
فيما نحن عليه من واقع سياسي تتحكم به اعتبارات ومصالح وأولويات متناقضة في طروحاتها ومقاربتها للامور، وفِي ظل واقع اقتصادي مهترىء الى حد ما، نتيجة للمسار السياسي السيئ في تراكماته على مدى سنين وعهود مضت، جاءت سلسلة الرتب والرواتب لتزيد الأمور سوءاً واضعة أوزارها على كاهل الاقتصاد الوطني ومالية الدولة اللبنانية وما قد تتسبب به من تداعيات قد تطال واقعنا الحياتي اليومي من اعباء ضريبية جديدة الى زيادة متوقعة في غلاء المعيشة والى ما هنالك من أمور قد تطرأ على واقع البنيان الاقتصادي عامة من تضخم قد يطال العملة الوطنية وما قد يتسبب به من انخفاض في قدرتها الشرائية، والذي سوف يشكل بطبيعة الحال اعباء إضافية ستطال بنتائجها اصحاب المداخيل المتواضعة أو الذين لم تشملهم السلسلة من اصحاب المهن الحرة وموظفي القطاع الخاص، الأمر الذي سوف يترتب عليه ما يعرف باللاعدالة في توزيع المداخيل على مستوى الدخل الوطني والذي يندرج تحت باب ما يسمى بوصف الدواء قبل تشخيص المرض.
ولكن وعلى اي حال وبغض النظر عن مدى صوابية القرار السياسي باقرار سلسلة الرتب والرواتب وانعكاس ذلك على واقع بنيان الاقتصاد اللبناني، كما وبغض النظر عن مدى صوابية مصادر تمويل السلسلة، كما وفيما لو تخطينا مبدئياً تداعيات سلسلة الرتب على واقع البنيان الاقتصادي عامة ومالية الدولة اللبنانية خاصة والى ما هنالك من أمور، وبنظرة موضوعية لواقع الاقتصاد اللبناني وما يعانيه اليوم من شرذمة وانتكاسات متتالية، نرى ان مقاربة الأمور لهذه الناحية لا يمكن تحييدها عن مسارها الصحيح أو إعتماد سياسة طمر الرأس وهي سياسة النعامة والرمل تفادياً لما هو متربص بِنَا. فالمشكلة وفيما لو دققنا بها بتمعن تكمن أولاً وأخيراً في الفساد ومزاريب الهدر التي أودت بنا إلى حيث لا نريد، والتي لا يمكن مكافحتها بسياسة طمر الرأس إنما بقرار سياسي جريء يضع النقاط على الحروف ويصوّب البوصلة بالإتجاه الصحيح، فأن نصل متأخرين خير من أن لا نصل، ذلك أن المشكلة هي مشكلة مصير وطن بأكمله وشعب بأسره، لاسيما وأننا بتنا اليوم امام ظاهرة مستفحلة ووقحة أصابت كل مفاصل الدولة الحيوية وانعكست على واقع الاقتصاد الوطني وشكلت بالوقت نفسه جرحاً نازفاً في خزينة الدولة اللبنانية.
فظاهرة الفساد في لبنان شكلت مرتكزاً لاهتراء الدولة وتآكل بنيانها اقتصادياً كان أم اجتماعياً وذلك على مستوى مكامن الهدر فيها من صفقات ومحسوبيات وتلزيمات لا تراعي الأنظمة والقوانين والتي شكلت بطبيعة الحال مكمناً قاتلاً لمالية الدولة ومواردها ورتبت بالوقت نفسه ديوناً تراكمية بالمليارات وأعباء على الخزينة يصعب تداركها أو معالجتها. وهذا ما شكل نموذجاً سيئاً لواقع مهترئ تحكمه أولويات المصالح الشخصية والمحسوبيات دون رقيب أو حسيب، ومن هذا المنطلق عبثاً نتكلم عن دولة القانون في ظل واقع متشعب المصالح ومتناقض الخيارات، كما وعبثاً نتكلم عن مصادر حيوية لتمويل السلسلة في ظل ما نحن عليه من عدم إنضباط للوضع المالي إذا لم نضع الإصبع على الجرح والعمل على سد مزايب الهدر والفساد المتربص بنا شراً، والتي وفي حال تم ضبطها (إفتراضياً…) فإن ذلك سوف يؤدي بنا حتماً ومن دون أدنى شك إلى وضع مالي أكثر طمأنينة لواقع الإقتصاد ومالية الدولة وسوف يشكل بالوقت نفسه غطاء آمناً لسلسلة أكثر شمولية وعدالة بحيث تطال كل فئات الشعب اللبناني دون أن يصاب المواطن أو الخزينة بأي ضرر أو أذى من جرائها…
أما إذا كان المطلوب تمويل سلسلة الرتب والرواتب من جيوب المواطنين بإستحداث ضرائب جديدة أقل ما يقال فيها إنها عشوائية بحدها الأدنى والتي ستصيب بنتائجها الكارثية من استفاد من أحكام السلسلة ومن لم يستفد، فإن ذلك سوف يقود بطبيعة الحال وبالإضافة إلى خرق مبدأ المساواة والكيل بمكيالين والتوزيع اللامتكافئ للمداخيل، فإنها سوف تقود إلى ما يعرف باللاعدالة في القوانين الضريبية التي سوف تصيب بنتائجها كل فئات المجتمع اللبناني ممن إستفادوا ومن لم يستفيدوا كذلك، وهذا بطبيعة الحال سيشكل خرقاً لمبدأ المساواة على أكثر من صعيد وسيترتب عليه سواء شئنا أم أبينا، كوارث إجتماعية ستصيب بنتائجها المواطن اللبناني في حياته اليومية والمعيشية من ضرائب جديدة لم تكن في الحسبان إلى غلاء حتمي للمعيشة وما سيرافق ذلك من ارتفاع في أسعار السلع الإستهلاكية سواء الضرورية أو الكمالية، أما عن الأقساط المدرسية فحدث ولا حرج… وإلى ما هنالك من تداعيات سوف تصيب واقع الإقتصاد اللبناني عامة والذي قد يقود ربما إلى احداث تضخم على مستوى العملة الوطنية وما قد يترتب عليه من إنخفاض في قدرتها الشرائية نتيجة لضخ سيولة مالية جديدة في السوق اللبنانية بطريقة عشوائية وغير منضبطة وتداعيات ذلك على واقع الإقتصاد…
فواقع السلسلة بعد كل ما سلف، يحتاج إلى خطة إصلاحية شاملة تطال فيما تطال مكامن الهدر والفساد في كل قطاعات الدولة ومن أي نوع كانت وليس بتحميل المواطن وزراً وأعباء جديدة لا يستطيع أصلاً تحملها وعندها فقط نتكلم عن سلسلة رتب ورواتب عادلة وشاملة تطال كل فئات المجتمع اللبناني دون استثناء أو تمييز…