كميل شمعون الممتلئ حبّاً بلبنان

جاء في مجلة “المسيرة” – العدد 1622 مقال نُشر في العدد 94 في 15 آب 1987 بقلم الأمين العام للجبهة اللبنانية إدوار حنين:

كان كميل شمعون في الخامسة والعشرين من عمره. وكنت في العاشرة، يوم عرفته في بيتنا في الوروار – كفرشيما حيث كان لأبيه الذي كانت تربطه بوالدي صداقة حميمة، بيت يرتاح الى أهله والى موقعه في غابات غضة من الصنوبر والزيتون، وحيث كان يجد كميل واخوته مكاناً يمارسون فيه هواية صيد العصافير، ثم تسجلت في مكتبه للتدرج، وبقيت أعيش في كنفه، بعدما انتخبت نائباً عن قضاء بعبدا – المتن الأعلى، ايام رئاسته للجمهورية، السنة 1957، ولا أزال.

كانت مسيرة كميل شمعون في المحاماة، في النيابة، في الوزارة، في رئاسة الجمهورية، في رئاسة حزب الوطنيين الأحرار، وفي رئاسة الجبهة اللبنانية مسيرة مميزة في الاستقامة والنشاط والصلابة وفي حسن التعامل مع الناس.

الطرافة في حياة كميل شمعون انه عاش في بيت جبلت فيه شخصيته، من صفات اللبنانيين، جيدة ورديئة، التي منها الجدية والعمل والمحبة والشجاعة والصمود والمشاركة في الواجبات والعونات، وطلاب الافضل بفهم وآدمية ومواظبة مستمرة، والتي يقابلها حب المراجل والتباهي والافتخار، مع ما يرافق كل ذلك من ذكر وقائع التاريخ، الكبيرة منها والصغيرة، واخبار الشطارة والبطولات والمحازبة، ومن الرغبة في التعرف الى ائمتها.

في المحاماة كان يستمع الى قضايا الناس، وينصح ويوجه بمقدار ما كان يتولى خدمتهم.

مرة، قدم اليه رجل من “مجد المعوش” يشكو اليه أن جاراً له اقتحم جنينته ليلاً، وأخذ يقطع من عماد اشجارها ويقلع ويخرب، فسأله هل انت اكيد من ان جارك فلان هو الفاعل، وهل له ملك؟ قال نعم، فقال عد الى بيتك وافعل بجارك ما فعله هو بك، ودعه يتقدم بشكواه عليك، بعدها، ترجع الي وانا اتولى الدعويين، في آن دعواه عليك ودعواك عليه، ثم ارسل “زلمته” الياس يسأل عن الشاكي في قريته، فعاد الياس ولم يعد الشاكي.

ومرة ثانية، وكانت أوكلت اليه النيابة عن الشوف، قدم اليه رجل من “وادي الست” يشكو رجلاً من قرية في جوار قريته غار عليه محاولاً قتله. فقال له هل تقدر، انت، على قتله اذا شئت؟ فقال الرجل: لا، انه قوي وله عائلة قوية. فقال النائب شمعون استعن بأصدقائك عليه، وأجرِ معه ما اجراه معك، وقف، كما وقف هو، عند حدود المحاولة والتهديد، فالمرء قوي بأخيه، والقوة تلجم القوة.

اما وقد اصبح كميل شمعون وزيراً فأصبح الحاكم العادل، وصار ينصح باحترام القانون، ويقسو في معاقبة الذين يخالفونه، ولا يقبل وساطة يستفيد منها مخالف.

وفي رئاسة الجمهورية عمل فخامة الرئيس شمعون لخدمة القضايا العامة ولا يهمل علاقته مع الناس الذين كانوا مشوا في معاركه الانتخابية.

وظل هكذا، بعدما غادر الرئاسة، الى ان ولي رئاسة الجبهة اللبنانية بإرادة مجمعة من الرئيس سليمان فرنجية والشيخ بيار الجميل والاباتي شربل قسيس وجواد بولس وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني وانا.

ففي الجبهة اللبنانية كانت تكاملت شخصية الرئيس شمعون المكونة مما كان قد جبل منه من صفات اللبنانيين، ومما كان اخذ عن ابيه، ومما كان كسب من نضج وخبرة، فراح يتصرف تصرف المرجع الاخير في معالجة القضايا العامة، وفي التعامل مع الناس. فما من قضية عامة الا لقيت، عنده تفهما. وما من عقدة الا لقيت حلا. وما من مظلوم الا لقي فيه نصيرا، وما من تجاوز الا وجد فيه محذرا ومسعفا على استبعاد التجاوز.

فالمواقف التي كان الرئيس شمعون يحمل الجبهة على وقوفها كانت تتميز، جميعا، بالشجاعة وباحترام الحقوق وابتغاء الخير والحفاظ على كرامة الانسان. وكان مؤمنا بان القضية العادلة التي لا تقترن بموافقة الجبهة يزهق شيء من عدلها، وان المراجعة التي لا تقع موقع القبول في الجبهة يصعب عليها ان تقبل. وكان واثقا ان الجبهة اللبنانية هي المرجع الذي لا يليه مرجع من المراجعات، فيجد ان عليه ان ينصف في حكمه، والا خشي على الانصاف ان لا يكون، او ان يضام.

لذلك كان يتمهل في الاستعلام والاستقصاء، وكان يكثر الاصغاء الى اقوال اعضائها، ويعطي اهتماما كبيرا لشهادة من كان يرى استدعاءه للشهادة.

فكان واحداً من سلالة سليمان الحكيم يحكم، او كبيراً من كبار اساتذة مدرسة الحقوق الرومانية في بيروت يتولى النظر في القضايا العامة المعروضة على الجبهة وفي مسائل الناس الطارئة.

الرئيس كميل شمعون الذي قاد خطى الجبهة اللبنانية منذ ساعة نشأتها، العام 1976، في الكفور، الى ان غادرها، امس، بقي هو اياه الشاب والمحامي والوزير ورئيس الجمهورية ورئيس الحزب، الا انه كان تكلل بالمشيب، فزاد حكمة ووقارا، وكان كأنه اصبح شعاعا من العدل المطلق الذي في ظله تقاد الشعوب الساعية، ابدا، الى الامثل وتقديس كرامة الانسان.

يظل الرئيس كمل شمعون في تاريخ اللبنانيين، لبنانياً، عملاقاً، له رؤى تشعل كل لبنان وكل طموحات اللبنانيين يملأه تصور للبنان صنع يده، وهي رؤى مركزة على لبنان اكثر مما كانت مركزة على اللبنانيين من دون ان يهمل هؤلاء. بل كان يقنعهم – وهو على حق – انهم، هم، المستهدفة خدمتهم عندما يخدم وطنهم لبنان.

الرئيس كميل شمعون منارة باسقة دمعت العيون المستنيرة بنورها، بعد غيابه.

لا فراغ بعد كميل شمعون ما دامت صورته تملأ النفوس، وصوته يهدر في كل اذن.

الصور من أرشيف “المسيرة” وشفيق رزق  

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل