نحن لها وكلنا مع الجيش

كتبت فيرا بومنصف في المسيرة العدد 1622:

يزنّر الخطر تلك المساحات. يرتفع الصليب هناكفوق على رأس التلّة في بلدة القاع. هنا البقاع الشرقي، هنا ملفى الشمس الحارَّة وصقيع الليالي والناس المقاومة، هنا كان ذات احتلال وعملاء ونهر الشهداء حين اجتاحها دواعش زمن السبعينات، وهنا تجدد النهر وصُبغ بالاحمر حين اجتاحها الدواعش الجدد منذ عام، وما أكثرهم صاروا في أرض الشهداء والمقاومين، وهنا يتهيأ المكان لحرب قاسية بين عناصر “داعش” المتغلغلين في مشاريع القاع، والجيش اللبناني المتغلغل في قلوب الناس المنتظرة اعلانه لحظة الصفر، وليس أجمل من ذاك الانتظار بالنسبة للقاعيين.

ليس وحده الأول من آب من يشعل الدعم الشعبي الكبير للجيش اللبناني في عيده، هو محطة احتفالية عابرة، لكن الخوف على الوطن، على جيشه، جعل التاريخ محطة يومية للاحتفال وللتذكير بان ما تبقى للبنانيين الا هذا الجيش رمزا كبيرا لكرامة الوطن، والأول من آب كان المناسبة لانطلاقة الوزير بيار بوعاصي في جولة باتجاه البقاع الشمالي والشرقي، ليصل ويقف عند ذاك المتراس حيث رسم الجيش خطا من خطوط الدفاع والهجوم، وليعلن وزير «القوات اللبنانية» ان “جيشنا قدام الكل ونحنا وراه”.

حرارة الطقس تلامس مستوياتها العالية في تلك السهول المترامية، وحرارة اللقاء لم تكن أقل من حفاوة الشمس، انه آب اللهاب، وهي تلك البقاع السخية بناسها ومواسمها، قبل أن يتحول السخاء هنا الى خطر فائض دخيل يجود على الناس بتلك المشاعر الدخيلة أيضا، الخوف على المصير. لم يعد المكان ملعب الريح والحرية، الإرهابيون المتغلغلون في المجهول، حوّلوه الى ساحة حرب قد تندلع في أي لحظة، والناس لا تريد حربا الا تلك التي يقررها الجيش اللبناني وحده، لا تريد شريكا يدّعي الحرص على الوطن في حين يشعل الوطن والجوار بحروبه العبثية، لا تريد أن تسمع وترى سوى بندقية الجيش اللبناني تلعلع بأزيز الكرامة، فناس المكان ليسوا أطرافا منسية على هامش أرض وجبال وسهول، ناس المكان هم الوطن وسهله وجبله ومواسمه أيضا، ولا يقبلون بغير عنوان الشرف ليزود عنهم وعن أرضهم.

تعزيزات فوج المجوقل في الجيش اللبناني تمتد من عرسال ورأس بعلبك حتى القاع  ومحيطهما، الدوريات المؤللة المكثفة متواصلة تحسبا لأي طارئ والطارئ هنا غير اعتيادي، الطارئ هنا يعني تسلل الإرهابيين والقيام بعمليات انتحارية، إذ لم تجف بعد دماء شهداء القاع من ثماني تفجيرات استهدفتها الصيف الماضي، بعد تسلل وحوش «داعش» الى قلب البلدة.

الى هنا، الى تلك البقاع المترامية السخية شمسا وخطرا وصل بو عاصي، لم ينصحه الجيش بدخول المخيمات في عرسال، فالوضع أخطر بكثير من أن يوصّف ولا يمكن تجاهل الخطر المحدق، لم يكن الوزير الموفد من الدكتور سمير جعجع لوحده، معه وفد مرافق ومن بينهم مرشح البقاع الشمالي الدكتور أنطوان حبشي، لم يكترث الوزير المندفع لزيارة المكان للمحظورات الأمنية أساسا، هو يعرف أن ثمة من يتعرّض على مدار الثواني لأخطار هائلة لكنه يقتحم الخطر، يصدّه بعمر شبابه كي لا تضيع الأرض والناس، كان يجب أن يذهب اليهم ليعلن لهم الولاء المطلق والمساندة إذا اقتضت الحاجة، وليكن الربّ راعي المشوار الطويل المزنّر بالأخطار، هذا وطن استمر وبقي وصمد بالأساس، ليس لأن ثمّة من دافع عنه حتى الاستشهاد وحسب، لكن أيضا لأن عين الله لا تسقط عنه، جنود القديسين لا تتركه لحظة، وشاح العذراء مريم لم يرتخِ يوما عن أرزه قبل أن يلفحه بهالة الأمان تلك.

من اللبوة مقر اللواء التاسع، انتقل الوفد برفقة ضباط  من الجيش اللبناني الى جبهة عرسال، هناك وقف الوزير الى متراس الرمل في الخطوط الأمامية للجبهة، غريب الشعور كيف ينتقل من الخوف والتردد الى العناد المطلق والإصرار على المواجهة حين ترى المتاريس الخضراء المرقطة بقلب الشجعان، تنتصب استعدادا على خطوط النار، فيصبح كل منا جنديًا يأكل النار لأجل أن يصدّها عن أخضر بلاده «أنا مستعد كون ع الجبهة بأي لحظة إذا الجيش طلبني للمساندة» قال بو عاصي، ولم يكن الرجل يلقي مجاملات، هو المقاتل العتيق لأجل بلاده قبل ان يصبح وزيرا مقاتلا في صفوف مكافحة الفساد والهدر، كلها حروب وكلها لأجل وطن حلم…

من عرسال الى الجديدة الى رأس بعلبك، وفي كل بلدة محطة مع الأهالي ومطالبهم، ومحطات الأهالي هناك ليست مجرد كلمات، فهناك الصمود الحقيقي بوجه كل شيء، شؤونهم الاجتماعية والإنسانية وكل خطر أمني محدق بهم كأنفاسهم. ليسوا مواطنين عاديين، فهؤلاء يجترحون الحياة والمقاومة، هؤلاء مقاومة حقيقية لأجل أن تبقى بلداتهم في عرس مواسمها وأن تبقى أراضيهم لبنانية لبنانية من دون أن تُفرض عليهم أجندات ومقاومات دخيلة لا علاقة لها بأرض لبنان وقيم لبنان وبهوية لبنان الحقيقية.

… وهنا المحطة الأخيرة، هنا القاع. لا يمكن الوصول الى بلدة المقاومين من دون التوقف. فهنا المعركة المنتظرة بين الجيش اللبناني والإرهاب. هنا آخر خطوط المواجهة التي يرسمها الجيش وهنا ستكون مقبرة وحوش الإنسانية.

هذه ليست بقاعا عادية كسواها من بقاع هذه الأرض، وهذه ليست قاعا عادية أسوة بقرى وبلدات ذاك البقاع، هذه بلدة دفعت ثمنا باهظا من عمرها، شبابها هناك في المدافن دماؤهم لم تجف بعد، تقف العذراء عند تلّتها العالية تراقب ترقّب الناس ويقظتهم، هذه بلدة لا تنام، هذه بلدة تعيش في السهر والمراقبة واليقظة، ولو لم تكن كذلك لصارت القاع مدينة الدواعش بكل اتجاهاتهم. هذه بلدة لقنّت الوحوش دروسا قاسية وصفعة قاسية. هنا القاع وهنا الحراس الذين لا ينامون، كل مواطن فيها حارس، كبارا صغارا رجالا ونساء، هنا منظومة الحب لأجل قاع عبرت فيها أنهار دماء ودواعش زمان منذ السبعينات حتى اليوم، وصارت ملفى الدمع والعناد والصمود، وتنتظر على أحر من الحب لحظة الصفر التي يطلقها الجيش اللبناني ليعلن حربه على الإرهابيين.

ينتصب مار الياس حارسا في الساحة، مخيف سيفه حين يتوجّه صوب الأشرار، سيفه سيف الحق والحب لكنه يتحوّل غضبا حين يتخطّى الشر حدود الإنسانية، وحين تصبح حياة الناس العوبة بيد الوحوش، يؤمن الأهالي ان لولا سيف مار الياس لكانت تحولت القاع الى أنهار دماء متواصلة، لولا غضب مار الياس لكانت مجزرة العام الماضي استمرت حتى اليوم ولكانت انتهت القاع وانتهت مقاومتها. يقول القاعيون انهم ومار الياس يسهرون معا، يتسامرون في ليل الخطر، يحمون

بلدتهم، عيونهم معا تترقّب تفاصيل مجهول الظلام وما يمكن ان يحمله من مفاجآت مخيفة الى بلدة النضال، لا تنام عيون القاعيين ولا يطبقها النعاس لحظة ولو أطبق النوم والتراخي عيون العالم بأسره.

الى هنا وصل بو عاصي في محطته الأخيرة، وتدابير البلدية هنا أكثر تشددا من أي بلدية أخرى في القرى المحيطة، إذ منعت على النازحين السوريين السير ليلا، كما منعتهم نهارا من التجوال على دراجاتهم النارية وحتى إشعار آخر، كما تشددت مع العمال السوريين ومنعت كل من لا يملك اوراقا ثبوتية من الامن العام، دخول البلدة نهائيا، فهنا اعلان غير معلن لحال الطوارئ، والطوارئ خطة ملحة نظرا للخطر المحدق المنهمر من الدواعش المتغلغلين في مشاريع القاع، لكن وعلى رغم كل ما يحدق بها من أخطار، تبتسم عيون القاع، تستقبل الناس بضحكة عريضة واسترخاء غريب.

ألا يخاف هؤلاء الناس؟! “كل الاحتمالات واردة عنا الا الخوف، الخوف هون عملة نادرة، انا وغيري ما منعرف نخاف وما بدنا نتعلّم كيف نخاف، ما منخاف إلا ع ولادنا أما المواجهات فنحن لها، ونحنا اليوم بأحسن ايامنا ومعنوياتنا عالية عالية فوق فوق لان المعركة مع الارهابيين ع البواب والجيش مزنرنا وهو من يقرر الساعة الصفر، والجيش رح ياخدلنا حقنا من الإرهابيين” يقول بشير مطر رئيس بلدية القاع.

الشمس السخية المتراخية فوق تلك المساحات الشاسعة، يقابلها خطر سخي أيضا بسبب ما يحيط البلدة من إرهاب متدفق من تلك الجارة الأبدية وذاك النظام القاتل في الشام، وتلك الحرب التي دخلها طرف لبناني وادخل لبنان في حرب إرهاب لا ترحم، فدخلت القاع في صلب صلب الخطر من جديد.

تدخل البلدة، الجيش يحاصرها، خي يا الله ثمّة من يرفع الضيم إذن، هل الناس في الاستعداد للمواجهة؟ «الجو ممتاز ومعنويات الناس عالية والناس مبسوطين لأن هالمعركة مش ضد أخ أو شريك بالوطن وليست معركة بالوكالة، هيدي معركة تحرير من عدو إرهابي ولها بعد وطني كبير لأن الجيش عم يقاتل عن أهلو ولا جدل أو خلاف حول هالمعركة» يقول مطر بحماسة كبيرة، ولذلك أصر بو عاصي على زيارة مراكز الجيش عند الخطوط الأمامية، ليعلن لهم ولاء الحكومة والشعب، ليعلن لهم تلك الثلاثية الذهبية التي لا جدال حولها، الجيش الشعب الوطن، ليعلن للناس ـنهم ليسوا وحدهم متروكين لقدر الإرهاب الدموي، هنا الجيش يقاتل ويقرر ويأمر وينهي، وهنا الدعم المطلق لحرب يقررها الجيش حين يشاء ويمشي خلفه الشعب بقلب مفتوح على المساندة المعنوية واللوجستية إذا أراد الجيش ذلك. “نحنا والوزير واحد، صداقاته هنا كثيرة، هو بـ بيتو، طلبنا منو الكثير، الزيارة تركت صدى كتير إيجابي عند الناس، هو قريب ومتواضع ومقاوم والجيش تأثر كتير بزيارتو» يقول مطر الذي لا يخفي همه الكبير من أزمة حادة تعيشها القاع وهي شح المياه «التحضير للمعركة ما بيحتاج بس سلاح إنما بنية تحتية جاهزة للصمود، همّ تأمين المياه شاغلنا، نعاني بشكل كبير ونحتاج الى كميات كبيرة من المازوت لنتمكن من تشغيل الآبار الارتوازية، نعاني انقطاع كبير للكهربا أيضا لذلك طلبنا من الدولة ومن الوزير بو عاصي يساعدونا بمؤازرة فعلية للجيش بهالاحتياجات حتى نقدر نصمد فعلا”.

جالس بو عاصي ناس القاع، تحدث معهم في كل شيء، ترك البلدة بعدما نصبت له حواجز لقاء وترحيب، يعرفون ان الرجل لا يقصد مكانا بوعود كاذبة، إنما بمحطات تضامن فعلية، ألم يقل إنه على استعداد ليكون عند الجبهة مع الجيش إذا ارادوا ذلك، لكن هل سيحمل أهل القاع السلاح كما فعلوا حين دهمهم الموت في قلب بيوتهم؟ «ليفهم الجميع انو السلاح هون كان للدفاع عن النفس وانو وقت يدق الخطر بيوتنا ما حدن بيردعنا ت نرد عن شرفنا وحياة ولادنا وعيالنا، سلاحنا الفردي ليس للاعتداء على الناس إنما للدفاع عن النفس وإذا طلب الجيش مساندة رح منكون بالخطوط الأمامية ورح نكون خط دفاع اول وتاني وتالت ورابع» يقول مطر.

ترك الوزير البقاع، وبقي الجيش يحاصر تلك المساحات الحلوة المترامية صمودا ومقاومة، وبقي الجميع في الانتظار، القاع تحديدا تنتظر لحظة الصفر، لحظة البداية، وأجمل البدايات حين يعلن جيشا الحب على أرضه، وكل الحب حيت تنطلق فوهة بندقية معلنة الموت للعدو، والقاع تنتظر عرس البارودة.

 

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل