معركة شكا والكورة 1976… “داعش” مرَّ من هناك – 1 –

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1622

معركة شكا والكورة 1976… “داعش” مرَّ من هناك

دافيد داوود: عند نفق شكا بدأت المعركة وكانت جثث الشهداء داخل السيارات

تموز 1976. هناك على تخوم بلدات قضاء الكورة كانت عناصر تابعة لتنظيمات فلسطينية وجيش لبنان العربي تحشد قواها للرد على معركة “تل الزعتر” و”جسر الباشا” وبدء عملية تحريرهما من الفصائل الفلسطينية المسلحة والمرتزقة. الهدف الرئيسي من تلك الحشود بلدة شكا البترونية.

الثالثة الا ربعا من فجر الخامس من تموز أجراس الكنائس في بشري وزغرتا وفي قرى وبلدات قضاء البترون تقرع، لكن ليس حزنا ولا خوفا ولا حتى استسلاما لهمجية المحتل وتهديداته. هو صوت البطولة والشرف والكرامة اللامتناهي. واخترق الصوت جدار المقاومين الأبطال الذين نزلوا بشيبهم وشبابهم بسلاحهم الفردي دفاعا عن أرض رفضوا أن تدنسها أقدام محتلين ومرتزقة.

ذاك اليوم كان يمكن ان يبقوا في بيوتهم. ان يتستروا وراء شبابيك الخوف حفاظا على أرواحهم… كان يمكن وببساطة أن يرفعوا الرايات البيضاء وتنتهي المعركة قبل أن تنطلق شرارتها الأولى. لكن الواضح ان لا أبناء شكا والكورة والبلدات المحيطة كانوا في وارد الإستسلام والمحتل لم يحسبها صح كما العادة!

هناك كانوا كثرًا. هناك في معركة شكا كتب الأبطال فصلا من حكايات بطولات المقاومة المسيحية. فالمعركة ما كانت في حساباتهم معركة “مكانية” وحسب، إنما معركة وجودية. وكان لهم ما أرادوه في 12 تموز حيث سجل التاريخ آخر فصل من رواية معركة شكا.

ثمة من كان يراهن في بداية الحرب اللبنانية أن مفهوم المقاومة اللبنانية لا يتعدى إطار الدفاع عن الشارع أو الحي. حتى المعارك التي كان يخوضها شبان المقاومة المسيحية كانت في حسابات الجيوش الزاحفة طمعا بالأرض والجغرافيا مجرد معارك مكانية. لكن ثبت لاحقا أنها معارك وجودية. ومجرد خسارة أية معركة كان يعني خروج المقاومة اللبنانية من الجغرافيا والتاريخ لاحقا. لكن نضالات المقاومة اللبنانية أبقتها وناسها حيث أرادت أن تكون وتعيش بحرية وكرامة. حافظوا على الجغرافيا وغيّروا التاريخ.

كانت معارك تل الزعتر وجسر الباشا التي اندلعت في حزيران 1976 في أوجها بين الفصائل الفلسطينية والمرتزقة  وشباب المقاومة اللبنانية، والمعطيات العملانية تشير يوما بعد يوم الى أن النهاية ستكتب حتما بانتصار المقاومة اللبنانية. أما في الشمال فكان هناك حراك من نوع آخر على رغم الهدوء الحذر الذي كان يسيطر على الجبهات التقليدية. وبهدف تقليص حدة المواجهات في تل الزعتر عمد المسلحون الفلسطينيون ومن انضم إلى ألويتهم العسكرية بحشد قوى حول بلدة الكحالة ودير القمر والأسواق التجارية بهدف تشتيت قوى المقاومة اللبنانية وسحب مجموعات من المقاومين من الجبهة الرئيسية وإيهامهم بفتح جبهة جديدة لتخفيف الضغط والمقاومة على جبهة تل الزعتر.

في المقابل كانت القوى الفلسطينية تحشد في الشمال والهدف بلدة شكا البترونية. وبعد ورود معلومات استخباراتية تؤكد وجود نية لعمل عسكري عقد اجتماع في بلدة دير بلا ضم ممثلين عن أحزاب وتنظيمات الجبهة اللبنانية وتدارسوا الوضع العسكري المستجد وتبين أن الهدف من الحشود العسكرية بلدة شكا.

الشك صار يقينا. لكن غدر المسلحين سبق كل التحضيرات العسكرية. وفي الساعة الثالثة إلا ربعًا من فجر الخامس من تموز عام 1976 بدأت القذائف تنهمر على شكا وحامات. وبدأ الهجوم على شكا.هجوم بدأ بارتكاب مجازر في حق مدنيين مسيحيين لا حول لهم ولا قوة. ذنبهم أنهم وجدوا في الزمان والمكان الخاطئين.

دافيد داوود إبن برحليون في قضاء بشري كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره. دافيد كان هناك وليس صدفة. فهو قرر أن يحمل البارودة وينزل إلى الجبهات دفاعا عن أرض القداسة وأبطالها الشهداء القديسين. ويروي: “فجر الخامس من تموز وبعد احتلال المسلحين الفلسطينيين وعناصر من جيش لبنان العربي قلعة طرابلس التي كان يتمركز فيها عناصر من الجيش اللبناني، بدأ الهجوم على منطقة شكا. وما هي إلا لحظات حتى سمع الأهالي أصوات أجراس الكنائس تقرع. وتداعوا لحمل السلاح ومن كان يملك قطعة سلاح فردي أو بندقية صيد نزل إلى الجبهة”.

