“حزب الله” وخطيئة قراءة التّاريخ

واشنطن تحذّر و”حزب الله” يتورّط. الغرب كلّه يحذّر والحزب ينغمس أكثر فأكثر في الشّؤون الإقليميّة والدّوليّة. لم يعد إطار الجمهوريّة اللبنانيّة يتّسع لتخمة هذا الحزب. وفي هذه المسألة دليل واضح على خروجه من كنف الدّولة اللبنانيّة.

ولكن… هل يعود “حزب الله” إلى الدّولة؟ أم أنّه قد  يعمل على تطويع هذه الدّولة أكثر فأكثر؟

يتخيّل لبعض المراقبين والمنظّرين في لبنان بأنّ الدّولة غير موجودة، ويبرّرون نظريّاتهم هذه بوقائع حيّة عن عدم قدرتها على الدّخول إلى بعض المناطق، أو عدم قدرتها على معالجة بعض الملفّات ميدانيًّا. للوهلة الأولى قد يبدو صحيحًا هذا الكلام. لكن المفارقة تكمن في أنّ هذه الدّولة التي ينظّرون حول عدم قدرتها هي نفسها التي طلبوا ضمانتها في العام 2006، وهي نفسها التي يطلبون منها محاربة “داعش”، وليس “النّصرة.”

هذه الدّولة التي ينهلون من خيراتها، لا بل قل يغتصبونها كلّ يوم ويشتمونها متى أرادوا، ومتى أرادت هي أن تبسط قدرتها الحقيقيّة. وفاتهم أنّ منطق التّاريخ وحده يدوم. والمنطق في السياسة هو الدّولة لا غير. وكلّ ما خلا ذلك لن يدوم مهما تعاظم شأنه وجبروت قوّته وسلاحه.

إذا ما راقبنا حركة كلّ الخارجين عن إطار الدّولة، نراهم دائمًا يبحثون عن انتصارات خارج هذا الإطار ليبرّروا دورهم الإقليمي حينًا والدّولي حينًا آخر. وهم ينسبون كلّ شيء إلى “الإلهي” في محاولة منهم لإسكات كلّ الأبواق المعارضة. وهذه عادة من عادات القبائل العربيّة حيث كان ينسب كلّ شيء إلى الإله، لا سيّما الإنتصارات، والإنكسارات كانت تحوّل إلى انتصارات ويتمّ اهداؤها إلى الإله. فحتّى حبّ الشّاعر جميل بن معمَر (جميل بثينة) لابنة عمّه بثينة  كان ينسبه إلى الله وهو المجيب لقائله:

” وقال: أفِقْ، حتّى متى أنت هائمٌ       ببثنة، فيها قد تعيدُ وقد تبدي؟

فقلت له :فيها قضى الله ما ترى         عليّ، وهل فيما قضى الله من ردِّ؟ ”

وفيما حدث في لبنان تكرار للوقائع التّاريخيّة ليس أكثر. وهذه مسألة جذورها معروفة. وما يلفت في هذا السياق إعلان الحزب المزدوج بإرادته للدّولة وبولائه لإيران ولمشروعها الإقليمي ولعقيدته الدّينيّة. فكيف يوفّق بين كلّ هذه الأمور؟ دور الحزب اليوم يقوم على محاصرة الدّولة أكثر فأكثر وإثبات قصورها في الموضوعات المصيريّة، وما محاربته لتنظيم “النّصرة” الإرهابي في عرسال إلا خدمة لمشروع إيران الإقليمي. ناهيك عن أنّ جبهة “النّصرة” ليست من صنع تطرّف النّظام. بل هي شكّلت فصيلًا إرهابيًّا معارضًا للنّظام. على عكس تنظيم “داعش” الإرهابي الآخر الذي كان وليد نظام البعث، وما عدم محاربته من قبل الحزب والنّظام معًا إلا الدليل القاطع على ذلك.

فالجيش اللبناني يقوم كما دائمًا بكلّ المهام الوطنيّة، متى ابتعد شبح التّهديد بالأمن الوطني على حساب الطّوائف ودورها. وما شجرة العديسة ومخيّم نهر البارد ومعركة عرسال الأولى إلا بعض النّماذج عن مدى قدرة الجيش الوطني على المواجهة. هذا طبعًا من دون إغفال تفكيك أكثر من ثلاثين شبكة تجسّس تعمل لصالح إسرائيل وجدت لها بيئة حاضنة وسط بيئة الحزب الحاضنة. فألف شكر لكلّ الجهود التي بذلها الشّهيد وسام الحسن في شعبة المعلومات، فضلاً عن تفكيك معظم الشبكات الإرهابيّة التي كانت تخطّط لضرب معظم المناطق اللبنانيّة لا سيّما بيئة “حزب الله”.

كلّ هذه الأمور وما تزال الدّولة قاصرة بنظرهم. وستبقى لأنّ قصورها يعني مبرّرًا لوجود قوّة رديفة لها، أي سلاح الحزب غير الشّرعي. وإذا ما أراد الجميع دولة قادرة قويّة فما عليهم إلا الثبات تحت كنفها وتسليمها كلّ قدراتهم الفرديّة، فضلا عن عدم التدخّل في قراراتها الاستراتيجيّة إلا عبر مؤسّساتها الشرعيّة، أعني الحكومة ومجلس النوّاب. فإذا كان انخراط الجناح السياسي لـ”حزب الله” في الدّولة إيمانًا منه بوجودها فليتابع مهمّته وليسلّمها كلّ ما يعيق تقدّمها. أمّا إذا كان وجود “حزب الله” في الدّولة لتغطية أعماله غير المشروعة وطنيًّا والمصنّفة في خانة الإرهاب عالميًّا، فهذه المسألة لن تطول كثيرًا حيث غدا الحزب منظومة إرهابيّة بنظر العالم كلّه، لو لم يجاهر بعضهم بهذه الحقيقة.

أمّا أن يطوّع الدّولة لحسابه، فهذه مسألة لن تحصل لأنّه سيصطدم بمن تاريخهم المشرّف سطّر ملاحم بطولات ضدّ الذميّة بمختلف أشكالها والإنصياع لإرادة الآخر. فتاريخ الجبل اللبناني والكنيسة اللبنانيّة لم يمسّه أيّ دنس في مجال الحريّة لأنّها جوهر الوجود ومن دونها لا وجود للبنان على حدّ قول المفكّر الكبير الدّكتور شارل مالك. فإذا كان لبنانهم من دونها، فهذا طبعًا لن يكون لبناننا، ومن لم يقرأ التّاريخ مشكلة، أمّا من قرأ التّاريخ ولم يفهمه فهذه هي الخطيئة الكبرى. فليتّعظوا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل