المعطيات السياسية والميدانية التي سبقت المعركة كانت المسألة محصورة بتنظيم «جبهة النصرة» في جرود عرسال من خلال التهديدات التي وجهها “حزب الله” إليه ومن خلال الوساطات التي كانت تحصل. وعندما فشلت هذه الوساطات بدأ الحزب معركته.
قبل المعركة كان الحزب قد حشد قواته ولكن العمل الأهم كان أنه تمكن عمليا من تحييد “سرايا أهل الشام” التي كانت تتقاسم السيطرة على هذه الجرود مع “النصرة”. وعندما بدأت المعركة كان خروج هذه السرايا السريع منها هو الذي فاجأ “النصرة” وجعلها تنسحب تدريجًا إلى مناطق المخيمات في وادي الخيل ومدينة الملاهي لتقبل بالتفاوض على الإنسحاب.
ما ساعد “حزب الله” في المعركة أيضًا أن الجماعات الأصولية كانت تتقاتل في ما بينها. ثمة معارك حصلت بين “النصرة” والسرايا وبين “النصرة” و”داعش”. ولعل هذه الصراعات كانت أقوى من صراع كل منها مع “حزب الله” وهذا ما يفسر سبب عدم خوض المعركة معًا وسبب تفضيل مسؤول “جبهة النصرة” أبو مالك التلي التفاوض مع الحزب للإنسحاب إلى إدلب بدل الإنسحاب إلى المناطق التي يسيطر عليها “داعش”. وهذا الأمر سيجعل المعركة ضد “داعش” أسهل لأنها ستكون محصورة في مناطق محددة جغرافيا وعسكريا وكما كان خروج «سرايا أهل الشام» من المعركة سببا لسقوط “النصرة” فإن خروج «النصرة» سيكون أيضًا سببًا لسقوط “داعش”.
ما لم يمكن فهمه بسهولة هو سبب لجوء “حزب الله” إلى التفاوض مع “النصرة” بدل أن يكمل حسم المعركة عسكريًا. فهل كانت معركته من أجل تحرير أسراه الخمسة مع “النصرة” الذين ارتفع عددهم إلى ثمانية بعد أسر ثلاثة في آخر أيام القتال؟ وهل كان أبو مالك التلي هو المستفيد من المفاوضات؟ ولماذا سمح الحزب لهذا العدد من المسلحين بالخروج من الحصار لمقاتلته في جبهات أخرى؟
لقد أظهرت الصور التي كان يوزعها “حزب الله” أن “النصرة” لم تكن لديها تلك التحصينات الكبيرة المانعة لتقدمه. أكبر موقع عسكري تم الكشف عنه هو ما قيل إنه كان مقر أبو مالك التلي حيث كان يحتجز العسكريين المخطوفين وهو يظهر القدرات المتواضعة التي كان يختبئ وراءها.
الأمر الذي لم يكن مفهومًا أيضًا هو السماح بمغادرة هذا العدد الكبير من النازحين السوريين مع قافلة التلي. إذا كان عدد المسلحين بالمئات فلماذا اختار نحو سبعة آلاف نازح المغادرة معهم؟ هل هم من عائلاتهم فقط أم أن عامل الخوف من “حزب الله” هو الذي سيطر عليهم؟ إن مشهد الحافلات التي دخلت إلى الجرود هو نفسه مشهد عمليات الترانسفير الداخلي التي حصلت في أكثر من منطقة في حلب وحمص وريف دمشق والفوعة وكفريا والزبداني ومضايا. ولذلك لا يمكن فصل هذه المسألة عما يحكى عن رسم خرائط جديدة لسوريا ومناطق نفوذ يتم اقتسامها وتكريسها على أرض الواقع.
السؤال الأهم الذي يمكن طرحه ما بعد انسحاب “النصرة” هو عما إذا كان الجيش اللبناني سيتسلم المناطق التي انسحب منها، خصوصًا تلك التي بقيت حتى اللحظة الأخيرة معه ولم يأخذها “حزب الله” بالقتال في مخيمات النازحين ووادي الخيل ومدينة الملاهي وغيرها، أم أن “حزب الله” سيحتفظ لنفسه بها حتى تنجلي معارك الجيش ضد “داعش”.
هل ستنهي معركة جرود عرسال وانسحاب “النصرة” الوضع الذي كان في عرسال؟ وهل يمكن أن تبقى في البلدة مجموعات مسلحة؟ وبالتالي ألا يجب أن يدخل الجيش تلقائيًا وبتسهيل من الأهالي إلى عرسال لإنهاء الوضع الشاذ الذي كان فيها؟
إذا كان ممكناً إجراء اتصالات مع “النصرة” من أجل أن تنسحب من جرود عرسال، فلماذا لا تكون هناك وساطات مع تنظيم «داعش» لتلافي حصول المعركة مع الجيش؟ فهذا التنظيم هو اليوم في موقف ضعيف وبات مستفردًا في الجرود التي يسيطر عليها في لبنان ولا يكلفه كثيرا إن انسحب منها مثلا وبقي في تلك التي يحتلها داخل الأراضي السورية. وهو في شكل عام في وضع أصعب من “النصرة” لأنه يتعرض لحرب إنهاء داخل سوريا بينما لا تتعرض “النصرة” لمثل هذه الحرب وتبقى لها مناطق تسيطر عليها.
لقد تم قرع طبول الحرب التي استعد لها الجيش بطريقة قد تؤثر على مسار المعركة التي يفترض أن يكون التحضير لها سريا. وما يواجهه الجيش على الأرض ليس سهلاً. فهو قد يحقق انتصارًا سريعًا ولكنه سيتوقف عند الحدود اللبنانية ـ السورية والسؤال هنا: ماذا لو بقي تنظيم “داعش” داخل سوريا؟ هل ستكون هناك جبهة مفتوحة مع الجيش اللبناني عبر الحدود أم أن الجيش السوري و”حزب الله” سيتكفلان بإنهاء وضعه هناك؟ وإذا لم يحصل ذلك فهل يعني أن الجيش استدرج إلى حرب طويلة؟
ثمة نقطة ستبقى غامضة وهي مصير العسكريين التسعة المخطوفين لدى “داعش” حيث أن هذا التنظيم لن يكشف عما حل بهم وعما إذا كانوا لا يزالون أحياء ولو خسر المعركة وخرج من المنطقة.
إن تحقيق الجيش اللبناني انتصارًا سريعًا في هذه المعركة سيجعله المنتصر الأكبر بحيث ستتم المقارنة حتمًا بين الإنجاز الوطني الذي حققه وبين إنجاز “حزب الله” وهذا الأمر يجب أن يقترن بقرار واضح وتغطية من الحكومة ورئاسة الجمهورية.
إن توقيت معركة جرود القاع وراس بعلبك قد يتزامن مع زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون إلى واشنطن للمشاركة في الإجتماعات العسكرية لقادة جيوش دول التحالف ضد “داعش” وهي تأتي بعد شهرين تقريبًا على تفقده مع الجنرال الأميركي جوزف فوتيل خطوط التماس في تلك الجرود. فهل سيكون هناك دور لقوات التحالف في هذه المعركة عن طريق الغارات الجوية أم أن هذا التحالف سيترك الجيش وحيدًا؟ وهل ستحصل المعركة قبل موعد الزيارة في منتصف آب أم بعده؟
المعركة المنتظرة تحصل أيضًا بعد زيارة الرئيس سعد الحريري إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي هاجم “حزب الله” بحضوره متحدثاً عن أنه سيوقع قرار العقوبات ضده. فهل ستزيل هذه العقوبات مفاعيل ما حققه الحزب في الحرب ضد “النصرة”؟ وكيف ستتعاطى معها الحكومة؟
قبل ثلاثة أعوام كان لبنان واقعا فعلاً تحت خطر امتداد النار السورية إليه. لقد حاول مسلحو التنظيمات المعارضة السورية الدخول إلى لبنان من أكثر من منطقة وكانت هناك خشية فعلية من اجتيازهم الحدود اللبنانية. حصل ذلك عندما كانوا في منطقة تلكلخ المواجهة لوادي خالد في لبنان. وعندما تقدم «داعش» من تدمر نحو حمص وكاد أن يتصل بمناطق المعارضة الأخرى. وتهدد الخطر لبنان أيضًا في 2 آب 2014 في الإختراق الذي حصل على جبهة عرسال. وكان للجيش اللبناني الدور الرئيسي في رد هذا العدوان. اليوم بعد ثلاثة أعوام لا بد من أن يكمل الجيش تصحيح الوضع وإقفال الحدود نهائيا أمام الخطر السوري وينبغي على “حزب الله” أيضًا أن يساعد في إقفال هذه الحدود عبر تسليمها إلى الجيش.
وبالتالي هل سيمحو آب 2017 آثار آب 2014؟
- للإشتراك في “المسيرة” Online:
- http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