دافيد كان لا يزال مع أفراد مجموعة قريته برحليون فتم استدعاؤها بالإضافة إلى مجموعات باقي القرى والبلدات الشمالية. ويروي: “توجهنا من برحليون إلى قنات ودير بلا وشناطة وصولا إلى البترون لصد الهجوم الذي كانت تشنه فصائل تابعة لتنظيمات فلسطينية ومعها عناصر من جيش لبنان العربي على بلدة شكا. وعند نقطة التجمع في البترون التقت المجموعات وتوحدت حتى باتت تشكل قوة واحدة. واللافت أنه على رغم غياب الهيكلية التنظيمية إلا ان الشباب كانوا متحمسين جدا وحماستهم تفوق كل باقيالإعتبارات وكان التنسيق يتم على أرض المعركة في المرحلة الأولى من اندلاعها.

عند الوصول إلى نفق شكا  بدأ المشهد يختلف. على الأرض جثث لشهداء تمت تصفية البعض منهم داخل سياراتهم ومنهم من أخرجوا منها وأعدموا إما رميا بالرصاص أو ذبحا. من قال إن تنظيم “داعش” لم يكن حاضرا آنذاك؟ أطفال رُضّع، أولاد انتقلوا إلى أحضان يسوع بعدما تمت تصفيتهم وأمهاتهم وهم في أحضانهن. ومنهم من استشهدوا برصاص القناصين”.

أمام نفق شكا دارت معركة طاحنة خصوصا أن المسلحين كانوا يتمركزون في دير النورية والتلال المشرفة على النفق.”هناك انقسمنا إلى مجموعتين بحسب قطع السلاح التي توزعت بين الأوتوماتيكي والفردي. أذكر أنه ضمن مجموعتنا كان هناك 3 إخوة من آل نخول من بلدة كفرعبيدا، استشهد أحدهم فيما كان يتسلق الحبال صعودا نحو دير النورية وأصيب شقيقه على رشاش الدوشكا. وبعد ساعات علمنا أن شقيق الشهيد أكمل طريقه صعودا نحو الدير وتمكن مع مجموعة من شباب «القوات اللبنانية» من تحرير دير النورية وإلحاق خسائر بشرية كبيرة في صفوف المقاتلين وكانوا في غالبيتهم من الفصائل الفلسطينية والمرتزقة”.

معركة تحرير نفق شكا كانت مفصلية وسقط في خلالها عدد من شهداء “القوات اللبنانية” عدا عن المدنيين الذين صادف وجودهم هناك. لكن كان لا بد من إكمال درب المقاومة والنضال. “علمنا أن هناك تجمعا لشباب الكتائب في منطقة المغر في قضاء الكورة بعد ورود معلومات عن وجود نية لدى المسلحين في شن هجوم على الكورة. في هذه الأثناء بدأ يصلنا الدعم من أسلحة وعتاد من بيروت بالإضافة إلى السلاح الذي كان يصل من ابناء زغرتا. داخل المجموعة التي ضمت نحو 40 شابا من برحليون وقنات وحصرون وحدث الجبة كان هناك مقاتل يدعى كلود قنطرة وكان يتولى قيادة مجموعة من الكتائبيين من بينهم أولاده الأربعة (شابان وفتاتان). وكان إبنه جميل يقود سيارة الجيب العسكرية ومعه إخوته. في هذه النقطة عملنا على تنظيم أنفسنا وأوكلنا مهمة قيادة المجموعة للرفيقين سمير فارس وكميل كرم. وساهم هذا التنظيم في توزيع المهام والتنسيق بين المجموعات. إلى ذلك تم استحداث غرفة عمليات في المغر وكان يتولى مسؤولية إدارتها على المستوى اللوجستي كل من رئيس قسم بشري آنذاك جوزف جعجع والمسؤول الكتائبي في قضاء بشري أنطوان بركات وحبيب خوري الذي كان يتولى قيادة مجموعة عين عكرين والمسؤولان الكتائبيان كلود قنطرة وجوزف فضول و(النائب الراحل) فريد حبيب وسمير جعجع الذي كان يدير المجموعة بشكل تكتيكي وعقل مدبر لافت”.

في هذه الغرفة تعرف دافيد داوود إلى سمير جعجع الذي كان على رأس مجموعة بشري. عن هذا اللقاء يروي دافيد: “كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بالقائد سمير جعجع. كان لافتا باندفاعه وقدراته القتالية. سألنا: «من يكون هذا الشاب؟ فأخبرنا أحدهم أنه سمير جعجع من بشري وهو من مواليد منطقة عين الرمانة وكان يتخصص في مجال الطب قبل أن يلتحق في صفوف القوات اللبنانية”. وقبل الإنطلاق إلى أرض المعركة طلب سمير جعجع من الرفاق أن ينقسموا إلى مجموعتين: الأولى سميت بمجموعة السلاح الأوتوماتيكي التي انتسبت إليها لأكون مع رفاقي وكانت تعرف بإسم “نسور الشمال”، والثانية مجموعة السلاح نصف الأوتوماتيكي وضمت رفاقا من برحليون وقنات وحدث الجبة وحصرون ويرأسها المسؤول العسكري الكتائبي سمير فارس. أما مجموعة سمير جعجع فكانت تعرف بإسم القوة الضاربة التي تتولى مهمات الإقتحام”.

مع ساعات الليل انطلقت المجموعات الثلاث في سيارات مدنية وأخرى عسكرية من دون إضاءة ووصلت إلى قرية كفرعقا التي كانت تشكل خط تماس بين أميون وكوسبا. وهناك توزع مقاتلو القوات اللبنانية على البيوت التي فتح أهلها أبوابهم لاستقبالهم ووضعوا خطة التحرك على الأرض وكيفية التنسيق بين المجموعات. ودقت الساعة الصفر.

  • يتبع –
  • للإشتراك في “المسيرة” Online:
  • http://www.almassira.com/subscription/signup/index

    from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل