
تابعت السجال الذي وثقته صحيفة “الاتحاد” الإماراتية بين د. رضوان السيد وبين شارل جبور رئيس جهاز الإعلام في حزب “القوات اللبنانية”، حيث كتب السيد مقالة بعنوان “جعجع والفيدرالية النازلة من جرود عرسال”، ورد عليه جبور بمقالة “موقف القوات اللبنانية”.
وتعليقي في هذا السجال يبدأ من حيث انتهى الزميل جبور، إذ جزم في مقالته بأن الدكتور جعجع لم يصرح مطلقًا بما نصه “لو راجع المرء تصرفات وإنجازات “حزب الله” فيما بين مقاتلة إسرائيل ومقاتلة الإرهاب، فإن الحكم التقييمي على هذه الإنجازات يكون إيجابيًا”. ثم أضاف جبور قاصدًا السيد: “متناسيًا أن السبب الرئيس لترشيح جعجع لعون كان ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية”.
في ٢٠ كانون الثاني ٢٠١١ اعتبر وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أن الوضع في لبنان “خطيرا”، مؤكدًا أن المملكة “رفعت يدها” عن الوساطة التي أجرتها مع سورية لحل الأزمة في هذا البلد، محذرًا من وصول الأمور إلى الانفصال والتقسيم. وقال “عندها ينتهي لبنان كدولة تحتوي على هذا النمط من التعايش السلمي بين الأديان والقوميات والفئات المختلفة”.
هذا التصريح، ما سبقه وما تلاه، أي مباحثات السين ـ سين الشهيرة، ثم قيام تحالف ٨ آذار الموالي لإيران ولسوريا الأسد بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، اعتبره لبنانيون بداية تخل سعودي عن لبنان، وبالتالي بداية انهيار القوى السيادية اللبنانية، وفي رأيي هذه نظرة قاصرة.
أولاً، مباحثات السين – سين كانت قرارًا دوليًا أكبر من أن تعارضه المملكة، فالمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة ثم فرنسا، اراد منح فرصة “تغيير سلوك” لبشار الأسد وفصله عن إيران، وفي هذا السياق سايرت المملكة، وفي هذا السياق اتخذ الرئيس الحريري أقسى قرار في حياته بالذهاب إلى قصر المهاجرين، ولا شك بأن الرئيس الحريري يدفع ثمن تلك الزيارة إلى اليوم. ولا بد من الاعتراف اليوم بأن المباحثات أديرت بشكل خاطئ.
ثانيًا، مواقف المملكة الداعمة للبنان استمرت بعد انهيار مباحثات السين – سين، ومنها مقاطعة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وفي نفس الوقت تحريضه على التمسك بالمحكمة الدولية، ومنها المنحة المليارية للجيش اللبناني ولقوى الأمن التي ألغيت مؤخرا بسبب تغير الظروف.
مقالات د. رضوان السيد الأخيرة، فيها تفاصيل لا غرابة في الاتفاق مع أغلبها، والاختلاف مع بعضها خصوصًا حديثه عن “القوات اللبنانية” وزعيمها، لكن ما يهم أنها تعكس احتقانًا سنيًا داخليًا وإقليميًا.
على الصعيد الداخلي ثمة خيبة أمل من مآلات التسوية الرئاسية بغض النظر عن نوايا أصحابها، وثمة خيبة أمل من تمييز أمني – ورسمي – فاضح بين إرهاب وإرهاب، وثمة فجيعة من ماكينة سياسية ودعائية تبذل كل جهد للتقريب بين المسيحيين وبين ميليشيا “حزب الله” الإرهابية، وما يؤسف حقًا أن هذه الماكينة تحقق نتائج مرعبة نلمسها في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام وبعض المؤسسات كالرابطة المارونية.
وعلى الصعيد الإقليمي يتم تهجير السنة وذبحهم على الهوية، ولا يكتفى بذلك بل يتم تدمير حواضرهم المركزية بذريعة الحرب على الإرهاب، والمضحك المبكي أن من يزعم محاربة الإرهاب إرهابي هو الآخر، لكنه فوق الحساب والعقاب.
أعتقد أن اللحظة الضاغطة على لبنان وعلى قواه السيادية، تشكلت منذ وقوع المنطقة فيما يسمى بالربيع العربي، فتراجع لبنان من أولويات صناع القرار في المنطقة، فكانت دولتان مثل السعودية والإمارات فزعتان – حقًا – مما يجري في مصر، ولاحقًا انخرط ما تبقى من محور الاعتدال في مواجهة محور الممانعة في سوريا عبر الثورة السورية، كان لبشار الأسد إيران والعراق وحزب الله ثم روسيا، وكان للثوار أصدقاؤهم أيضًا.
كانت نظرية إيران واضحة: “التركيز على لبنان للانتصار في سوريا”، وكانت نظرية محور الاعتدال معاكسة: “التركيز على سوريا للانتصار في لبنان”، وللأسف ثبتت صحة النظرية الإيرانية، خصوصًا مع تعاطف الإدارة الأوبامية في واشنطن.
بعد انشقاق وليد جنبلاط عن قوى ١٤ آذار، وفي هذا الإطار الإقليمي، فقدت القوى السيادية سندها الخليجي والعربي الذي انشغل بملفات أسخن ونظريات فادحة، وجاءت الطامة الكبرى داخليًا بترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، الذي مزق – بأسبابه وتداعياته – ما تبقى من ١٤ آذار.
في السياسة لا يمكن فصل الداخل عن الخارج، وقادة قوى ١٤ آذار بشر يتوقع منهم الخطأ والصواب، لكنهم على مستوى الإقليم حلقة في دائرة أكبر، ووقعت في تلك الدائرة الأخطاء الأخطر، مثل إهمال لبنان، والموافقة على ترشيح فرنجية ثم عون، والأهم فلننظر كيف عاملت إيران حلفاءها ولننظر كيف تعامل محور الاعتدال مع حلفائه، وبعدها فلنوجه اللوم ولنبدأ الإصلاح، لكن الأحداث ستسبق الجميع، وحفظ الله هذا البلد الحبيب.