كميل شمعون: اللقاء به حلمٌ

كتب عماد موسى في “المسيرة” –  العدد 1622:

حلم أي صحافي وأي شاب وأي مواطن أن يلتقي ولو لمرة واحدة زعيماً لبنانياً كبيراً مثل الرئيس كميل شمعون. رئيس  ساحر وقائد وطني طبع القرن الماضي بحضوره الآسر ومواقفه وشجاعته. يوم أصدر كتابه Mémoires et souvenirs العام 1979 وجدتها سانحة لأحظى بتوقيعه. وقفت في صف طويل أمام مكتبة أنطوان كي يوقع لي الرئيس شمعون كتابه الثالث. توتر الوضع الأمني. نزلت القذائف. وتفرقت الجموع.

بعد عامين حملت نسخة من الكتاب إلى عبدو جابر مرافق الرئيس شمعون الأقرب إليه من ظلّه، وطلبت منه ملحاً توقيع الرئيس، وكان لي ما طلبت بعد 24 ساعة. والكتاب في مكتبتي كنز.

مع صدور “المسيرة”، بنسختها العسكرية (المجّانية)، كان لنا غير لقاء مع الرئيس شمعون، يومها شعرت أنني وزملائي نبدأ مهنة الصحافة من القمة ومن حظنا أننا لم نتسلق سلالم لنصل إلى الكبير في تواضعه. كان في الثالثة والثمانين وأذكر أنه قام بواجبات الضيافة معنا شخصياً فذقنا متعة الحوار ولذائذ الشوكولا. وقد سألته يوماً لم صينية الدخان موجودة على الطاولة وهو مقلع عن التدخين فقال: “أتسلى بقضم فيلترات السجائر”. وسألته إن كان يمارس رياضة المشي فأجاب: “مع بارودة الصيد بمشي تنين كيلومتر بلاها ما بمشي 100 متر”. وأخبرنا يومها خارج سياق الحديث عن تمرين الذاكرة الذي يقوم به قبل النوم، ما يبقيها نضرة وفاعلة على رغم التقدّم في العمر.

ومرة أرسلنا إليه أسئلة ليرد عليها كتابياً. بعد أيام إتصل به الزميل إيلي خيّاط المعروف بـ”طارق” وسأله إن أجاب على أسئلتنا فقال: «بعدني عم طرطق فيها”. وبالفعل بعث الرئيس بردوده مكتوبة بثلاثة أقلام بيك، ما يوحي أنه أجاب على الأسئلة على فترات متقطعة.

مع  صدور المسيرة ـ التلغراف بصيغتها الجديدة بعد الإنتفاضة الأولى  قصدنا الرئيس شمعون في تيرو ضبيه، وسأله أحد الزملاء (فوزي سلامة على الأرجح): هل ما زلت فخامة الرئيس تشعر بالمتعة لدى ممارسة هذه الهواية، بعد كل هذه الأيام؟ أجاب: “معلوم… معلوم وتأكيدا، بدأت الصيد منذ عامي السادس، والى اليوم لا أنوي تركه إلا إذا عجزت أو ما شابه ذلك”… لا سمح الله… وانتهى الحوار بـ «حل عني بدي قوص”.

الحديث الأول الذي أعطاه الرئيس كميل شمعون لمجلة “المسيرة”، صدر في العدد الخامس في 30 تشرين الثاني 1985، من ضمن ملف عن الصيد وتكرر اللقاء ثلاث مرات. وكان صيدنا الصحافي أحاديث طويلة في شؤون السياسة والمقاومة والاقتصاد.

اللقاء الثاني كما الأول في تيرو ضبية “بعيدًا من قاعات الاجتماعات. هنا الأفكار بتكون أروق” بحسب تعبيره. كان الطقس شباطيًا مشمسًا (19/2/86) والاتفاق الثلاثي على عتبة جناز الأربعين. وقتها تساءل شمعون “لست أدري لماذا خصص القادة السوريون لبنان بالعلاقات المميّزة من دون سواه، علما أن لا أثر لهذه العلاقات المميّزة في العلاقات التي تربط مثلاً العراق بالكويت، أو سوريا بالاردن…”.

وشدد على أن علاقته بـ”القوات اللبنانية” “أكثر من ممتازة”. وسألته “المسيرة”: كيف يصف الرئيس كميل شمعون نفسه اليوم؟

قال: رجال عم يختير…

استطردنا: لكن هذا الرجل “اللي عم يختير” هو صمام الأمان للبلد…

ردّ: أطلب من الله أن يمنحني القوة، حتى أستطيع خدمة لبنان الى آخر دقيقة من الحياة.

واستجيب الطلب. سنة ونصفا. في هذا اللقاء كان الرئيس كعادته في كل أناقته، حتى في ثياب الصيد، وفي أثناء تبديل سترته وانهماكه بربطة العنق، كان مصوّر “المسيرة” يتابع تحركاته بسيل من الصور، فوقف شمعون غاضبًا وممازحًا في آن، وسأله: ماذا تريد؟ هل أخلع سروالي لتصورني أيضًا”.

ولقاء «المسيرة» الثالث كان أيضًا في حقل الرماية، استقبل الصياد مندوبة «المسيرة» والمصوّر بروح مرحة وبادره: يللا ما بدك تصوّر؟ وكيف هيك منيح من دون عوينات؟

التاريخ أربعاء أيضا (10 أيلول 1986) وموضوع الحديث الحوار والإرهاب والوفاق والمهجرون والاتصالات مع الوزير جنبلاط.

آخر حديث طويل مع كميل شمعون تلا حادث الاغتيال الذي تعرض له في 7 كانون الثاني 1987 (صدر في العدد الـ 64) وردّ فيه رئيس الجبهة اللبنانية على 35 سؤالا تناولت تحركه السياسي من خلال الجبهة والحكم وحزب الأحرار والموقع الذي يمثله كأب للمقاومة اللبنانية وطرح مبدأ اللامركزية الاقتصادية واستبعد أي حل اقتصادي في معزل عن الأزمة السياسية والأمنية.

“كميل شمعون لولاه” كان عنوان الغلاف.

كنا نأمل، كما سوانا من الزملاء، في حديث آخر، مع الصديق الدائم للصحافيين، اللاذع الرؤيوي المؤمن قولاً وفعلاً بأقانيم الحرية والسيادة والإستقلال. لم نشأ إزعاجه  في خضم المشاكل الاقتصادية والاجتماعات المتلاحقة التي كان يعقدها غير آبه بالعمر وبالتعب. لكننا بقينا على أملنا في لقاء صحافي آخر.

كميل نمر شمعون، الى كل ما قيل عنه، يبقى لـ”المسيرة” صديقا، و”للمسيرة” شعاعا أبيض، أضاء في التاريخ ويضيء غدًا ، بعد مضي ثلاثين عاماً على رحيل من أحبه وقدّره الخصوم كما نحن المنبهرون به.

  • للإشتراك في “المسيرة” Online:
  • http://www.almassira.com/subscription/signup/index

    from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل