بين سمير جعجع ووليد جنبلاط.. التاريخ و”لعبة الأمم” و”مصالحة الجبل”

قلما إرتبط مصير جماعات عبر التاريخ، كإرتباط “الجماعة الدرزية” و”الجماعة المسيحية”، وتحديدا المارونية، ببعضهما البعض. إتحاد هاتين الجماعتين أنتج إستقلالا وحرية ووطنا وصلت حدوده إلى منطقة العريش في مصر جنوبا وإلى تدمر في سوريا شرقا؛ فيما طرق أبواب والي الشام بين فترة وأخرى كان شبه نزهة.

لم يكن ليُسمح للوطن الصغير أن يكون ندّا لإمبراطوريات وسلاطين، يواجهها ويكسرها وينتصر عليها ويثبّت إستقلاله، فما كان من سبيل لوأده قبل أن يشتد عوده سوى بحياكة المؤامرات بعناية، والتي للأسف وجدت لها من يلاقيها من عملاء ضعاف النفوس.

صحيح أن العلاقة بين الموارنة والدروز في جبل لبنان علاقة جدلية، لكنها بقدر ما تأرجحت في فترات زمنية قصيرة، هي بالقدر ذاته كانت راسخة وثابتة في الضمير الجماعي على الضفتين على مدى السنين.

فخر الدين المعني الكبير، إبن “بني معروف”، “أيقونة مارونية”. هكذا ينظر إليه الموارنة في الضمير. لا يرون فيه سوى إعتناقه معشوقتهم الحرية، وهذا يكفيهم، فحالفوه ووالوه وصنعوا معه مجد لبنان في التاريخ.

ليس تفصيلا أن تشير الإستطلاعات في الجبل إلى أن سمير جعجع هو الزعيم الثاني لدى الدروز بعد وليد جنبلاط . هذه لها تفسيرها في شخصية الرجل وصدقه ومصداقيته وشجاعته في السلم والحرب طبعا، لكنها بالتأكيد تجد جذورها في الوعي الجماعي الدرزي لحقائق الجبل التاريخية، في تكوين “النواة الصلبة” لدى كل من الجماعتين الدرزية والمسيحية، والتي يمثلها اليوم رئيس “القوات اللبنانية” في المقلب المسيحي.

ليس تفصيلا كذلك أن يقول سمير جعجع بأن “حرب الجبل” الأليمة، كانت الحرب الوحيدة التي أتت من خارج سياق الحرب اللبنانية في مسارها العام واصطفافاتها المعروفة، وكأنها أسقطت بقوة قاهرة في لحظة عبثية. حاول جعجع فعل المستحيل لتجنبها، كان من أشد المعارضين من الأساس لصعود “القوات” إلى الجبل- يقال إنه بقي شبه وحيد في التمسك بشدة بموقفه- لكنه رجل لا ينكفئ أمام الخطر ولا يتهرب من المسؤولية حين تسند إليه، وصعد الى الجبل حين لجأ إليه الجميع وكلّفوه بالمهمة لينقذ الوضع بعد إنهياره. حاول المستحيل لتفادي الحرب، لكن تقاطع المصالح والتوافقات الضمنية بين سوريا الأسد وإسرائيل وتخلي العالم عن الوطن الصغير، كان أقوى.

يشرح جنبلاط: إنها كانت “لعبة الأمم” وسقطنا فيها جميعا وكنا ضحاياها ووقودها. ويروي لقناة “الجزيرة” في وثائقي “حرب لبنان” بعضا مما استطاعه من حقائق في ظل الإحتلال السوري الجاثم في تلك الفترة.

يقول جنبلاط: طلب مني السوريون أن أفتح الحرب على “القوات” في الجبل، فرفضت في بادئ الأمر وقلت بأن لا إمكانيات لدي ولا سلاح ولا رجال. لكنهم تكفلوا وقالوا: هذه علينا، سنمدك بالأسلحة والرجال والعتاد والذخائر مهما بلغت.

ويتابع ردا على سؤال: أمّن السوريون مختلف أنواع الأسلحة والمدافع والراجمات والدبابات والذخائر على أنواعها، وأرسلوا العناصر الفلسطينية من “الجبهة الشعبية – القيادة العامة” جماعة أحمد جبريل، ومن “فتح الإنتفاضة” جماعة أبو موسى، عدا عن عناصر من الحزب السوري القومي الإجتماعي وحزب البعث وسائر حلفاء السوريين من شيوعيين ويسار وغيرهم، مع مساندة مرابض المدفعية السورية في لبنان وراجمات الصواريخ في الحرب بكامل طاقتها.

يسأله المحاور: ومن كان في مواجهتكم؟ فيجيب: سمير جعجع. ليعود المحاور ليسأل مذهولا: كان سمير جعجع وحده؟ ليعيد جنبلاط تأكيد جوابه: كان وحده.

خلال المفاوضات لإعداد قانون الإنتخاب الجديد، والذي كانت لـ”القوات اللبنانية” اليد البيضاء الطولى في إنجازه، وحين بدا أن ثمة إمكانية لدى البعض لتخطي ملاحظات وإعتراضات جنبلاط في لحظة ما على بعض التفاصيل المطروحة، خرج سمير جعجع ليعلن: “القوات اللبنانية” لن تسير بأي قانون إنتخاب لا يوافق عليه الحزب “التقدمي الإشتراكي”. وكان في الوقت ذاته يعطي توجيهاته لنواب ووزراء “القوات” بالمراعاة القصوى لمطالب وهواجس رئيس “الإشتراكي”: جنبلاط خط أحمر.

يدرك الرجلان كنه العلاقة الدرزية – المسيحية. يوم سقوط الدور المسيحي لم يكن وحيدا، لم يتأخر الدور الدرزي في الإنضمام إليه، فيما برزت أطراف أخرى تحمل مشاريع إقليمية خارجية لا علاقة لها بلبنان التاريخي الذي بناه الدروز والموارنة سويا ليكون وطنا للحرية. يوم أسقط الموارنة، سقط الدروز وسقط الجبل وتغير شيء من وجه لبنان.

من هنا، أدرك جميع المخلصين أن لا قيامة للبنان دون قيامة الجبل. ورغم الإحتلال السوري الجاثم كان لا بد من خطوة شجاعة تعيد الأمل، فكانت مصالحة الجبل برعاية البطريرك الماروني الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير ووليد جنبلاط ، والتي واكبها جعجع وشارك في صناعتها من داخل سجنه في وزارة الدفاع الخاضعة في تلك الفترة للإحتلال السوري، رغم كل التضييق عليه.

جنّ جنون الإحتلال، فأفلت أوباش النظام الأمني السوري – اللبناني المشترك ردا على المصالحة، ليعيثوا إضهادا وقمعا وإرهابا وإعتقالا ضد الطلاب المقاومين في الكحالة، ثم أمام قصر العدل في بيروت.

سُحل طلاب الحرية على الإسفلت، لم يميز جنجاويد النظام الأمني بين صبية وشاب وساووا الجميع بحقدهم. أرادوا أن يكون الحدث متلفزا، وسمحوا في “صدفة” فاقعة بتصوير أبشع أنواع القمع الإرهابي لنظام مخابراتي. أرادوا للخوف والرعب أن يتعمم ويسكن في النفوس، فتنكسر المقاومة ويتأبد نظامهم.

أدرك بشار الأسد أنه إن سمح للمصالحة بين الدروز والموارنة بأن تستمر وتترسخ، سيصبح إحتلاله للبنان في خطر. أدرك الأسد أنه إن عاد جبل لبنان ليتوحد، سيهتز “عرشه” في دمشق.

لكن الأسد كان يعمل، والرب كان يعمل، والرب أقوى، وها هي مصالحة الجبل تترسخ وتزداد ثباتا يوما بعد يوم، بل هي توسعت لتطال سائر مكونات المجتمع اللبناني، وامتدت لتصبح “إنتفاضة الإستقللال” و”ثورة الأرز”، وكانت “14 آذار” وخرج الإحتلال السوري ذليلا من لبنان، وعاد الأمل، ويستمر النضال لإخراج سائر “الإحتلالات المموهة”.

مصالحة الجبل المباركة كانت نقطة التحول الكبرى لعودة لبنان الى سابق مجده، وباقي المعوقات في سبيل تحقيق ذلك ليست سوى غيمة صيف عابرة  في سماء لبنان، مهما توهمت قوة، فحالها لن يكون بأفضل من حال نظام الأسد البائد. ها هو في موت سريري محقق بإنتظار فصله عن أجهزة الإنعاش الإصطناعية الروسية – الأميركية في اللحظة المناسبة.

مباركة هي أعمال الرب. ومصالحة الجبل من أعماله المباركة، وعلينا جميعا أن نصونها برموش العين، أن نحميها ونرد عنها الأشرار والمتربصين بوطننا، حتى ولو بأسناننا وأظافرنا، ففيها قيامة لبنان. وبقوة الرب، وبسواعد أبنائه المخلصين الأحرار، لبنان باق بقاء الله في الأزل.

#يحيا_لبنان

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل