
اذا كانت مقتضيات اللحظة الامنية بدقتها وحراجتها توجب على لبنان التنسيق مع النظام السوري في الشق العسكري بحكم تداخل الاراضي في معارك الجرود خصوصا في القاع ورأس بعلبك، حيث يستعد الجيش اللبناني لشن معركة دحر تنظيم “داعش”، ويتوقع ان يواكبه من الجهة المقابلة الجيش السوري وحزب الله لإحكام الطوق على مسلحي التنظيم المقدر عددهم بالمئات والقضاء عليهم، على ان يتم التنسيق من خلال اللجنة الامنية المشتركة بين البلدين، فإن محاولات احياء التنسيق السياسي الرسمي في هذه المرحلة بالذات من خلال الحديث عن زيارات يقوم بها وزراء في حكومة “استعادة الثقة” الى سوريا يرسم علامات تعجّب لدى اوساط سياسية لبنانية عدة، خصوصا المناوئة للنظام السوري التي تسأل عن جدوى اعادة فتح قنوات التواصل الرسمية مع “نظام متهاوٍ يقتل شعبه ببراميل البارود والنار” كما تصفه.
وتقول الاوساط المشار اليها لـ”المركزية” في معرض استغرابها الاعلان عن زيارات سيقوم بها كل من وزراء الزراعة والصناعة غازي زعيتر وحسين الحاج حسن في 16 الجاري تلبية لدعوة تلقياها من وزير الاقتصاد والتجارة السوري لحضور معرض اعادة اعمار سوريا، والمال علي حسن خليل بدعوة من رئيس الحكومة عماد خميس، كما افادت المعلومات، ان هذه الزيارات، اذا تمت بالصفة “الخاصة” وفي اطار التنسيق على المستوى الشخصي، من دون توقيع اتفاقيات او بروتوكولات تلزم لبنان الرسمي، فلتكن ما دام الوزراء “الزوار” من فريق الداعمين للنظام السوري ورحلاتهم الى دمشق بهذه الصفة تكاد لا تحصى، مذكّرة بموقف لوزير العمل السابق سجعان قزي قال فيه” ان 7 وزراء لبنانيين يزورون سوريا أسبوعياً. اما اذا كان هؤلاء يعتزمون تصويب سهامهم نحو سياسة الابتعاد عن المحاور والنأي بالنفس اللبناني عن الازمة السورية لإقحام لبنان في النزاع السياسي تماما كما اقحم حزب الله نفسه في الميدان السوري من دون استئذان السلطات اللبنانية، فيطبعون زياراتهم بـ “التمثيل الرسمي”، فإن القضية لن تمر بالسهولة التي يتوقعها هؤلاء، لأن سياسة الدولة تقررها السلطة التنفيذية مجتمعة وليس بضعة وزراء في الحكومة.
وتدرج الاوساط هذه المحاولة في اطار مراهنة هذا الفريق السياسي على بقاء الرئيس بشار الاسد في الحكم في مشروع التسوية السياسية التي تطبخ في دوائر القرار الدولي، على قاعدة ان الحل الروسي هو الذي سيبصر النور في سوريا الجديدة بعيدا من المشاريع الاميركية والعربية الاخرى، ويدفعون بالاستناد الى هذا الاعتقاد في اتجاه اعادة التطبيع مع نظام الاسد على قاعدة “النصر لنا”، متجاهلين ان اي مشروع حل سيبقي الاسد في الحكم لا يمكن ان يكون الا خلال الفترة الانتقالية، لان مستقبل سوريا سيكون حكما من دونه.
ودعت في مجال سؤالها عن موقف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير امام الهيئة العليا للمفاوضات “أن الرئيس السوري بشار الأسد باق وان الوقائع تؤكد أنه لم يعد ممكنا خروج الأسد في بداية المرحلة الانتقالية،” الى ان موقف الجبير استتبع بتصريح لمصادر سعودية اشار الى أن ما نُقل عن الجبير كان محرّفاً وغير دقيق، خصوصا انه نُقِل عبر قناة روسيا اليوم عن مصدر في المعارضة ولم يكن مباشرا وعلنياً.
في مطلق الاحوال، تختم الاوساط ان قنوات التواصل والحوار اللبناني –السوري القائمة راهنا من خلال التمثيل الدبلوماسي أكثر من كافية وغير مسموح تجاوزها، بعدما وضعت قضية “ميشال سماحة” حداً لممارسات النظام “الاجرامية” في لبنان وكشفته على حقيقته. والى حين نشوء نظام سوري يضع حدا لسياسة الهيمنة والسطوة على لبنان، يجب ان يبقى التنسيق السياسي على ما هو عليه وللضرورة القصوى، لا غير.